; إعجاز القرآن في رسائل النور (٥ من ٦)- البلاغة الفائقة | مجلة المجتمع

العنوان إعجاز القرآن في رسائل النور (٥ من ٦)- البلاغة الفائقة

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر السبت 27-أغسطس-2011

مشاهدات 58

نشر في العدد 1967

نشر في الصفحة 58

السبت 27-أغسطس-2011

  • القرآن الكريم أعظم معجزة من معجزات الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم ويضم المئات من دلائل النبوة.

إنه يقدم في المكتوبات مثلاً ثلاث نقاط يفصلها على النحو التالي، وأنقل معظمها بتصرف، ليتسنى للقارئ أو المتلقي إدراك حجم الجهد والتوفيق الذي صاحب تناول النورسي لقضية الإعجاز، يقول النورسي: إن أعظم معجزة من معجزات الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم هو القرآن الكريم، الذي يضم المئات من دلائل النبوة، وقد ثبت إعجازه بأربعين وجها كما في الكلمة الخامسة والعشرين، لذا سنحيل بيان هذا الكنز العظيم للمعجزات إلى تلك الكلمة ونكتفي هنا ببيان ثلاث نقاط دقيقة.

النقطة الأولى : سؤال: إن قيل: إن سر إعجاز القرآن الكريم إنما هو في بلاغته الفائقة، بينما لا يرقى إلا واحد من الألف من علماء البلاغة الفطاحل إلى إدراك هذا السر، مع أنه كان ينبغي أن تكون لكل طبقة من طبقات الناس حظها من هذا الإعجاز

الجواب: إن للقرآن الكريم إعجازاً لكل طبقة من طبقات الناس، إلا أنه يشعر إعجازه هذا بأسلوب معين وبنمط خاص. 

فمثلا، يبين إعجازه الباهر «لأهل البلاغة والفصاحة»، ويبين أسلوبه الرفيع الجميل الفريد «لأرباب الشعر والخطابة». 

هذا الأسلوب مع أنه تستسيغه كل طبقة من الناس إلا أن أحدا لا يجرؤ على تقليده؛ فلا تخلقه كثرة الرد، ولا يبليه مرور الزمان فهو أسلوب غض طري يحتفظ بفتوته وشبابه ونضارته دائما، وهو أسلوب يحمل من النثر المنظوم والنظم المنثور ما يجعله رفيعا عاليا ولذيذا ممتعا في الوقت نفسه.

ثم إنه يبين إعجازه فيما يخبر من أنباء معجزة عن الغيب؛ فيتحدى به طبقة الكهان «والذين يدعون أنهم يخبرون أشياء عن الغيب».

ثم إنه يقص «لأهل التاريخ» والذين يتتبعون أحداث العالم من العلماء ما يشعرهم إعجازه.

وهكذا تفتح أمام كل طبقة من الطبقات الأربعين للناس نافذة مطلة على الإعجاز الباهر، بل إنه يبين إعجازه حتى لأولئك الذين لا يملكون سوى قدرة الاستماع من دون أن يقدروا على التوغل في الفهم من «عوام الناس»، فنراهم يصدقون إعجازه ويشعرون به بمجرد سماعهم له، إذ يحاور ذلك العامي نفسه، ويقول: «إن أسلوب هذا القرآن يختلف تماما عن أساليب الكتب الأخرى، فإما أنه في مستوى من الأسلوب هو أدنى منها وهذا محال، بل لم يتفوه به ألد الأعداء وأهل الخصومة، أو هو أسلوب أرقى من الجميع أي إنه معجز».

النقطة الثانية

الإعجاز من جنس ما تفوق فيه أهل الزمان، فمعجزة موسى عليه السلام فيما يشبه السحر، وأغلب معجزات عيسى عليه السلام في الطب.. وكانت هناك أربعة أشياء رائجة في الجزيرة العربية زمن بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم.

١ـ البلاغة والفصاحة.

