العنوان «فرنسا الصديقة»!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 10-فبراير-1976
مشاهدات 58
نشر في العدد 286
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 10-فبراير-1976
- غزو جديد لجيبوتي.. وفيتو ضد جزر القمر!
- أهداف استعمارية.. استراتيجية واقتصادية
- ورود «مايوت» وميناء جيبوتي المهمة جدًا
دعا مجلس الأمن فرنسا إلى التخلي عن موضوع إجراء استفتاء عام في جزيرة «مايوت»- أكبر جزر القمر الأربع- ذلك أن جزر القمر ظفرت باستقلالها في العام الماضي، وبهذا الاستقلال يعد إجراء استفتاء عام في إحدى جزرها تدخلًا فرنسيًا سافرًا في شؤونها الداخلية كدولة مستقلة ذات سيادة.
لكن فرنسا- بعقليتها الاستعمارية القديمة- أصرت على الاستفتاء، وعند التصويت على الموضوع برزت المواقف الاستعمارية بكل عدوانها وقبحها ولم يستطع هتاف الإعلام العربي «بحياة فرنسا الصديقة» أن يخفي الوجه الدميم للسياسة الفرنسية.
عند التصويت، اقترع أحد عشر عضوًا لصالح جزر القمر، أي لكف يد فرنسا عن التدخل في شؤون تلك الدولة، ومنعها من إجراء الاستفتاء.
واستخدمت فرنسا «الفيتو» لدعم أطماعها العدوانية.
ومالأت أمريكا وبريطانيا وإيطاليا، الموقف الفرنسي وتذرعت بالامتناع عن التصويت.
وفي جيبوتي أو منطقة عيسى وعقار، أرسلت فرنسا جيوشها إلى محاصرة هذه المنطقة وتعزيز قبضتها عليها في نفس الوقت الذي كانت تمارس فيه تدخلها الاستعماري في جزر القمر، أي منذ أربعة أيام.
ودعواها في تجديد غزوها لجيبوتي أنها فعلت ذلك لإنقاذ مجموعة من الرهائن الفرنسيين احتجزهم مناضلون ضد الوجود الفرنسي في تلك المنطقة.
لكن الرهائن أطلق سراحهم بينما الاحتلال الجديد لا يزال يرمي بثقله في عفار وعيسى، مما يؤكد أن مسألة الرهائن كانت مجرد ذريعة لتنفيذ خطة مبيتة ومعدة سلفًا.
فماذا وراء هذه العودة الجديدة إلى عهود الاحتلال والانتداب وفرض الوصاية على خلق الله؟
المسؤولون الفرنسيون أطلقوا تصريحات كثيرة في الآونة الأخيرة وأعلنوا أنهم عززوا وجودهم في المحيط الهندي.
الإجراء جزء من استراتيجية كاملة تستهدف تحقيق مكاسب بحرية بكل مضامينها ومجالاتها.
وجزر القمر بحكم وجودها هذا، إنما هو موقع بحري تريد فرنسا أن تحتفظ بأهم رقعة فيه.
هذه واحدة.
والثانية: إن الإنتاج الرئيسي لجزر القمر- ولجزيرة «مايوت» طبعًا- هو الأزهار والورود.
ومعلوم أن صناعة فرنسا من إنتاج العطور، تعتمد على الأزهار والورود وجودًا ووفرة واستمرارًا.
ثم إن سلوك فرنسا في السنوات الأخيرة أكد أنها تريد ربط الدول الأفريقية الناطقة بالفرنسية، بوجودها الفكري والثقافي، وهذا ملحوظ في تشاد وسيراليون والسنغال. إلخ.
وفي جيبوتي ميناء، تعتبر الثانية في الأهمية في المنطقة وتحتل سادس مركز بحري في العالم من حيث ازدحام حركة المرور.
وميناء جيبوتي يطل من الجانب الغربي على «مضيق باب المندب» هذا المضيق الاستراتيجي المهم الذي تصطرع حوله وفوقه، وحول البحر الأحمر عمومًا أطماع دولية شتى.
ومن أمثال أهمية هذا المضيق أن العدو الصهيوني أصر في اتفاقية سيناء على التزام الطرف الآخر بعدم فرض حصار بحري ضده في مضيق باب المندب، فالعدو يبني خططًا كثيرة في المستقبل على أساس استيراد النفط من إيران، وأي حصار بحري في هذا الموقع سيقطع عن العدو شرايين الحياة.
إذن فميناء جيبوتي بأهميته الاستراتيجية والتجارية، صيد تتشبث به الأطماع الفرنسية، وهو من جانب آخر مدغوم في لغة اللعبة الدولية المشتركة بين الغرب كله من جهة والعدو الصهيوني من جهة أخرى.
ومنطقة جيبوتي، عامرة بمجموعة من المواد الخام المهمة، ونحن في زمن عبدت فيه القوى الدولية مناجم المواد الخام.
وجزر القمر، وجيبوتي، بلاد عربية إسلامية، بحكم اللغة والأصول العربية البشرية، والعقيدة الإسلامية.
ومع ذلك، فالعالم العربي - الإسلامي بحكامه الغافلين والمتغافلين، وبجامعة الدول العربية وأمانته الإسلامية النائمتين، وبإعلامه الغبي، وإعلامه المأجور، لم يتحرك، ولم يحتج، ولم يستنكر الموقف الفرنسي.
لأن «فرنسا صديقة العرب»!!
صديقة العرب، وهي تفرض استعمارها على مناطق عربية إسلامية في جيبوتي وجزر القمر.
صديقة للعرب، لأن ديستان يجيد توزيع الابتسامات على حكام يضحون بمصالح الأمة من أجل الابتسامات!
صديقة للعرب لأنها - أي فرنسا - من مصلحتها التظاهر بالصداقة حتى تحصل على أكبر قدر من عوائد النفط.
بل من النفط ذاته.
إنه الكذب الدولي، والخداع الدولي.
أليس عجبًا أن يصف حاكم عربي، رئيس فرنسا - منذ شهرين - بهذا الوصف:
«وأنت أيها الصديق العزيز بشبابك وشجاعتك ورؤيتك الثاقبة واعتزازك بانتمائك الحضاري الإنساني، تجسيد حي لعظمة فرنسا ومجدها بكل معنى الكلمة، وليس من المبالغة أن أقول إن الملايين في أنحاء متفرقة من العالم ينظرون إليك كرمز لفرنسا وآمالها وفلسفتها ونهجها الرشيد في الميدان الدولي وكل ما يعكسه هذا من ثقة واطمئنان وضمان لأن تكون فرنسا- بكل ما تملكه وتمثله- إحدى الركائز الأساسية للسلام والتقدم والرخاء».
الرؤية الثاقبة، والانتماء الحضاري الإنساني، ترجمًا عمليًا في اضطهاد شعبين فقيرين في جزر القمر وجيبوتي.
أليس كذلك؟
وبعد: فإننا لا نستبعد احتمال أن تكون زيادة حجم الاحتلال الفرنسي لجيبوتي، موظفة لصالح قوى عميلة لفرنسا والغرب، تدفع إلى صدارة الأحداث حتى تستلم مقاليد الأمور، في ظل استقلال مزيف.
وهذا الوضع سيؤدي إلى حرب داخلية في جيبوتي وينشأ نزاع مشابه للنزاع على الصحراء الغربية وهذه كلها ظروف تستخدم - إعلاميًا وسياسيًا - ضد العرب وتظهرهم في شكل من لا يستطيع إدارة شؤون نفسه إلا تحت وصاية دولية.
إننا ننادي باستقلال حقيقي وكامل لجيبوتي، استقلال يمكن العناصر الوطنية المسلمة من السلطة وفرض البناء والنهضة، إما أن ترتبط جيبوتي بالنظام الصومالي الحالي، فهذه ورطة جديدة لأن النظام الماركسي في الصومال أذل الشعب الصومالي نفسه وفتنه في دينه وعقيدته، أيما فتنة.
وهذا النظام مرتبط في ذات الوقت بنفوذ سوفيتي داخل في صراع لأهب مع الغرب فوق أرض أفريقيا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل