العنوان «فتح» و «حماس» عند د. وحيد عبد المجيد
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 03-يناير-2004
مشاهدات 57
نشر في العدد 1583
نشر في الصفحة 17
السبت 03-يناير-2004
في مقارنة غير منصفة وازن د. وحيد عبد المجيد بين موقفي منظمة فتح وحركة «حماس» خلال حوار الفصائل الفلسطينية الأخير بالقاهرة.
ووجه الإجحاف في تلك المقارنة أنه أنقص كفة حماس على امتداد مقاله المنشور في الحياة عدد 2/12/2003م تحت عنوان («فتح» و«حماس»، في لحظة كاشفة: أي علاقة وإلى أين؟).. في مقابل ترجيح كفة فتح، ولم يترك لنفسه مجالًا- ولو يسيرًا- ليذكر «حسنة» لحماس في مسألة الحوار والتفاهم ووحدة الصف الفلسطيني وقد حشد عبد المجيد وابلًا من الانتقادات لحماس.. الموقف والتجربة والحس الوطني في مقابل إعلاء مواقف فتح، وتجربتها، وإحاطتها بالتقدير، والإعجاب.
فـــ «فتح» التي اقترحت- ومعها مجموعة من الفصائل- إعلان هدنة مشروطة بإلتزام «إسرائيل» بها وتوفير ضمانات «أثبتت مدى قدرتها على تقدير الموقف وتحديد متطلبات المرحلة في مقابل حماس التي رأت- ومن معها- الاكتفاء بتحييد المدنيين من الجانبين وذلك يكشف عن افتقادها للإمكانات الضرورية لتقدير الموقف».
«فتح أحسنت تقدير الموقف في ميدان الصراع استنادا إلى استيعاب قياديها الميدانيين على الأرض وإلمامهم بتراث حركات التحرر الوطني وأبياتها من ماونسي تونج إلى هوشي منه»... بينما «واصلت حماس قفزاتها على الواقع وأخطاءها المتكررة منذ التحقت بانتفاضة الأقصى الباسلة التي فجرتها حركة فتح في آخر سبتمبر ٢٠٠٠م».
ويرجع الكاتب نجاح شارون في إفشال أي محاولة لاستئناف المسار وإحياء خطة خريطة الطريق إلى أخطاء حماس والفصائل القريبة منها وعدم إدراكها أن وقف بناء الجدار التوسعي يحتل الأولوية القصوى للنضال الفلسطيني.
ويعتبر الكاتب أن المسألة «ليست خلافًا بين موقفين يحقق كل منهما المصلحة الوطنية الفلسطينية من زاوية معينة، بل تباين ناجم عن خطأ في تقدير حماس للموقف، وإذا كان هذا الخطأ يعود بالأساس إلى سوء قراءة الواقع وضعف تجربة حماس- وحتى العسكرية- فثمة عامل آخر يصعب تجاهله وهو ميلها إلى تغليب نزعتها الذاتية وإعلاء مصلحتها كتنظيم»
ويسترسل عبد المجيد، ضاربًا على الحس الوطني، هامزًا ولامزًا وهو يقول بأن «حماس» قبلت إعلان هدنة مجانية بلا قيد أو شرط في آخر يونية الماضي، عندما اعتقدت أن كيانها بات مهددًا بشكل جوهري بعد احتلال الأمريكيين للعراق.. فلما تراجع هذا الخوف رفضت قبول هدنة مشروطة رغم أن فلسطين هي المهددة هذه المرة ويلح الكاتب على أن أخطاء حماس التي يدفع الشعب الفلسطيني ثمنها فادحًا تزيد الأعباء على فتح، التي صار عليها أن تعالج أخطاء حماس وتحاول الحد من تداعياتها!!
تلك نظرة وحيد عبد المجيد إلى حماس في مقابل «فتح» وهي نظرة أقرب إلى كيل التهم المجحفة منها إلى التحليل السياسي، وهي تسوق لفكرة معسكر التفاوض والتعلق بسراب السلام.. وعلى كل الأحوال فإن للدكتور وحيد رايه وقناعاته وله مطلق الحرية فيها، ولكننا نخالفه فيما يلي:
أولًا: نعم.. من المهم لحماس وغيرها الإلمام بتراث حركات التحرر الوطني وأبياتها.. وأعتقد أنها فعلت ذلك والأكثر منه أنها تستوعب تاريخ القضية الفلسطينية جيدًا منذ نشوئها وتطورات مراحل الصراع فيها.
ومن يتوقف مليًا أمام وقائع الصراع منذ بواكير انتفاضة الشعب عام ١٩١٩م حتى اليوم يكتشف أن كل مشاريع السلام التي طرحت على الشعب الفلسطيني- سواء كانت في شكل لجان تحقيق أو إعلان هدنة أو وقف مؤقت للثورة التي لم تهدأ أو حتى هدنة في الحرب «خاصة الهدنة الأولى في حرب عام ١٩٨٤م» - لم تحقق للطرف الفلسطيني إلا مزيداً من الخسائر في حقوقه من جانب وإطفاء لجذوة النضال من جانب آخر لصالح الطرف الصهيوني..
وليذكر لنا الدكتور وحيد مثالًا واحدًا على نجاح أي من مشاريع السلام التي طرحت على امتداد تاريخ القضية.
ثانيًا: أن «فتح» صاحبة تجربة في التفاوض مع العدو الصهيوني وعقد اتفاقيات سلام معه منذ مؤتمر مدريد، حتى خارطة الطريق، وهي مسيرة مازالت متواصلة، وقد حفلت تلك المسيرة على امتداد ما يقارب العقد ونصف العقد بكم هائل من التبشير بتحقيق السلام وإقامة الدولة.
ونحن اليوم أمام الحقيقة، فلم يتحقق لا سلام.. ولا دولة، بل عاد كل شيء على أرض الواقع إلى نقطة الصفر أي إلى ما قبل اتفاقيات أوسلو.. فإذا كانت الاتفاقيات والمفاوضات عبر هذه السنوات لم تجد نفعًا.. فلم كل هذا الغضب من رفض حماس لهدنة مع العدو وكان فرصة نادرة قد ضيعتها حماس لوقف بناء الجدار: وكان المجتمع الدولي ومعه الرأي العام داخل الكيان الصهيوني كان ينتظر متحفزًا ليعلن الفلسطينيون الهدنة فينقضوا ضغطًا على شارون توقف البناء وإنقاذ فلسطين.
ثالثًا: أن اختصار حماس وتجربتها وجهادها في حالة من «سوء قراءة الواقع.. وضعف التجربة.. وافتقاد الإمكانات الضرورية لتقدير الموقف.. وتغليب نزعتها الذاتية وإعلاء مصلحتها للتنظيم «على مصلحة فلسطين بالطبع».. وتحمل الشعب الفلسطيني أخطاءها الفادحة».. اختصار «حماس» في هذه الصورة العبثية هو اجتهاد في غير محله على الإطلاق. ولن أحيل وحيد عبد المجيد- بالطبع- إلى عشرات الدراسات والكتب ومئات المقالات التي أنصفت حماس وتجربتها النضالية.. سياسيًا وعسكريًا فهو يعرفها جيدًا وإن كان قد تغافلها تمامًا لأسباب لا تعنينا نحن إنما تعنيه هو عليه أن يراجع فيها نفسه.
