; إعادة نشر الرسوم المسيئة للرسول ﷺ «الإسلاموفوبيا» في أبشع صورها | مجلة المجتمع

العنوان إعادة نشر الرسوم المسيئة للرسول ﷺ «الإسلاموفوبيا» في أبشع صورها

الكاتب صلاح الصيفي

تاريخ النشر السبت 08-مارس-2008

مشاهدات 68

نشر في العدد 1792

نشر في الصفحة 28

السبت 08-مارس-2008

  • «الإسلاموفوبيا» انعكاس لمشاعر سلبية في وعي المواطن الغربي وتعبير عن تحيز تاريخي وثقافي ضد الإسلام كدين وضد المسلمين كحضارة

  • سياسي هولندي متطرف يعتزم عرض فيلم قصير حول القرآن الكريم يزعم فيه أنه كتاب فاشي يحرض أتباعه على الكراهية والعنف!

  • ملكة الدنمارك: الإسلام يمثل تهديدًا على المستويين العالمي والمحلي.. ويجب عدم إظهار التسامح تجاه الأقلية المسلمة!

  • اللوبي اليهودي الأوروبي يغذي المخاوف من الإسلام كي يضمن استمرار الدعم الغربي للكيان الصهيوني

  • المناهج التعليمية في الغرب بها كم هائل من المعلومات المغلوطة والمضللة عن الإسلام مصدرها المدرسة الاستشراقية

  • اليمين المسيحي الصهيوني الأمريكي يروج لفيلم وثائقي مناهض للإسلام يصف الرسول الكريم ﷺ بأنه «زعيم حرب»!

ما قامت به الصحف الدنماركية بإعادة نشر الرسوم المسيئة للرسول الكريم ﷺ أعاد إلى الأذهان مرة أخرى تصاعد ظاهرة «الإسلاموفوبيا» في الغرب في أبشع صورها؛ فمن المؤكد أن إصرار الصحف مجتمعة على إعادة نشر الرسوم الكاريكاتيرية تجاوز كافة القيم والخطوط الحمراء في احترام الرموز الدينية ولا يمت بصلة إلى حرية التعبير والرأي، بل هو انتهاك صارخ وصريح لتلك الحرية.

إن حالة العداء للإسلام والمسلمين في الدنمارك تجاوزت كل الخطوط؛ فهناك تعبئة عامة ضد الإسلام على كافة المستويات بدءًا من التصريح الذي نقل على لسان ملكة الدنمارك «مارجريت الثانية» والذي قالت فيه: «إن الإسلام يمثل تهديدًا على المستويين العالمي والمحلي»، وحثت حكومتها على «عدم إظهار التسامح تجاه الأقلية المسلمة»، مرورًا بمواقع الإنترنت التي يطلقها دنماركيون - أفرادًا ومؤسسات خاصة - تحذر من المسلمين لأنهم «إرهابيون وقتلة»، وانتهاء بالحملة العامة في الصحف ومحطة التلفاز العامة التي أعلنت الحرب ضد الإسلام والمسلمين.

مرض متأصل: إن الإساءة للإسلام ورسوله الكريم ﷺ تعبر عن مرض تأصل في خلايا العنصر الغربي، وتجسد في الواقع فيما يطلق عليه «الإسلاموفوبيا»، وهو مصطلح حديث المعنى أصيل لدى الغرب، وهو العداء لكل ما هو إسلامي، أو ما يمت بصلة قريبة أو بعيدة للإسلام، فأصبح مرادف الإسلام في قاموس العقل الغربي هو «الإرهاب».

وسارعت في استغلال هذه الظاهرة التي تفاقمت بشكل واضح في السنوات الأخيرة، الآلة الإعلامية الغربية التي تحركها أيادٍ صهيونية لتأصيل هذه الحرب بين الإسلام والآخر، في مسعى لتبرير سياسات تنتهجها أنظمة تتميز بقدرتها على لي عنق الحقيقة للوصول إلى أهداف قد تكون اقتصادية، أو استراتيجية، أو حتى فرض هيمنة غير مسوغة.