٢ـ الشعر والخطابة.

٣ـ والإنباء عن الغيب.

٤ـ معرفة الحوادث الماضية والوقائع الكونية. 

فجثا البلغاء والفصحاء أولاً مبهوتين أمام بلاغته المعجزة منصتين إليه في حيرة وإعجاب.

وجعل الشعراء والخطباء في ذهول من أمرهم، حتى أنه حط من شأن ما كانوا يعتزون به من «المعلقات السبع» التي تمثل أفضل نماذج شعرهم التي كتبوها بماء الذهب وعلقوها على جدار الكعبة.

وأفقد الكهان والسحرة صوابهم وأنساهم ما كانوا يتكلمون به من أنباء الغيب، حيث طرد جنهم، وأسدل الستار على الكهانة وسد أبوابها إلى الأبد.

وأنقذ قراءة تاريخ الأمم السالفة وحوادث العالم مما طرأ عليها من الخرافات والافتراءات والأكاذيب، وأرشدهم أحداث الماضي ووقائع الكون النيرة.

النقطة الثالثة

لقد أنعم الله سبحانه وتعالى علي يوماً تفكراً حقيقياً حول مجمل ماهية القرآن الحكيم، فأدون ذلك التفكر، كما ورد للقلب - باللغة العربية – ثم أورد معناه.

«سبحان من شهد على وحدانيته، وصرح بأوصاف جماله وجلاله وكماله، القرآن الحكيم المنوّر جهاته الست الحاوي لسر إجماع كل كتب الأنبياء والأولياء والموحدين المختلفين في الأعمار والمشارب والمسالك، المتفقين بقلوبهم وعقولهم على تصديق أساسات القرآن وكليات أحكامه على وجه الإجمال، وهو محض الوحي بإجماع المنزل والمنزل والمنزل عليه، وعين الهداية بالبداهة، ومعدن أنوار الإيمان بالضرورة، ومجمع الحقائق باليقين، وموصل إلى السعادة بالعيان وذو الإثمار الكاملين بالمشاهدة، ومقبول الملك والإنس والجان بالحدس الصادق من تفاريق الأمارات والمؤيد بالدلائل العقلية باتفاق العقلاء الكاملين والمصدق من جهة الفطرة السليمة بشهادة اطمئنان الوجدان، والمعجزة الأبدية الباقي وجه إعجازه على مر الزمان بالمشاهدة، والمنبسط دائرة إرشاده من الملأ الأعلى إلى مكتب الصبيان، يستفيد من عين درس الملائكة مع الصبيين، وكذا هو ذو البصر المطلق يرى الأشياء بكمال الوضوح والظهور، ويحيط بها ويقلب العالم في يده ويعرفه لنا، كما يقلب صانع الساعة الساعة

في كفه ويعرف للناس. 

فهذا القرآن العظيم الشأن هو الذي يقول مكرراً : «الله لا إله إلا هو»، «فاعلم أنه لا إله إلا الله». (١)

 رمضان طريق الآخرة 

نبيل جلهوم

مع الأخلاق: في رمضان يمسك الواحد منا لسانه؛ فلا يحركه إلا لدعاء أو ذكر وتسبيح أو قراءة قرآن .. ثم تجد الواحد منا إذا تناثرت من فمه كلمة بذيئة أو غيبة لأحد تجده يسرع بالاستغفار والتوبة.. فيتقوى بذلك على إمساك نفسه عن السباب والشتم والبذيء من القول فيكون بالناس رحيما وبوجهه بساما، وبحبه معطاء، وللأذى من الطريق مزيلاً، ولقضاء الحوائج مسرعاً، وللدنيا كلها سراجا وهاجا يشع أخلاقا راقية، وكلمات مهذبة ورقة وجمال.

