; «قدس برس» في ذكرى انطلاقها | مجلة المجتمع

العنوان «قدس برس» في ذكرى انطلاقها

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 02-يونيو-2001

مشاهدات 47

نشر في العدد 1453

نشر في الصفحة 52

السبت 02-يونيو-2001

 في الأول من يونيو قبل تسع سنوات (۱۹۹۲م) شهدت الساحة الإعلامية ميلاد وكالة قدس برس للأنباء، وقد جاءت انطلاقتها كفكرة طموحة في فترة امتلأت بالتحديات للشأن العربي بالذات، فالساحة الإعلامية العربية من جانب كانت تفتقر إلى وكالة أنباء عربية مستقلة قادرة على محاكاة الواقع وقراءته بعيون عربية وبانعكاس حضاري عميق بعيدًا عن الأزمات الإقليمية والتنابذ بين الأقطار. ومن جانب آخر فإن حقيقة ملموسة في الساحة هي هيمنة وسائل الإعلام الأجنبية وفي مقدمتها سيطرة الوكالات الغربية (٩ وكالات أنباء غربية) على سوق المعلومات في العالم العربي هو ما جعلها تمتلك زمام التوجيه والتحكم في مسار الأحداث، وصبغها بالصبغة التي تريد، وقد كان ذلك -في رأي فايد أبو شمالة صاحب دراسة قدس برس النشأة التطوري- دافعًا حفز الدول العربية والإسلامية لتأسيس وكالات أنباء محلية، وتشكيل شبكات إقليمية، كما أنه كان دافعًا وراء تأسيس وكالة الأنباء الإسلامية، إلا أن تلك الوكالات خضعت لخللين رئيسيين: 

الأول: التسييس.

والثاني: المشكلات المالية.

     فارتباط الوكالة بالحكومات يحولها إلى أداة دعائية تحول نشرتها إلى مجرد نشرة للعلاقات العامة والدعاية، وهذا يفقدها المصداقية، ويحرمها من التسويق، وبالتالي تضطر إلى التوزيع المجاني، وتتحول بذلك إلى مؤسسة استهلاكية ترهق كاهل الحكومة.

     في هذه الأجواء والظروف خرجت «قدس برس» إلى الساحة الإعلامية، يقول أحمد رمضان رئيس تحرير الوكالة ومديرها العام إن اختيار الاسم قدس برس جاء من خلال رؤية استشرافية مستقبلية تستند إلى طموح الوكالة لاختيار عنصر يميزها عن نظيراتها في الساحة الإعلامية، إلى جانب اختيار مسمى له إشعاع حضاري ومعنوي وخاص لدى المتلقي في الوطن العربي، يضيف: للاسم صلة أيضًا بعامل التميز المهني وهو التركيز على مجريات وتطورات القضية الفلسطينية، ويعود ذلك إلى القناعة بأن أي عمل جديد يجب أن يتميز من جانب من الجوانب في ظل منافسة حامية من ناحية، وكعامل حيوي لجذب المشتركين، ولذا فقد اختارت الوكالة التميز في الشق الفلسطيني وشؤون الصراع العربي الصهيوني، وكان طبيعيًا أن يأتي اختيار الاسم إجراء مهنيًا لا صلة بأي أبعاد أخرى، ولا يؤثر على استقلاليتها، فالوكالة تنتمي إلى الأمة العربية والإسلامية من أبعادها الحضارية، ولذلك فإنها تقترب من هموم المجتمعات النامية إزاء قضايا التحرر من الهيمنة والتنمية الاقتصادية المستقلة، والنهوض الثقافي والتماسك الاجتماعي. ويلفت رمضان الانتباه قائلًا: في سياق تعرضنا لموضوع الهوية العامة للوكالة يكون من الأهمية بمئات الإشارة إلى أن كل وكالة أنباء عالمية تمثل في الواقع انعكاسًا لقاعدة حضارية وفكرية تنبع منها في الأساس، وتسعى لنقل معطياتها من خلال أخبارها وتقاريرها، وتستخدم في سبيل ذلك حرفية بحيث لا يبدو الأمر دعاية تفتقر إلى الذكاء كما يحدث مع وكالات الأنباء المحلية التي تتصف دعايتها السياسية -في الغالب- بقلة الدراية. ولو عدنا إلى وكالات الأنباء الرئيسة فإننا نجد أن وكالة الصحافة الفرنسية تصنف على أنها تعكس رؤية الفرانكفونية إزاء المتغيرات العالمية، وتبدي تعاطفًا مع الدول المنضوية في إطار المنظومة الفرانكفونية التي تهيمن عليها فرنسا، أما وكالة «رويتروز» فإنها تعبر عن المنظومة الإنجلوسكسونية كما أن وكالة «أسوشيتدبرس» تعكس وجهة النظر الأمريكية الأمريكية من أحداث العالم، ويتاح للمراقب الذي يتابع بشكل دقيق ما تبته هذه الوكالات ملاحظة وجود تناقض فيما بينها. 

الهوية الحضارية:

    وذلك يقودنا إلى حقيقة مهمة وجوهرية وهي أن أي وكالة أنباء يتم تأسيسها لا بد أن تكون لها هوية حضارية وفكرية تحدد أطرها العامة في نهاية الأمر على الرغم من التزامها الأساسي بأسس الحيادية -وهما تعبيران نسبيان من وجهة نظره- والاستياء على الضوابط المهنية والمعايير التي تعمل من قابلية العمل والمنافسة، وتزيد من عوامل جذب وسائل الإعلام.

     في هذا الإطار تحاول قدس برس الالتزام ببعض الضوابط، وأهمها البعد عن الانحياز والخوض في النزاعات الثنائية والإقليمية، أو الدخول في صراعات مع الحكومات والقوى السياسية المحلية، كما تبتعد عن أي تشابك حزبي أو سياسي في الوطن العربي، ولا شك أن العقلية التجارية والاستثمارية والحرص على تزايد أعداد المشتركين تسيطر على منهجية أي وكالة حتى يتحقق لها النجاح، إضافة إلى عوامل أخرى مهمة مثل عدم الاحتواء أو الانحياز من قبل قوى سياسية کبری.

      ومنذ أن بدأت الوكالة بثها الرسمي المستمر في الأول من يونيو ۱۹۹۲م مرت بمراحل وتطورات تزامنت مع المتغيرات المتسارعة التي تشهدها الساحة الإعلامية على الصعيدين العربي والدولي، وفي مقدمة ذلك الطفرة التقنية التي اكتسحت وسائل الإعلام، وجعلت أحداث العالم في متناول أي مراقب، وقد حققت الوكالة خطوات متقدمة وناجحة في عمليات البحث والتغطيات المتنوعة، فقد اتسعت عمليات البث من مليون (۹۳۸) ألف كلمة و(٧) و(٩٤١) مادة خبرية عام ١٩٩٤م، إلى (5) ملايين و(٩۷۳) ألف كلمة و(١٩) ألف و(٦٢١) مادة خبرية عام ٢٠٠٠م.

شبكة واسعة:

      وأصبحت الوكالة تمتلك شبكة واسعة من المراسلين المنتشرين في أنحاء العالم، ويستخدمون أحدث وسائل الاتصال الإلكتروني في سبيل نقل النبأ من موقع الحدث إلى وسائل الإعلام المستفيدة من خدمات الوكالة، وبالإضافة إلى فريق من خبراء السياسة والاقتصاد والفكر والصحة واللغة والمعارف علاوة على الكتاب الذين يضفون بإسهاماتهم المزيد من مؤشرات التميز الذي تتمتع به الوكالة، وتسعى الوكالة باستمرار إلى تحقيق إضافات وإبداعات جديدة من بثها، وهو ما يفتح المجال واسعًا لخوض المنافسة على المستوى الإقليمي والدولي؛ حيث يتنامى عدد المشتركين في خدماتها في قارات العالم، وهكذا يتزايد حضور «قدس برس» في الإعلام العالمي بوصفها مصدرًا للمواد الإخبارية بلغته الصحافية المتطورة.

الرابط المختصر :