لقد أصبح من المؤكد أن إعادة نشر الرسوم المسيئة لنبي الرحمة ﷺ لن تكون الأخيرة في سلسلة الإساءة للإسلام، فمن الواضح أنها سياسة عدائية يقودها اليمين المتطرف واللوبي الصهيوني في الغرب، وهناك أمثلة كثيرة يصعب حصرها حول مدى التوحش الذي وصلت إليه ظاهرة «الإسلاموفوبيا» في الغرب، ولكن نود أن تذكر بعض النماذج التي حدثت في الأسابيع القليلة الماضية.

«تسونامي» العصر!

نجد مثلًا في هولندا السياسي «خيرت فيلدرز»، زعيم حزب «من أجل الحرية» اليميني المتطرف، والذي صرح في رسالة مفتوحة على صحيفة الـ «فولكسكرانت» بدعوته إلى منع تداول القرآن الكريم في هولندا، وزعم أنه كتاب يدعو إلى العنف، وقارن بين المصحف الشريف وكتاب «كفاحي» لأدولف هتلر «1924م»، الذي يجاهر فيه بعدائه للسامية وتفوق الجنس الآري! لذلك يحظر في هولندا بيع وتداول هذا الكتاب «كفاحي»، لكن حيازة وتداول النسخ القديمة منه غير محظورة، بل إن دعوة «فيلدرز» امتدت لمنع تداول نسخ القرآن في هولندا حتى في المساجد والدوائر الدينية، واعتبار ذلك جريمة يعاقب عليها القانون، وهو ما يتجاوز حتى الحظر المفروض على كتاب هتلر!

وفي وقت سابق شبه «فيلدرز» الإسلام بأنه «تسونامي العصر»، وربط حملته الانتخابية والسياسية بالتصدي للإسلام، وطالب في وقت سابق بتخلي المسلمين عن صف القرآن لكي يستطيعوا العيش في هولندا.

ويعتزم «فيلدرز» عرض فيلم قصير حول القرآن الكريم، يزعم فيه أن هذا الكتاب رهيب وفاشي يحرض أتباعه على الكراهية والعنف، والفيلم مدته 10 دقائق، ويتضمن لقطات لتمزيق وتدنيس المصحف الشريف على اعتبار أنه يضم العديد من النصوص التي تدعو المسلمين إلى اضطهاد وقمع وقتل المسيحيين واليهود والمخالفين، وتدعو إلى ضرب واغتصاب النساء وإقامة الدولة الإسلامية بالقوة! وقال «فيلدرز»: «إن شعور المسلمين بأن الفيلم أهانهم هو شيء مؤسف، إلا أن هذه ليست مشكلتي»!

حزب مناهض

وفي ألمانيا يروج «أودو أولفكوته»، الصحفي السابق في صحيفة «فرانكفورتر الجماينه»، ضد انتشار الإسلام في أوروبا، ونشر مؤخرًا كتابًا بعنوان «الحرب المقدسة في أوروبا» تحدث فيه عن خطة مدتها مائة عام ليسيطر المسلمون على أوروبا.

ويخطط «أولفكوته» لتأسيس حزب مناهض للإسلام في المانيا، ويعتزم المشاركة بداية في الانتخابات الإقليمية القادمة في ولايتي، «هامبورج» و «بريمن»، ويرتبط بعلاقات وطيدة مع كتلة «فلامز بيلانغ» في بلجيكا، ما يعني أن الفئات المناهضة للإسلام في أوروبا بدأت تحشد صفوفها. 

وفي النمسا صعد حزب الأحرار اليميني المتطرف من حملته المعادية للإسلام والمسلمين، من خلال التطاول على الرسول الكريم ﷺ في حملته الانتخابية في مقاطعه «أشتاير مارك».. ففي هجوم غير مسبوق لمرشحة الحزب «سوزانا فنتر» يوم الأحد 13 يناير الماضي قالت: «إن محمدًا تزوج عائشة وهي ابنة تسع سنين، فكيف الإنسان سوي أن يتزوج ويعاشر طفلة في مثل هذا العمر.. ألا يعد ذلك شذوذًا حسب مفهوم اليوم وقسوة منه؟»!! 