كوكبة كبيرة من محاسن الأخلاق تتحلى بها.. تتربى عليها ؛ لتنفعك فيما بعد رمضان. مع القرآن: فنظل طوال يومنا نقرأه فيصبح القرآن منا ونصبح منه متزامنين متعانقين، فنجد بيننا وبينه ودا وحبًا شديداً .. ونجد معه أنسًا ورفيقًا.

فحقًا وصدقًا .. إن التعايش مع القرآن في رمضان له مذاق خاص وروح صافية وجمال ما بعده جمال.

ولم لا ..!! وهو الشهر الذي نزل فيه، فكان لنا هداية ورحمة ودستورًا ينير لنا الطريق، ويفرج لنا كل ضيق، ويحمل أمتنا من الضيق إلى السعادة والسرور .. فهو لنا الدستور وطريق النور .. لا يهدي إلا للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين العاملين به أن لهم أجراً كبيراً .. قال عز وجل: ﴿إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي للتِي هِي أقومُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَالِحَاتِ أنْ لَهُم أجرًا كبيرًا (٩)﴾ (الإسراء). 

مع الزهد: اجعل من رمضان فرصة لتعلم الزهد .. فلا تسرف في الأكل والشرب، واجعل لك منه القليل والكافي فقط لتتزود على الصيام والقيام.. فاستشعر يا أخانا في طعامك ما يجري في الصومال التي يفتك الجوع بأهلها فتكا، ولا يجدون ما يسدون به جوعهم.

واسأل ربك أن يطعمهم بطعامه ويسقيهم بشرابه، وينزل عليهم سحائب رحمته ويتولى امورهم.

ثم انظر وتفكر .. كم أنت منعم وفي رغد عظيم، وسعة من الله الواسع العظيم... واعلم أنه من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، فلا تنساهم بدعاء وفير.. وأرسل لهم إن استطعت ما يكون لك طهرة، ولهم نصرة وسداً للجوع درءًا للعسرة.

مع الصبر: فامتناعنا عن الطعام والشهوات وإمساك اللسان عن الهفوات ت لاشك أنه يربى فينا التحمل والتصبر والصبر .. فنتزود من ذلك بالصبر على بلاءات الدنيا ومتاعبها، ونتعلم أنه ليس كل بلاء نقمة بل يكون معه وبين طياته نعمة وأن الصبر شطر الإيمان ودليل على جميل الخلق والإحسان.. فالصوم ظاهره الامتناع والحرمان إلا أنه في مضمونه الرضا من الله وجزيل الإحسان والفوز بباب عظيم اسمه الريان في فسيح الجنان.

مع قيام الليل: التراويح من أهم ما يميز رمضان.. إنها النفحة الرمضانية من رب لا يقبل لعباده إلا أن يكون بهم كريمًا عطوفًا جوادًا .. إنه التميز الذي ميز الله به رمضان.. تميز القيام بين يديه.. ثم يحين موعد التهجد في العشر الأواخر من الشهر الحبيب فتكون بمثابة التدريب الإيماني الروحاني الرباني الكبير .. ما أحلى الوقوف بين يدي الله في السحر .. ما أحلى قطرات الدموع التي تنهمر من خشية الله.

في المشاعر والأحاسيس: فرمضان يجعل الواحد منا رقيق القلب مع الناس؛ فيبذل الجهد للنهوض بعلاقته معهم ة فيكسب ودهم ويجلب حبهم ويستحوذ على قلوبهم .. فتنهض بذلك علاقاته مع الناس فيجددها ويحييها ويجدد فيها ومعها كل جميل من المشاعر والإحساس. 

فيظل في رمضان محسناً للناس زائداً في الإحسان طالباً من الله الرضا والعفو والغفران، فتتربى بذلك نفسه، وتنهض بذلك روحه ومشاعره؛ فيصبح كالشجرة يقذفها الناس بالحجر وتهديهم هي بأجمل الثمر.

الهوامش

(١) المعجزات الأحمدية ـ الإشارة الثامنة عشر

الرابط المختصر :