; إفريقيا- بين موارد الطاقة وأشكال التدخل الأجنبي وصراع النفوذ الروسي | مجلة المجتمع

العنوان إفريقيا- بين موارد الطاقة وأشكال التدخل الأجنبي وصراع النفوذ الروسي

الكاتب محمد عبدالهادى

تاريخ النشر الثلاثاء 03-فبراير-1981

مشاهدات 59

نشر في العدد 515

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 03-فبراير-1981

• القوى الاستعمارية تجند العسكر في إفريقيا لتثبيت مواقعها على خارطة النفوذ.

• ما هي موارد الطاقة الأساسية في إفريقيا؟ وكيف يبدو الصراع الدولي على مصادر الطاقة الإفريقية؟

• اليورانيوم الإفريقي يشكل نسبة 45% من مجموع احتياطي العالم الثالث.

• القوى الاستعمارية ووضع الأنظمة الإفريقية في متاهات التنافس والنزاعات المحلية.

• الفرنسيون يحشدون قواتهم والروس يستخدمون الكوبيين والألمان الشرقيين، وأمريكا تجند عملاءها السياسيين.

• أنظمة عربية متورطة في التدخل الاستعماري الذي يشمل أجزاء كبيرة من إفريقيا.

• مقدمة

العسكر يستولون على إفريقيا:

• من النظريات السياسية التي بات يعرفها حتى الأميون.. أن كثرة الانقلابات العسكرية في منطقة ما تعني بالضرورة أن صراعًا دوليًا استعماريًا يدور حول تلك المنطقة.

• ومن مستلزمات هذه النظرية أن يسيطر الحكم العسكري، ليكون العسكر المتشدقون بالوطنيّة هم الغطاء الشرعي للعبة التي تمارسها القوى الكبرى، بتلك الوسائل الانقلابية التي لا يمثل رجالها سوى أحجار شطرنج بين الأغراب.

  • ولو حاولنا أن نجري مسحًا من خلال النظرية السابقة على القارة الإفريقية.. لوجدنا أنه لا تكاد تمر سنة دون حدوث بضعة انقلابات للجنرالات السود، وإذا أردنا توخي الدقة فيما نقول، فإننا لا بد وأن نشير إلى أن الإحصاءات تقول، إن الأنظمة العسكرية الانقلابية وصلت عام ۱۹۷۸ إلى حكم «22» دولة إفريقية، وقد ارتفع هذا الرقم في العام الماضي إلى «25» دولة بالتحاق فولتا العليا وغينيا الاستوائية وليبريا بركب العسكر الانقلابيين.

  • الاستعمار وواجهات الحكم العسكري:

ولكن.. لماذا هذه الحدة في الصراع العسكري على دول القارة الإفريقية؟

ولماذا تحاول العناصر العسكرية -وهي أقلية- الوصول إلى سدة الحكم؟

 وكيف تمكن ضباط من رتب صغيرة -من مستوى البدائية العسكرية- من السيطرة على الحكم في دولة مثل «ليبريا» التي استولى على حكمها ضابط برتبة ملازم.. في غياب قادته ورؤسائه العسكريين؟؟!!

 وللإجابة نقول:

إن القارة الإفريقية ظلت طوال الفترات الاستعمارية الماضية قارة مجهولة.. لا يعرف الاستعمار عنها الكثير.. لتكون مفاجأته في أعوام السبعينات المنصرمة أن إفريقيا أحد المراكز الجيولوجية للمعادن الثمينة والطاقة.

 ولما كان الأمر كذلك.. فإن كثيرًا من مراقبي الحركة السياسية الاستعمارية وتوجهاتها العسكرية في مناطق العالم الثالث، يربطون بين ظهور الطاقات الاقتصادية في إفريقيا وبين الحركات العسكرية التي تدفع بالعسكر للاستيلاء على السلطة هناك.

• فالعسكر لا يهمهم في الحكم سوى المحافظة عليه، وقد أشارت صحيفة الرياض السعودية يوم 31/ 12/ 1980 إلى أن طبيعة البلدان الإفريقية تولد لدى هؤلاء العسكر انجذابًا نحو حب السلطة والجاه على الصعيدين الداخلي والعالمي.

• والعسكر هو العملة الصعبة بيد القوى الاستغلالية المستعمرة في العالم، وقد أنفق الانقلابيون في إفريقيا على التسليح لحماية أنظمتهم على الصعيد الداخلي- نفقات خيالية بهدف المحافظة على كرسي الحكم، الأمر الذي جعل مؤسسات التسليح في العالمين الشيوعي والرأسمالي، تفتح أسواقها في إفريقيا بواسطة الانقلابيين العسكريين. 

• وإذا كان الأمر كذلك، فلا بد للعسكريين من اللجوء إلى قوى خارجية لحماية نزواتهم وطموحاتهم الشخصية، وهذا يعني بالتالي فتح البلاد أمام القوى الاستعمارية التي لا يهمها إلا استغلال موارد البلاد وطاقاتها.

• الاستعمار والصراع على الطاقة في إفريقيا:

 بعد تلك الملاحظات يحسن بالمرء أن يلحظ أيضًا الصراع الدائر حاليًا في كثير من مواطن إفريقيا.

• فالفرنسيون والأمريكان وبعض الأدوات العربية كالقذافي ودولة السودان ومصر و... و... مشغولون هذه الأيام في قضية بعض الدول الإفريقية والانقسامات الداخلية فيها، بدءًا من القرن الإفريقي، وانتهاءً بتشاد وزائير ونيجيريا وغير ذلك من دول القارة.

• وعلى المحور الآخر، يقف الاتحاد السوفياتي محاولًا تعميق صلاته، متكئًا على عملائه ضمن سياسة معروفة بينه وبين الولايات المتحدة لاقتسام النفوذ في هذه القارة.

 ويجمع المراقبون على أن الطاقة هي الهدف الأول من التنافس بين القوى الكبرى للسيطرة على دول إفريقيا واتخاذ حكامها عملاء صرحاء لها.

 وهنا يحسن أن نقف على أهم موارد الطاقة في القارة.

• النفط والغاز الطبيعي:

 تزخر القارة الإفريقية باحتياطي ضخم للنفط يبلغ حوالي «7» بلايين و«515» مليون طن، ويتوزع هذا الاحتياطي بين الشمال والوسط والشرق من إفريقيا.

 أما الغاز الطبيعي فهو موزع على توزيع جغرافي مشابه لتوزيع النفط، وتستثمر المخزون من النفط والغاز شركات أجنبية يغلب عليها الارتباط بمؤسسات الصليبية والنصارى، الذين يعشعشون في معظم البلدان الإفريقية، ولا سيما البلدان التي تقوم على أغلبية إسلامية مثل «نيجيريا»، والجدير بالذكر أن نيجيريا هذه هي واحدة من دول الأوبيك، وهي الدولة الإفريقية النفطية الأولى.

• الأورانيوم:

 وإن ما تمتاز به القارة الأفريقية عن مواقع العالم الأخرى هو الاحتياطي الضخم الذي تذخر به في مجال اليورانيوم، ويشكل هذا الاحتياطي حوالي «45%» من كامل احتياطي العالم الثالث الذي هو محل الصراع بين الدول الكبرى. ويوجد هذا الاحتياطي خاصة في المنطقة التي تمتد من جنوبي مقاطعة «شابا» الزائيرية «كاتنغا» سابقًا، إلى شمال شرق زامبيا، وتوجد كميات أخرى بجنوب إفريقيا ودولة ناميبيا.

 ومما يلاحظ بخصوص الاحتياطي الإفريقي من الأورانيوم، أن هذه المادة الإستراتيجية توجد في معظم المناطق الإفريقية الساخنة، فمنطقة «شابا» مثلًا شهدت منذ استقلال زائير ثلاث حركات انتقامية أو تمردية، كان للمرتزقة الغربيين يد طولى في تحريك عدد منها، أما ناميبيا فإنها ما زالت تشهد صراعًا للانعتاق من الاستعمار، وإذا انتقلنا إلى «تشاد» التي يحاول القذافي والفرنسيون السيطرة عليها، فإننا نجد أن إقليم «أوزو» الشمالي في هذه الدولة. 

 والذي يطالب به العقيد القذافي يحوي احتياطيًا ضخمًا من هذه المادة، كذلك فإن اليورانيوم الموجود في الصحراء الغربية هو السبب في الصراع الدائر عليها، والذي تنفذه كل من موريتانيا والمغرب والجزائر وليبيا، بينما تقف القوى الاستعمارية الكبرى في الظل. 

• وهنا لا بد من القول إن قارة إفريقيا بأجمعها لا تستهلك إلا ما يعادل 8٪ مما تستهلكه دول قارة آسيا، وهذا يبرز نسبة التخلف في مجال استهلاك الطاقة والموارد في إفريقيا، الأمر الذي يفتح شهية المستعمر لغزوها واللعب فيها بشتى الطرق والوسائل.

• النزاعات الإفريقية:

 وهي نزاعات تستفيد القوى الاستعمارية كثيرًا من استمراريتها وحركتها داخل عواصم القارة وعلى حدودها، ولعل هذه النزاعات تعود في أصولها وأسبابها إلى التشكيلات التي تركها الاستعمار بعد خروجه من بلدان القارة، وتقسم هذه النزاعات إلى ثلاثة أقسام:

 نزاعات ذات جذور سياسية عقائدية - نزاعات ذات جذور بشرية - نزاعات على الحدود.

 هذا وقد شهدت القارة جملة من المطالب والنزاعات بين «غانا وتوغو» وبين «النيجر وبينين»، وبين «الكاميرون ونيجيريا»، وبين «الصومال وإثيوبيا»، وبين «الصومال وكينيا»، وبين «الصومال وجيبوتي» وبين «ليبيا وتشاد»، وبين «فولتا العليا ومالي» وبين «تانزانيا وأوغندا»... إلخ.

 أما الاستعمار الذي خلف أسباب هذه النزاعات، فهو يحتال خلال كل نزاع على استثمار مواقعه داخل هذه الدول، تاركًا النزاع دون إطفائه ونهايته ليعود مرة أخرى في المستقبل.

 وقد حرص المستعمرون وقواه على جعل الغلبة السياسية في القارة للنصارى.. ووجود النصارى على رأس الحكم.. ووجود مؤسساتهم الاجتماعية والتبشيرية، يصعد النزاع في المجتمع الإفريقي بين النصارى والمسلمين في الدول الإسلامية الإفريقية مثل السنغال ونيجيريا وغيرهما. الأمر الذي يجعل القارة مواقع ملتهبة في المواقع الداخلية والمواقع الحدودية أيضًا.

الأطراف الدولية المتصارعة في إفريقيا ومواقعها:

 القوى الاستعمارية التي تمد أنفها في دول العالم الثالث في شتى القارات، كرست في أعوام السبعينات المنصرمة سياسة النفوذ على أساس من الوفاق والتفاهم فيما بينها، للسيطرة على الأجزاء المتبقية من العالم الفقير خارج حلبة «الصراع - والوفاق».

 ومن أجل هذا قررت القوى الكبرى توسيع خارطة «هلسنكي»، بحيث تشمل النفوذ في القارة الإفريقية أيضًا، وهنا لا بد أن نعيد إلى الذاكرة أن «هنري كيسنجر»، وزير الخارجية في العهد السابق للرئيس الأمريكي الأسبق «كارتر»، أشار لدى اجتماع له مع الرئيس الروسي ليونيد بريجنيف، أن إفريقيا تدخل في حساب سياسة الترابط، وهي سياسة تبادل النفوذ أو المقايضة الدولية.

 وإذا كان الأمر كذلك، فكيف تبدو مواقع الدول الكبرى وهوياتها في إفريقيا، وهنا يحسن بنا أن نعود قليلًا إلى الوراء، لنعرف أن الفرنسيين هم الطرف الأول!

أولًا- فرنسا:

 ففي أعقاب انفجار الوضع في تشاد في الربع الأول من العام الفائت «۱۹۸۰»، طرحت مجددًا مسألة الوجود الفرنسي في إفريقيا بشكل خاص. وأهمية هذه المسألة تعود إلى أن القارة الإفريقية أصبحت بؤرة صراع دولي متعدد الأطراف.. ولعل فرنسا هي الطرف الأبرز حتى الآن في هذا الصراع.

• ونحن إذا اقتصرنا على ملاحظة التدخلات الفرنسية المسلحة «بشكل مباشر أو غير مباشر» في إفريقيا، لأحصينا عشرة تدخلات عسكرية فرنسية وقعت في إفريقيا خلال عشرين عام مضت، وأولى هذه التدخلات حصلت عام  «١٩٦٠» وراء ستار صراع بعض الحكام المحليين في القارة  «ليوبولد سنغور وموديبوكيتا»، اللذين كانا مرشحين لرئاسة اتحاد مالي الفدرالي، حيث طلب «موديبوكيتا» نجدة فرنسا عسكريًا لمواجهة حركة السنغاليين في «داكار»، وقد تجدد التدخل الفرنسي نفسه عام ١٩٦٢، عندما انفجر الصراع بين سنغور الصليبي ورئيس وزرائه المسلم «مامادوضيا».

• أما في الغابون، فقد دخلت القوات الفرنسية بناءً على طلب نجدة من رئيس الدولة نفسه «ليون ميا»، بعد أن أطاحت به مجموعة صغيرة من الضباط في انقلاب عسكري.

• لكن نموذج التدخل الفرنسي في تشاد، يظل أكثر التدخلات وضوحًا، وقد شمل هذا التدخل نقل آلاف الجنود الفرنسيين، ولا يزال مستمرًا حتى الآن.. وقد حصل التدخل الفرنسي أساسًا بناء على طلب من الرئيس «فرانسوا تومبالباي»، وذلك بدعوى مساعدة الجيش التشادي على إبقاء سيطرته على «تيبستي»، التي كانت تحاصرها قوات الجبهة الوطنية بقيادة «حسين حبري». وما زال الصراع على تشاد بين الفرنسيين والأمريكان والروس عبر القذافي مستمرًا حتى الساعة.

• وتدخل فرنسا في زائير: «أبريل» ۱۹۷۷ ما زال قريبًا من الذاكرة، حيث حملت الطائرات الفرنسية قوات مغربية لدى تدخلها.

• وفي شابا تدخل الفرنسيون تحت غطاء الدوافع الإنسانية المزعومة وإنقاذ الرعايا الأوربيين، وقد لقي هذا التدخل رفضًا عالميًا شاركت فيه القوى الكبرى، الأمر الذي يشير إلى أن الفرنسيين يواجهون أيضًا منافسين استعماريين في إفريقيا.

 بالإضافة إلى الأسطول الفرنسي الموزع بصورة رئيسية في البحر المتوسط والمحيط الهندي، هناك حوالي «٦٠٠٠» جندي يقيمون في القواعد الفرنسية في دولة الغابون وساحل العاج والسنغال وجيبوتي، كما توجد داخل فرنسا كتائب من الاحتياطيين، بعضها ضمن فرق المظليين، وبعضها الآخر ضمن فرق المشاة والبحرية الخاصة بإفريقيا.

 وتدعم هذه القوات العسكرية الفرنسية طائرات هليكوبتر وكتائب من المدفعية، والدبابات الخفيفة.

 وفضلًا عن هذا، هناك أيضًا الكتيبة المدرعة الحادية والثلاثين التي يجرى تكوينها، وهي خاصة للتدخل في القارة الإفريقية، وتملك هذه الكتيبة دبابات تنقل جوًا، وهي مهيأة للتدخل السريع في ساحات القتال خارج فرنسا، وقد أشارت صحيفة لوموند إلى الاستعدادات العسكرية الفرنسية، الخاصة بالتوجه الاستعماري نحو القارة الإفريقية في أحد أعدادها الصادرة خلال شهر «أبريل» من عام ۱۹۸۰، مشيرة إلى أن هذه السياسة إنما هي سياسة قديمة.. إلا أنها باتت -كما يبدو- سياسة ساخنة في الوقت الحاضر، الأمر الذي يفرضه واقع الصراع والتنافس على النفوذ بين الفرنسيين وغيرهم في القارة السوداء.

ثانيًا- الروس:

 يتسابق الروس مع الفرنسيين بعامة على الاستئثار بثروات إفريقية، يساعدهم في ذلك بعض حلفائهم الشيوعيين مثل كوبا، وينهج هؤلاء منهج التبشير بالماركسية في إفريقيا بغية ضمها إلى المعسكر الشيوعي، وقد استغل الاتحاد السوفياتي حالة انعدام الاستقرار والتناقضات المسيطرة على القارة السوداء، لتوسيع نفوذه.

 وتعتمد السياسة الاستعمارية الروسية لدى تدخلها في القارة على قواعد عسكرية وتسهيلات في أكثر من دولة إفريقية مثل «إثيوبيا – ليبيا - أنغولا».

 هذا ويستخدم الروس في تدخلهم الاستعماري في إفريقيا جنودًا من دول حليفة:

١- كوبا، حيث تساهم ب٤٠ ألف جندي مجهز.

٢- ألمانيا الشرقية، وقد وضعت تحت إمرة الروس «۷» آلاف ألماني شرقي.

 وتبث روسيا الشيوعية المستشارين في المناطق التي تسيطر عليها بنفوذها، ويتولى هؤلاء التوجيه السياسي وجمع المعلومات وتوظيفها، ورسم الخطط دون أن يتورطوا مباشرة في القتال.

 ويعتقد بعض المراقبين السياسيين لشؤون القارة الإفريقية، أن تقدم الروس في هذه القارة مرده إلى إخفاق بعض الدول الاستعمارية الأخرى. وكلما خرج السوفيات من موقع في إفريقيا ينقلون إلى موقع آخر، فخروجهم من مصر جعلهم ينقلون مستشاريهم إلى ليبيا، وخروجهم من الصومال نقلهم إلى إثيوبيا، وذلك كله من خلال موازنة النفوذ بين الدول الكبرى التي تعتمد مبدأ المقايضة في كثير من الأحيان.

 وهنا يجب ألا يفوتنا أن الوجود الروسي في إفريقيا، لم يكن مرده إلى مواقف عقائدية فكرية لدى الاتجاهات والهيئات والأحزاب الحاكمة في الدول الإفريقية، كما لا يعود إلى خلافات إقليمية عارضة كما هو حال التدخل الفرنسي. وإنما يعود إلى تدخل عن طريق الحكام العملاء أو إشاعة الانقلابات العسكرية.

 ويعتقد مراقبون غربيون أن صعود الروح الوطنية لدى الشعوب الإفريقية، كاف لإنهاء دور الروس في مستقبل قريب.

ثالثًا- الولايات المتحدة الأمريكية:

 أما القول بإستراتيجية أميركية في إفريقيا، فيبدو أنه سابق لأوانه.

  • فمذكرات الدكتور هنري كيسنجر «وزير خارجية أميركا الأسبق ورجل الحكومة القوي عام ١٩٦8 - ١٩٧٧»، تخلو من أي فصل مخصص لشؤون القارة الإفريقية، فيما عدا ما يتعلق بمسألة الأنظمة العربية واليهود.

  •  والرئيس الأميركي الحالي أعلن في مارس سنة ۱۹۷۹ أن إدارته تكب على إعادة تقويم السياسة الأميركية بالنسبة لإفريقيا. 

 وفي أي حال ترتسم ملامح سياسة أميركية تجاه القارة الإفريقية لم تخرج بعد إلى الحيز التطبيقي.. وإذا كان ذلك كذلك.. فإننا نستطيع أن نرصد مستقبل الإستراتيجية الأميركية في إفريقيا من خلال معطيات الحاضر، وذلك بعد تحليل آراء المراقبين كما يلي:

1- التعامل مع القارة من خلال مفاهيم أهل البلاد، والابتعاد ما أمكن عن إخضاعها للتجانب القائم بين الشرق والغرب «من كتاب ليكفولد - جامعة نيويورك».

۲- استخدام السلاح التكنولوجي والاقتصادي الذي يفتقده الروس والفرنسيون في التعاون مع القارة «دراسة لقرنان - بموضوع إستراتيجية أمريكية جديدة».

٣- قول سايروس فانس في ٢٠/ 6/ 1978 بأنه: «ليس عادلًا ولا مفيدًا التعامل مع الواقع الإفريقي من خلال التسابق بين الشرق والغرب».

 وهنا نستطيع تفسير موقف الولايات المتحدة من عدم تشجيع سباق التسلح أيام حرب أوغادين.. وعملت من ثم وفق مخطط سياسي للتقارب مع أنغولا وزائير، وارتبطت بأنغولا من خلال اتفاقات ومصالح اقتصادية وتغطية مهمة.

٤- ويبدو أن الأمريكيين يعتقدون أن الشعور الأمني والشعور الوطني هو الدافع الحقيقي للشعوب والدول الإفريقية، وهو بالتالي سينقلب على الوجود الروسي، فلا داعي إذًا لطردهم.

 ومن الأمثلة على التصور الأمريكي محاولاتهم الارتباط السياسي بحاكم نيجيريا.. وارتباطهم وتوجيههم لحاكم ليبيا الذي يعتقد بعض المراقبين العرب، أنه هو الإدارة الأولى التي سيستفيد منها البيت الأبيض الأمريكي في مستقبله السياسي داخل القارة الإفريقية السوداء.

• المناطق الساخنة في القارة

 لفتت أنظار المناطق التي اشتدت سخونتها في السنوات الأخيرة في القارة أنظار المراقبين، فذهبوا إلى محاولة اكتشاف الأطراف التي تقف وراء التسخين والاحتراق.

 فلقد شهدت المنطقة الشرقية من الحبشة طوال السنوات الأخيرة الماضية، معارك دامية اتسع القتال فيها بين ثوار إرتيريا وقوات منغستو هيلا مريام.

 والحشود العسكرية بين عساكر القذافي وقوات السادات، تنتفض بين الآونة والأخرى في محاولة متوقعة «أخيرًا» لافتعال عمل عسكري ما.. قد يكون خطط لمصر لاقتحام ليبيا وإسقاط القذافي مرة واحدة.

 الانفجار بين ليبيا وأطراف تشادية من أجل النزاع على إقليم «أوزو» التشادي الغني بالنفط، ودخول قوات ليبية إلى ذلك الإقليم.

 السادات والنميري على أتم الاستعداد من الناحية السياسية والعسكرية للتحرك في مواجهة القذافي، الذي يتصرف داخل بعض المقاطعات التشادية وكأنها قطعة من ليبيا.

 الإنذارات الفرنسية الموجهة للقذافي بشأن تدخلاته وإشعاله الفتن في القارة الإفريقية، وصلت إلى مرحلة إرسال بعض الوحدات العسكرية الفرنسية لتدعيم موقف أعداء القذافي في تشاد، ومنعه من تحقيق الأهداف الداخلة ضمن لعبة «الوفاق» التي ينفذها كلا الروس والأمريكان، لبسط نفوذهما على مناطق النفوذ الفرنسي البريطاني الأسبق.

 وإذا كانت رائحة الحريق لا تزال تنبعث من القرن الإفريقي وشابا وزائير وتشاد، فإن نيران الاشتباكات المتقطعة تتأجج في الصحراء الغربية.

 وإذا توجه المرء جنوبًا، فإن أمام نار الحرب العنصرية كثيرًا من الهشيم لتأكله.

 وهكذا تبدو بعض المناطق الحدودية ما زالت تحترق في إفريقيا، بينما اللاعبون الحقيقيون يتفرجون بانتظار شحنات اليورانيوم والنفط.

المسلمون في جنوب إفريقيا:

 يبلغ عدد المسلمين اليوم في جنوب إفريقيا حوالي ٠٠٠ ر ٣٦١ نسمة، يرجع تاريخهم إلى عام ١٦٨٥، حينما قدموا إلى جنوب إفريقيا من جزر الملايا والجزر المحيطة الأخرى، وبعد ذلك توالت الأفواج الإسلامية في دخولها إلى جنوب إفريقيا، ففي عام ١٨٦٠ حضر فريق من العمال إلى «ناتال»، بناء على عقود عمل عقدت مع عمال هنود بموجب اتفاقية بين حكومتي الهند وناتال، وحينما أشرفت عقودهم على الانتهاء، قرر الكثيرون منهم الإقامة فيها.

 وأقام أكثر من ٤٠٠٠ نسمة بجوار ديربي عام ١٨٨٥، وفي عام ۱۸۷۳ تقريبًا، سكن المسلمون الذين جاؤوا من زنجبار والذين ينحدرون من أصل إفريقي في ديربي. ويبلغ الإفريقيون الذين انحدروا من هذا الفريق قرابة ٣,٠٠٠ نسمة.

أيها المسلمون انتبهوا فلسطين أخرى تسقط في إفريقيا

 الكوبيون.. والسوفييت.. بمباركة أمريكا.. بدأوا بالفعل مؤامراتهم الكبرى لاحتلال إرتيريا واغتيال شعب إرتيريا المسلم.. وتسليمه للنظام الدموي الحاكم في إثيوبيا.. ماذا يعني ذلك؟ الحكم بالإعدام.. على أمنية العرب الكبرى.. في تحويل البحر الأحمر إلى بحيرة عربية.

 وماذا يعني ذلك أيضًا؟ مصير شعب إفريقي مسلم.. في يد نظام عسكري مسيحي متعصب -هكذا- ببساطة.. دون أن تنتفض دولة عربية واحدة.. ودون أن تتألم دولة إسلامية واحدة.. رغم أن تعاليم الإسلام تفرض على كل حكومة مسلمة أن تتحرك.. إذا تم الاعتداء على شبر يعيش عليه رجل يقول «أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله».

 يحدث هذا.. بعد أن تخدرت الشعوب الإسلامية والعربية بالتصريحات التي تصدر عن «قادة العالم الإسلامي».. ومسؤوليات هؤلاء القادة «الشفوية» نحو هذا العالم وشعوب هذا العالم.

 والغريب أن قصة إرتيريا لا تختلف عن قصة فلسطين إلا في التواريخ والأسماء فقط.. فإثيوبيا كانت دولة منتدبة على إرتيريا من قبل الأمم المتحدة تمامًا كما كانت إنجلترا منتدبة على فلسطين من قبل عصبة الأمم..

 وعندما يحاول شعب إرتيريا الآن أن يستعيد أرضه من إثيوبيا.. ويستعين بدول المواجهة من العالم العربي ودول المساندة.. لم يحصد في النهاية سوى مزيد من التصريحات الكثيرة.. والمساعدات النادرة..

 والآن يقف شعب إفريقي مسلم بأكمله.. ينتظر مصيره المحتوم على يد قوى تفوقه عددًا وعدة.. والصمت الرهيب يجثم على أفواه الجميع كما جثم بالأمس القريب على أفواه ساستنا عند اجتياح الجنوب.

 وماذا بعد.. إننا لم نعد نملك.. سوى أن نصرخ كما صرخت -قديمًا- امرأة في عهد المعتصم.. «واإسلاماه» «وامعتصماه».. لعل جنينًا مسلمًا يلتقط هذه الصيحة.. ليخرج من بطن أمه لينقذ هذا العالم المكلوم.. الذي نعرفه الآن باسم العالم الإسلامي.. هل نحلم؟!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

4364

الثلاثاء 24-مارس-1970

فلسطين

نشر في العدد 4

142

الثلاثاء 07-أبريل-1970

الاقتصاد الوضعي في الميزان