هذا بالإضافة إلى استخدام الحزب شعارات معادية للإسلام والمسلمين، باعتبار أن الهجوم في هذا الاتجاه هو أسهل الطرق لجذب أصوات الناخبين النمساويين، خاصة الذين يشعرون بالخوف من الإسلام والمسلمين، في ضوء الاتهامات الباطلة بالإرهاب، والتطرف والعنف التي يحاول البعض في النمسا إلصاقها بالإسلام.

فيلم وثائقي

أما في الولايات المتحدة «معقل أقوى لوبي صهيوني في العالم» التي يحكمها الآن عصابة من اليمين المسيحي الصهيوني المتطرف لم تكتف بحروبها الشرسة ضد العالم الإسلامي، والتي انتهت باحتلال أفغانستان والعراق، بل إنها تروج الآن لفيلم وثائقي مناهض للإسلام يحمل عنوان «الإسلام: ما يحتاج الغرب أن يعرفه»، ويصف بعض أجزاء الفيلم النبي محمدًا ﷺ بأنه «زعيم حرب»، وبأنه «رجل ذبح بيديه أكثر من 600 يهودي من قبائل العرب التي أجلاها عن المدينة في فترة وجوده هناك»!

ويحاول الفيلم تصوير الحكم الإسلامي للأندلس الذي استمر نحو ستة قرون بأنه كان مجرد غزو، منكرًا حقيقة أن مسلمي الأندلس عرفوا الطباعة قبل الأوروبيين بأربعة قرون، وأنهم هم أنفسهم من صدروا هذه المعرفة إلى أوروبا، كما يؤكد الفيلم أن «الإسلام يعتبر كل البلاد غير المسلمة هي دار حرب بالنسبة للمسلمين، ودماء الأمريكيين هي دماء مباحة».

أسباب العداء

إن الحديث عن مظاهر «الإسلاموفوبيا» المتوحشة في الغرب كثيرة جدًا ويصعب حصرها، ويوميًا تطالعنا وسائل الإعلام المختلفة بإساءة جديدة ضد الإسلام ونبيه الكريم ﷺ، ولكن التساؤل الذي يطرح نفسه هنا هو: ما الأسباب وراء تنامي وتوحش ظاهرة الإسلاموفوبيا في الغرب؟

إن لظاهرة «الإسلاموفوبيا» أسبابًا عدة تتفاوت في أهميتها وقوتها، بيد أنها تتضافر فيما بينها لتشكيل الظاهرة على النحو الذي تتراءى به، وفيما يلي محاولة لاستعراض أبرز الأسباب التي يمكن أن تكون مسؤولة عن إيجاد تلك الظاهرة:

  • المشاعر السلبية العميقة المدفونة في وعي المواطن الغربي ضد الإسلام والمسلمين، والتحيز التاريخي والثقافي ضد الإسلام والغرب الإسلام كدين وضد المسلمين كحضارة. 

  • الأحداث الدولية التي أثرت بقوة على العلاقات بين العالم الإسلامي والمجتمعات الغربية خلال السنوات الأخيرة، وعلى رأس هذه الأحداث هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001م الإرهابية، وما تبعها من هجمات إرهابية «رفع مرتكبوها شعارات إسلامية» ضربت مجتمعات غربية مختلفة مثل بريطانيا وإسبانيا.

  • التغيرات المجتمعية الكبرى التي لحقت بالمجتمعات الغربية والإسلامية خلال العقود الأخيرة، وعلى رأس هذه التحولات تراجع قوى اليسار الغربي التقليدية والتي سادت خلال النصف الثاني من القرن العشرين وصعود قوى اليمين الثقافي والديني في الغرب والعالم الإسلامي خلال الفترة ذاتها. 

  • الجهل بحقيقة الإسلام في العالم الغربي، الذي يستقي معلوماته عن الإسلام من مصادر قد تفتقر في كثير من الحالات إلى الموضوعية والنزاهة والتجرد، أو الإحاطة الكافية بحقيقة الإسلام وجوهره، فالمناهج المدرسية وحتى الجامعية في العالم الغربي لا تزال مثقلة بكم هائل من المعلومات المغلوطة والمضللة عن الإسلام، التي تعود في جذورها إلى المدرسة الاستشراقية، إحدى الأذرع التقليدية الرئيسة للاستعمار الغربي.

  • تخوف الغربيين من خطر إسلامي متصاعد، وخشيتهم مما يسمونه «الحرب الإسلامية - الغربية المقبلة»، وتغذية الهيئات الصهيونية لتلك المخاوف حتى لا يتراجع الدعم الغربي للكيان الصهيوني في فلسطين، بالإضافة إلى تركيز وسائل الإعلام الغربية على تصوير الحركات الإسلامية - خصوصًا حركات المقاومة - على أنها حركات إرهابية لا تحترم الديمقراطية وحقوق الإنسان. 

  • الخلط بين الدين الإسلامي وواقع المسلمين، إذ إن الأمة الإسلامية تعاني منذ قرون عدة واقعًا متأزمًا على الأصعدة والمستويات المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وإزاء الواقع المتردي الذي يتخبط فيه العالم الإسلامي، ومع أخذ الجهود الصهيونية والاستعمارية في تعميق ذلك الواقع وإبرازه وتضخيمه بعين الاعتبار، يغدو من الطبيعي انبعاث حالة من الخلط التلقائي بين الإسلام من جهة، والفقر والتخلف من جهة أخرى ليتم تحميل الإسلام جزائر ضعف أبنائه وتخلفهم، ونتيجة لهذا يبدو من العسير أن يتعاطف الغربي الذي لا يعرف إلا صورة مشوهة عن الإسلام مع هذا الدين بل إنه يتخذ منه موقفًا سلبيًا عدائيًا، ويولي جزءًا من اهتمامه لمحاربته والقضاء عليه. 

  • السينما العالمية ووسائل الإعلام المغرضة - التي تخضع لسيطرة واضحة من جانب الدوائر الصهيونية في العالم - لعبت دورًا رئيسًا في ترسيخ معالم الصورة السلبية عن الإسلام والمسلمين وتضخيمها وتعميمها، حتى غدت بمثابة الحقائق الثابتة التي لا تحتمل النقاش التي تحكم تعاطي كثير من أبناء الغرب مع الإسلام والمسلمين. 

لقد أصبحت ظاهرة «الإسلاموفوبيا» تهدد أمن العالم كله، خاصة في ضوء غياب الفواصل الجغرافية أو المجتمعية بين المسلمين وغيرهم.. فسابقًا، وقبل خمسة أو ستة قرون، كانت الفواصل الجغرافية كفيلة  - حسب قول «د. أحمد داوود أوغلو» أحد أبرز المستشارين السياسيين لرئيس الوزراء التركي «رجب طيب أردوغان» - بالفصل بين المسلمين وغير المسلمين أو بين عالم الإسلام وعالم غير الإسلام، كما كانت تعيشه لقرون طويلة الإمبراطورية العثمانية،  أما الآن فقد أصبح الأمر مختلفًا، فالإسلام منتشر في كل المجتمعات والدول، وبات صعبًا على أية دولة أن تقول: إنها خالصة لأتباع دين واحد، فالكل متعدد الأديان والثقافات.. ولذلك، تعد عمليات التخويف المصطنع للإسلام والمسلمين مصدر تهديد للتوافق الاجتماعي والإنساني داخل هذه المجتمعات نفسها، وبما يشكل بعدًا خطيرًا آخر لهذه الظاهرة غير الإنسانية.

الرابط المختصر :