العنوان إعلامنا العربي محتاج إلى غرفة إنعاش!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-مايو-1982
مشاهدات 63
نشر في العدد 571
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 18-مايو-1982
الواقع الإعلامي مرير في عالمنا الإسلامي على وجه العموم، وفي عالمنا العربي بوجه أخص، فالسياسة الإعلامية لا تخرج عن الإطار العام للسياسة العامة في الدولة.
إذ أن الإعلام لا ينبغي له أن يتعدى حدود ما رسم له من سياسة ولا يتجاوز الشارة الحمراء والتي هي الحد الفاصل بين الخيط الأبيض والأسود، ويقوم الإعلام في معظم عالمنا العربي والإسلامي بأداء وظيفتين أساسيتين هما:
1- تأليه الحكام والدعوة بسفور ووقاحة لعبادتهم والانقياد التام لهم.
٢- الدعوة الصريحة للعلمنة والتغريب بتبني خط إعلامي يهدم الأخلاق ويقتل المثل والقيم، وينشر الرذيلة والأفكار العقيمة بقصد القضاء على الدين.
ورجل الإعلام في عالمنا المريض وظيفته لا تعدو كونها إخراج ما تريده السلطة بأسلوب وفن مقبول، مهما كان أثره وخطره على مستقبل البلاد والعباد، ما دام يحفظ للكراسي بقاءها وقدسيتها. ومن يأبى لنفسه من الإعلاميين أن يقوم بوظيفة الشرطي؛ فالإقالة والطرد لأنه عميل حتى أخمص قدميه.
وبما أن الإعلام هو لسان حال السلطة فلا غرابة إذن أن ترى الصحافة ممتلئة بالمقالات المدبجة في مدح الحاكم الفرد، والأعمدة الطويلة مشيدة بسياسات الحكومة الرشيدة، والعناوين العريضة شتمًا وقدحًا في الشرفاء والوطنيين من الساسة المستقيمين، لأنهم يرفضون منطق قميص فرعون ولا يقبل منطقهم وعقلهم سوى العري لفرعون طالما أنه عارٍ، وإذا كان ضعف بصرهم لا يسعفهم برؤية القميص فليلتزموا الصمت وليغمضوا الأعين، وإلا فإنهم غائرون في العمالة ضاربون في الخيانة غارقون في الجهالة.
وتتبرع الأقلام المنافقة المتزلفة لتقول في الحكام ما لم يجرؤ على قوله أحد في المعصوم رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، فمنهم من تحدث في مقال طويل مستعرضًا فضائل الزعيم ومآثره بعد موته، فقال ما نصه «أنت عظيم كالله»«كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إلّا كَذِبَا». (الكهف: 5).
أمَّا الشاشة التلفزيونية البلورية فلا تفتر ولا تتعب من مصاحبة الزعيم وملاحقته في كل محفل وفي كل مرقص، فلايستحيون أو يتحرجون وهم يتلفزون رقصاته وقبلاته التي يوزعها بلا حدود، دالة على كرمه الفياض وروحه المرحة.
وحتى زوجات الزعماء وأبناؤهم يظفرون بنصيب الأسد من قسمة إعلامنا، وما نالوا تلك الحظوة إلا بجاه الزعيم، وكل ذلك على حساب الشعوب المغلوبة على أمرها، والتي تبذل عرقها ودمها ضريبة لهذا العبث والسفور.
أما عن فساد الإعلام وذيليته فلا حرج من الحديث حيث الأعمدة الطويلة طعنًا في الفضائل واستهزاءً بالقيم، وحيث الصفحات العراض التي تصرف الناس وتلهيهم عن وظائف الإنسان السامية وواجباته العليا.
ولا تخلو صحيفة من الأعمدة الطويلة الخاصة بالراقصين والراقصات والممثلين والممثلات، حتى ظللنا نأكل رقصًا ونشرب رقصًا وننام على الرقص.
