العنوان إعدام «غير مريح»
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 06-يوليو-1999
مشاهدات 73
نشر في العدد 1357
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 06-يوليو-1999
تنفيذ الحكم بإعدام أوجلان يهدد الاستقرار الداخلي لتركيا وعلاقاتها بأوروبا
أوجلان قدم مرافعة سياسية ولم يهتم بنفي الاتهامات عن نفسه أملا في تحويل القضية إلى صفقة سياسية
في غالب الأحوال يكون إعدام شخص ما بهدف تخليص الآخرين من شروره، لكن يبدو انه في حالة عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني، فإن تنفيذ تركيا للحكم القضائي الصادر بإعدامه في الأسبوع الماضي لن يكون بحال من الأحوال سبيلًا إلى راحتها وهدوئها. بل ربما تكون الشرور المترتبة على ذلك أعظم.
فمن جهة سيثير ذلك متاعب جمة لها في الداخل من جراء الخشية من اندلاع أعمال عنف يرتكبها أعضاء من الحزب المذكور انتقامًا لإعدام زعيمهم، ومن جهة ثانية سوف يؤدي تنفيذ الإعدام إلى الإضرار بعلاقاتها مع دول أوروبا التي تلقت تعهدات تركية مؤكدة قبل ذلك بعدم إعدام أوجلان.
كيف كانت ردود الأفعال على قرار الإعدام الصادر بحق أوجلان؟
في البداية صرح نيازي بولغان أحد محامي الدفاع عن أوجلان بأنهم سينقلون القضية إلى محكمة حقوق الإنسان الأوروبية بعد نفاد الطرق القانونية الداخلية جاذبًا الأنظار إلى وجود قرار المحكمة حقوق الإنسان الأوروبية بعدم تنفيذ حكم الإعدام بعبد الله أوجلان، مؤكدًا وجوب انصياع الدول المعنية لقرارات المحكمة الأوروبية.
وعلى صعيد المرحلة المقبلة ذكر البروفيسور - باقر جاغلار، وهو حقوقي معروف ومحام سابق المحكمة حقوق الإنسان الأوروبية، بأن تركيا قدمت سابقًا تعهدات سياسية لأوروبا، بعدم تنفيذ أحكام الإعدام، وأن من الممكن في حالة تنفيذها حكم الإعدام بحق عبد الله أوجلان تعليق عضويتها في المجلس الأوروبي.
وأضاف: لقد وقعت تركيا وثيقة حقوق الإنسان عام ١٩٨٤م على رغم امتناعها عن المصادقة على البروتوكول السادس الخاص بتنفيذ أحكام الإعدام، ومنذ ذلك الحين، لم تنفذ أحكام الإعدام في تركيا، وفي إحدى القضايا التي أصدرت إحدى المحاكم قرار إعدام بحق أحد الجناة عام ١٩٩٤م، قدمت تركيا تعهدًا سياسيًا بعدم تنفيذ أحكام الإعدام، وهذه القرارات ملزمة لتركيا، غير أنه لا يجب التفكير في جميع الأمور على محور أوروبا، بل يجب تقويم القضية من زاوية نتائجها على تركيا.
الموقف الأوروبي
وعلى صعيد الدول الأوروبية أعربت وزارة الخارجية الفرنسية عن أملها بعدم تنفيذ عقوبة الموت، أما عضو لجنة الاتحاد الأوروبي هانز فان دين بروك فطالب السلطات التركية بعدم التغافل عن معارضة الاتحاد الأوروبي لعقوبة الإعدام.
وشددت منظمة العفو الدولية على وجوب إعادة محاكمة أوجلان مجددًا أمام محكمة مستقلة ومحايدة»، أما مساعد الناطق باسم حكومة أثينا، فأشار إلى معارضتهم لعقوبة الموت.
ووجهت الحكومة السويسرية نداء إلى الحكومة التركية لعدم تنفيذ حكم الإعدام، مشيرة إلى أن تنفيذ الإعدام سيفتح الطريق أمام أعمال عنف واسعة داخل أوروبا، أما الخارجية البريطانية فدعت لتبديل عقوبة الموت إلى السجن المؤبد.
وجاء نداء مماثل من نائب رئيس وزراء ووزير خارجية النمسا الذي دعا لعدم تنفيذ قرار الإعدام أما وزير الخارجية الهولندي فقال: إن المرحلة القانونية للقضية لم تنته بعد على الرغم من صدور حكم الإعدام، لذا فإن الوقت مازال مبكرًا لإعلان وجهة نظرهم الحاسمة.
وفي تصريح عن الموضوع لفت وزير الخارجية الروسي نظر المنظمات الكردية الناشطة في روسيا إلى الابتعاد عن أي عمل من شأنه الإخلال بالقوانين الروسية.
أما المجلس الأوروبي، فقد عقب على قرار الإعدام بالإعراب عن قلقه، وأشار في بيان أصدره بهذا الصدد إلى عدم تنفيذ أحكام الإعدام في تركيا منذ 15 عامًا، داعيًا تركيا إلى مواصلة موقفها المذكور.
ومن جهتها، طالبت الخارجية البريطانية بتخفيف الحكم فيما اتخذت الولايات المتحدة - في تصريح لسفيرها لدى أنقرة - موقفًا غير مناهض للقرار.
وزير الداخلية الألماني أوتو شيلي أعرب عن أسفه من صدور حكم الإعدام في القضية وطالب وزير العدل الألماني تركيا بعدم تنفيذ الإعدام، أما نائبة حزب الخضر كلوديا روث المعروفة بدعمها لحزب للعمال الكردستاني فوصفت القرار بأنه مناف لحقوق الإنسان وشاركها في هذا الرأي عدد من النواب اليساريين الإيطاليين الذين أو مؤوا إلى أن إعدام أوجلان سيثير متاعب بوجه تركيا في مجال الانضمام لعضوية الاتحاد الأوروبي.
ويذكر أن مقرر مجلس البرلمان الأوروبي أندرياس بارسوني قد صرح بأن جلسات محاكمة أوجلان جرت بصورة عادلة تمامًا، ناقلًا انطباعاته عن جلسات المحاكمة التي حضرها شخصيًا في جزيرة إيمرالي بأنها جرت في إطار القواعد القانونية، وأن أوجلان قام بالدفاع عن نفسه أكثر من محامي الدفاع، وأن دفاعه انصب على الجوانب السياسية في محاولة للفت نظر الرأي العام العالمي إلى قضيته.
كما دعا عدد من أعضاء مجلس البرلمان الأوروبي في كلماتهم إلى تجميد عضوية تركيا في المجلس في حالة إعدام أوجلان.
مظاهرات وانشقاقات
من جهتهم شرع أعضاء وأنصار حزب العمال الكردستاني في مختلف أنحاء أوروبا بإعداد تظاهرات للتنديد بصدور حكم الإعدام بحق عبد الله أوجلان وأمطر المتظاهرون في الشطر اليوناني من جزيرة قبرص السفارة الأمريكية بالحجارة، وذلك في الوقت الذي يتعرض فيه الحزب للانشقاق الداخلي.
ففي مدينة جوتنجن الألمانية أعلن ثلاثة من كبار مسؤولي للحزب انشقاقهم عن أوجلان ومجلس رئاسة الحزب مع ٢٥ من الأعضاء.
وأصدر الثلاثة وهم جلال عباس كومور أحد مستشاري أوجلان والناطق السابق للجناح السياسي للحزب سامي جوشقون، ومسؤول مدينة كولن محمد زكي بوادق تصريحًا مشتركًا جاء فيه أن عبد الله أوجلان لم يبد من مضاء العزيمة ما يبديه أصغر مناصري الحزب وباع نفسه والحزب دون أي مقاومة، وإن مجلس الرئاسة تقبل هذا الخنوع والاستسلام.
وشدد التصريح على ضرورة البدء بمرحلة تنظيم جديد للكوادر من أجل إنقاذ الحزب، وقد رد مجلس رئاسة والعمال، على حركة الانشقاق بإصدار تعليمات لقمع الحركة واعتقال القائمين بها.
من جهتها، ردت تركيا على المواقف المناهضة لقرار الإعدام - على لسان مساعد الناطق باسم وزارة الخارجية التركية سرمد أتاجانلي - الذي شدد على استحالة قبول تركيا ضغوطًا من الدول الأخرى في القضية.
بين القاضي والمتهم
وفي الوقت نفسه قال طور جود أوكياني رئيس محكمة أمن الدولة رقم ٢ التي أصدرت الحكم بالإعدام الذي لم يكسر القلم بعد تلاوة الحكم، كما جرت العادة في معرض رده على أسئلة الصحفيين بعد إصدار القرار - أنه شخصيًا لا يستسيغ قرارات الإعدام، مضيفًا أنه أصدر قرارات عدة مماثلة خلال فترة وظيفته القضائية الطويلة وإنها جميعًا كانت لمستوجبات قانونية.
وكان طورجود اوكياي قد سأل أوجلان – قبل إصدار قراره بحقه، مما إذا كان لديه ما يقوله فقال: إنني أرفض تهمة الخيانة العظمى الموجهة لي.
وأنا أؤمن بأنني خضت كفاحًا من أجل وحدة البلاد والحياة الحرة، ولم تكن أعمالي معادية للنظام الجمهوري، بل من أجل الجمهورية الديمقراطية، وأمل أن تحل القضية التي ضخمتها الأخطاء التاريخية، وأرغب في أن تسهم هذه الدعوى في التوصل لمثل هذا الحل، وأريد أن أعيد كرة أخرى ندائي الذي وجهته في البداية بشأن وجنوب التوصل إلى السلام والأخوة حول محور الجمهورية الديمقراطية وأدعو الإنسانية والدولة وجميع القوى الاجتماعية لإيفاء ما يقع على عاتقها في هذا المجال، وكلي إيمان بأن مستقبل البلاد يمر عبر السلام وليس الحرب».
وعقب ذلك صدر قرار المحكمة بإعدام أوجلان استنادًا إلى الفقرة ١٢٥ من قانون العقوبات التركي التي تتضمن الجرائم التي تستهدف كيان الدولة وتقول: يعاقب بالإعدام كل من يقوم بأعمال تستهدف وضع أراضي الدولة أو قسم منها تحت سيطرة دولة أجنبية أو الانتقاص من استقلال البلاد والإساءة إلى وحدتها أو استقطاع جزء من الأراضي الواقعة تحت سيادتها وإدارتها».
كما حكمت المحكمة بعدم تنفيذ الفقرة ٥٩ من قانون العقوبات بحق أوجلان التي تسمح بتخفيض الأحكام الصادرة بحق المتهمين، وحكمت استنادًا إلى الفقرة ٣١ بحرمانه أيضًا من الخدمة العامة طوال العمر.
ويذكر أن آخر مرة نفذ فيها حكم الإعدام في تركيا كان بتاريخ ٢٥ اكتوبر عام ١٩٨٤م، ويوجد حاليًا ملف إعدام أمام مجلس الأمة التركي وترسل ملفات الأحكام التي تتجاوز الـ ١٥ عامًا إلى محكمة التمييز أتوماتيكيًا، وفي حالة مصادقة محكمة التمييز العليا على أحكام الإعدام، فإنها ترسل إلى رئاسة مجلس الأمة عن طريق وزارة العدل، وتحيلها الرئاسة إلى لجنة العدل التي تملك حق تقديم ملف على آخر كما تحيل اللجنة ملفات الإعدام إلى الهيئة العامة لمجلس الأمة التركي، وفي حالة المصادقة يبعث الملف إلى رئاسة الجمهورية، وفي أعقاب مصادقة رئيس الجمهورية بنشر القرار في الجريدة الرسمية تمهيدًا لتنفيذ الحكم.
.