ويكفي أن نشير هنا إلى أن حماس وعبر مسيرة ستة عشر عامًا منذ نشأتها (13/12/1987) قد أحدثت- ومعها قوى المقاومة الإسلامية والوطنية- انقلابا في ساحة الصراع وفرضت واقعًا جديدًا على الأرض وعلى جميع القوى المتصلة بالقضية الفلسطينية فتجربتها المتواضعة- في رأي د. وحيد- على الصعيد العسكري هي التي أبدعت نظرية توازن الرعب مع العدو.. ومنذ دخولها إلى ساحة الصراع العسكري أصبح هناك توازن في القوة والرعب هو الذي دفع الصهاينة إلى المسارعة إلى اتفاقيات أوسلو وأخواتها وإلى مؤتمرات شرم الشيخ المتتالية والتي هدفت جميعًا إلى قطع الطريق على استمرار العمليات الاستشهادية، كما هدفت إلى إيجاد طرف فلسطيني- السلطة- يتعامل مع ظاهرة حماس ويتولى اجتثاثها، فلما فشلت السلطة حاق بها ما يجري لها اليوم.
أما فيما يتعلق بحماس كتنظيم وإيديولوجية فإن قراءة تراث حركات التحرر الوطني على امتداد التاريخ «وهي بالمناسبة ليست محصورة فيما بين ماونسي تونج وهوشي منه» تؤكد أن تلك الحركات قامت على تنظيم يضبطها وإيديولوجية تحدد مسار نضالها وثوابته، فما العيب إذن أن يكون لحماس تنظيم تحافظ عليه وتحدد هي آليات ذلك وفق رؤيتها وثوابتها المنطلقة من أيدولوجيتها؟ لكن العجب يعترينا من وضع الدكتور وحيد «حماس».. التنظيم والإيديولوجية في كفة و«فلسطين»، في كفة أخرى، وتلك معادلة غاية في الاعوجاج ولي الحقائق فحماس ولدت بداية من رحم المحنة الفلسطينية ونبتت في التربة الفلسطينية كضرورة فلسطينية ولهدف واحد، ليس على الإطلاق إيجاد تنظيم أو الدعاية لإيديولوجية وإنما تحرير كامل التراب الفلسطيني.
فحماس التنظيم والأيديولوجية فداء لفلسطين.. وهل هناك أغلي من التضحية بالنفس لتحقيق هذا الغداء؟!
ثم ما العيب في أن تقدر حماس يومًا قبول هدنة ثم تقدر في ظرف أخر رفض تلك الهدنة؟ هل المطلوب من حماس أن تبصم «للسلطة»، بكل ما تريد؟! وما السبب؟! أترى أن السلطة تحقق النجاح تلو النجاح على الساحة السياسية حتى تكيل لحماس كل هذه الانتقادات؟!
وهل صحيح أن موافقة حماس على الهدنة «كان فرصة لها لكي تثبت عدم سلامة قرار الاتحاد الأوروبي بإدراج جناحها السياسي بعد جناحها العسكري في قائمة المنظمات الإرهابية»؟
هل يعتقد الدكتور وحيد أن الموقف الأوروبي يمكن أن تهزه موافقة حماس على الهدنة أو غيرها من الخطوات الاستسلامية؟ ألم يذكر وحيد عبد المجيد أن إدراج أوروبا حماس ضمن المنظمات الإرهابية أن قضى شارون على هدنة بونيه الماضي باغتيال إسماعيل أبو شنب؟ وجاء في حمى المذابح الصهيونية البشعة للشعب الفلسطيني؟
وإذا كان الشعب الفلسطيني يدفع ثمن أخطاء حماس على حد قول وحيد عبد المجيد ولو كان كلامه صحيحًا لانفض الناس من حول حماس وتدنت شعبيتها، ولكن العكس هو الذي يحدث.
وفي كل الأحوال فإن من حق وحيد عبد المجيد وغيره أن ينتقد حماس وغيرها، فهي لم تدع يومًا امتلاك الحقيقة على حد زعم وحيد، ومن واجبها أن تراجع ما يوجه إليها وتستفيد منه.. لكن في المقابل فإن من حقنا أن يكون لنا وجهة نظر فيما يقال.. فلا حقيقة مطلقة في السياسة وليس هناك مالك بعينه لها.