أما عن التلفاز فإغماض العيون واجب وإسدال الستار أولى حتى لا ترى التحلل والانحلال الذي يبث يوميًّا وبغير توقف. أفلام داعرة أجنبية ومحلية وتمثيليات هابطة، وعري وتفسخ بيّن ومشاهد تدعو للاشمئزاز والتقزز. وكل ذلك يغزو مجتمعنا ويتولى تربية أبنائنا وفق خطط مدروسة وتوجيهات منظمة.
الضحالة سمة مميزة لإعلامنا
وتبدو الضحالة سمة مميزة لإعلامنا، فالمرء يعجب ولا يجد مسوغًا يبرر به المتابعة الإعلامية وبأهمية بالغة في بلداننا لحدث الموسم كما أسموه، وهو زواج الأمير البريطاني الذي كان قد شغل إعلامنا المبجل لشهور عديدة، والحق أن غالبية الناس لم يسمعوا بالأمير هذا إلا في عرسه من خلال العرض الإعلامي للحدث، والذي استطاع إعلامنا أن يجعل منه حديث الشارع العام وسمر المنتديات الخاصة منها والعامة.
ولا يكتفى بهذا فحسب بل وبوقاحة شديدة يجند الإعلام نفسه لتقصي الأخبار بالجنين المرتقب، ويلهث في حصوله على صور الطفولة لكل من الأمير وزوجته، وينشرها متسائلًا عن المولود المرتقب: ذكرًا سيكون أم أنثى؟ وهل سيكون بأمه أشبه أم بأبيه؟ وسخف كثير من هذا.
وهذا الإعلام يغمض عينيه ويدير ظهره عن وفاة عالم جليل كالمودودي، الذي رحل تاركًا ثروة فكرية لا تقدر بثمن ومنبعًا علميًّا يشرب من معينه الناس على اختلاف ألوانهم ولغاتهم وأفكارهم، ويموت هذا المفكر منسيًّا من أعلامنا تمامًا كما ولد. حقًّا إنه مذكور في ملأ خير من ملئنا، وما لهذا سقت كلامي وإنما لأدلل به على ما أقول، وغير المودودي كثيرون وأنا أشير فقط بغير تفصيل.
في حين أن إعلامنا المريض لا يستحيي من تسليط عدساته المركزة على الهالك تيتو.. ليتفضل بمصاحبته في مرضه، ليطمئننا على صحته في الصباح ويقلقنا بانهيارها في مساء اليوم نفسه. وشفقة على الناس ورحمة بهم صار إعلامنا يعد تقريرًا يوميًّا عن حالة الرئيس الصحية، مبتدئًا بفريق الأطباء الذين يشرفون على العلاج ومؤهلاتهم العلمية، ولا ينسى دقات قلبه وعدد المرات التي أفاق فيها ثم همهمته غير المفهومة في ساعات معينة، وعلى أي صفحة كان يرقد إلى ما دون ذلك.
ولا ينسى إعلامنا وهو يرثي المبكي على شبابه أن يفرد صفحات عراضًا وساعات طوالًا للحديث عن حياته ونضاله منذ ميلاده وحتى وفاته، فجعل من كفره فكرًا ومن جهله علمًا، وتغافل تمامًا تقتيله وتنكيله بالمسلمين.. وأكتفى هنا بسؤال واحد لإعلامنا المسكين: يا ترى ما الذي أصلحه لكم الهالك تيتو؟ وماذا قدم لحضراتكم؟ اللهم إلا إذا كان إصلاحًا على وزن قميص فرعون ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (الأحزاب:70).
وليس من أحد إلا وتابع ببغائية إعلامنا الناعق وهو يكتب ناقلًا عن غيره من الصحف حول ما عرف بفضيحة ووترغيت، والتي تورط فيها الرئيس الأميركي نيكسون، عندما تنصت أعوانه متجسسين على خصومه السياسيين، وكم تألمت مشفقًا لحال إعلامنا الذي تؤرقه الفضائح من وراء البحار والمحيطات فيأبى إلا كشفها، ويتعامى عن فضائحنا السياسية منها والأخلاقية التي تمارسها أنظمتنا القهرية، والتي فاقت العد والحصر وتجاوزت الحد والصبر. ويسكت عما يحدث ضاربًا حولها جدارًا من الصمت والتكتم؛ ليتجاوز بذلك أبسط واجبات وشرف المهنة.
ولا يلوذ بالصمت إذا تجاوزت الأخبار الحدود والحواجز الصلبة وهتكت الستور عن الفضائح، بل يسعى حثيثًا لتبرير وطمس ما يحدث بمنطق واهٍ وحجج مضحكة.
والفضائح كثيرة ومبكية وآخرها وليس آخرًا ما جرى في سجون البعث السوري للعفيفات الطاهرات من مسلمات سوريا، إذ هتكت أعراضهن من قبل التافهين حتى بلغ بهن اليأس حدًّا وتمنين الموت، وطالبن بالفعل من أصحاب المروءة والغيرة أن يهدموا السجن عليهن حتى يرتحن مما هنَّ فيه، ولولا الإيمان وارتباطهن بالله لقتلن أنفسهن.. فأين الغيرة الإسلامية؟ أين الرجولة؟ وأين معتصماه؟ ثم أين إعلامنا؟ أين كان إعلامنا العامل على كشف الفضائح يوم هتكت أعراض العذارى من تقيات النساء اللاتي لا حول لهن ولا قوة؟
ولكن الواقع أن دماء المسلمين مهدرة وأعراضهم مباحة ولا حياة لمن تنادي.
ما أسميتموه فضيحة يا معشر الإعلاميين وللأسف الشديد في عالمنا العربي فضيلة، مقارنة بما يرتكب عيانًا جهارًا مما يستحيى منه الشيطان نفسه.
وما أسميتموه فضيحة يا معشر الإعلاميين وأنتم أعلم بما أقول فقد أودت بنهاية أكبر رئيس في العالم، فعاد نسيًا منسيًّا تطارده اللعنة والشتائم، وما ذلك إلا بفضل إعلام جريء ورجال أحرار وأقلام شجاعة، وأنتم أولى بهذا من غيركم فإن لم تستطيعوا فلا تحملوا أوزار تضليلكم للشعوب المسكينة.
كما أن إعلامنا قد أتقن النفاق وأجاده ببراعة حتى ما عاد ينافس فيه، فإذا ما نظرنا إلى عالمنا العربي العريض ترى الإعلام قد جعل من الحاكم إلهًا يعبد من دون الله، وتفضل عليه بالنعوت والصفات ما لا يمكن دينًا وعقلًا أن يتصف بها غير الله، وبعدها ذات الممدوح- ولم يُوارَ الثرى بعد- يُكتب عن خيانته وعمالته وفساده ما تنوء الجبال لهوله، ثم يقال عن خلفه ما كان يقال لسلفه من المديح والإطراء، ثم ينقلب المديح بعد موته سبًّا، وهكذا الدورات تدور في بلادنا كل حاكم يأخذ نصيبه من المدح حيًّا ويناله من التشهير ميتًا.
فيا ترى هل إعلام كهذا جدير بالاحترام؟ ويا ترى هل هذه شجاعة الرجال؟
وأخيرًا لكل هذه الأسباب ولغيرها كثير انصرف الناس عن إعلامنا لعدم ثقتهم فيما يقول وتصديقهم لما يكتب، وفهموا لعبة إعلامنا العربي وبلغ تسفيههم له أن رجل الشارع العادي إذا وصف شيئًا بأنه كذب ومبالغ فيه قال عنه: «إنه كلام جرائد».
وحتى تعود الثقة للعرب بإعلامهم فإنهم مرتبطون بغيره ولسان حالهم يقول: إن جاءكم إعلامنا بنبأ فتبينوا إن كنتم تعقلون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل