; «قصتي مع المجتمع» | مجلة المجتمع

العنوان «قصتي مع المجتمع»

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أغسطس-1996

مشاهدات 78

نشر في العدد 1213

نشر في الصفحة 25

الثلاثاء 20-أغسطس-1996

تستوقفني بعض رسائل القراء طويلًا فيما تكون الغالبية موجهة إلى قضايا وموضوعات مختلفة يتم تحويلها إلى وجهتها، ورسائل القراء هي المرآة العاكسة لأية صحيفة ومطبوعة؛ إذ إننا نرى المجتمع من خلالها ونقف عند رسائل النقد والملاحظات أكثر من وقوفنا عند رسائل المديح والثناء، بل إن كل رسالة تحوي نقدًا موضوعيًّا، أو تعليقًا، أو تعقيبًا، أو فكرة مغايرة نحرص على نشرها إثراء للحوار، وتشجيعًا للقراء أن يدلونا على ما يرونه فينا من نقائص وعيوب لا يخلو منها العمل والإبداع البشري، ومع قيامنا بنشر كثير من الرسائل إلا أن بعضها لا يكون للنشر؛ إما لأن أصحابها يطلبون ذلك، أو لأن مضمونها يؤدي إلى ذلك، ومع الكم الهائل من الرسائل الذي نتلقاه يوميًّا عبر البريد أو جهاز الفاكسميلي تبقى بعض الرسائل المتميزة والتجارب الجيدة، ومنها هذه الرسالة التي أخرجتني من هموم السياسة والتوتر الذي نعيشه في متابعة الأحداث وملاحقة القضايا إلى تجربة فريدة حرصت على أن أشرك القراء في الاطلاع عليها.

وصاحب الرسالة هو أحد قراء المجتمع الذي عرفته عبر الهاتف والرسائل منذ أكثر من عام، وهو شاب عربي يقيم في إحدى الدول الغربية، وأترك المجال له الآن لكي يروي قصته مع المجتمع.

يقول صاحب الرسالة بعد الاستهلال والديباجة: «دفعني إلى كتابة هذه الرسالة أشياء عديدة أهمها رغبتي في التعبير عن التغير الكبير الذي طرأ على حياتي بعدما عرفت مجلة المجتمع، والقصة من أولها هي أنني شاب عربي عشت منذ صغري متعلقًا بالغرب وتقاليده، وظل حلم الهجرة إلى الغرب يراودني حتى تحقق في عام ١٩٩٠م وحصلت على تأشيرة هجرة وانتقلت للإقامة في إحدى الدول الغربية، وكان أول شيء حرصت عليه هو أن أنسلخ تمامًا من جذوري العربية، وأن أنسى هنا كل ما يتعلق بالتقاليد أو يمت إلى العروبة بصلة، وأن أحرص على الاندماج بالسرعة الممكنة في هذا المجتمع الجديد الذي عشت أحلم به، وكنت في البداية مرتبكًا ومشوشًا جدًّا لأنني مع حرصي على الذوبان في هذا المجتمع كنت حريصًا على الالتزام بديني، ولكن على طريقتي الخاصة، وسرعان ما بدأت في التنفيذ، ولم أستغرق كثيرًا من الوقت حتى تعرفت على هذا المجتمع واكتشفت أن المجتمع الذي حرصت على الذوبان فيه ينحصر في ثلاثة أشياء هي: الخمر والمرأة والمال الذي يعبدونه من دون الله، فلم يعجبني ذلك، إلا أني لم أجد أمامي طريقًا آخر غير الاستمرار فيما سرت فيه لا سيما وأني قد تنكرت لأصلي بعد ظروف ومعاناة مررت بها ولا مجال لذكرها هنا، ودخلت في مرحلة صراع نفسي مرير حتى شاءت أقدار الله أن ألتقي قبل ما يقرب من عامين بشاب سعودي تعرفت عليه أثناء زيارة كان يقوم بها إلي هذه البلاد، وقامت بيننا بعض المراسلات، وخلال هذه الفترة نشرت إحدى الصحف اليومية التي تصدر هنا موضوعًا عما يسمى بـ«مسيرة السلام القائمة بين بعض الدول العربية وإسرائيل» ونقلت هذه الصحيفة بعض الآراء عن مجلة المجتمع، ولم أكن سمعت بالمجتمع من قبل، فأرسلت رسالة إلى صديقي السعودي أستفسر منه عما نشر في هذه المجلة ففوجئت به وقد أرسل لي العدد «١١٤٠» من المجتمع الذي فتحته وتصفحته على اعتبار أنها مجلة مثل سائر المجلات التي أطالعها، إلا أني شعرت أنني أمام عالم آخر، بل أقول بلا مبالغة: وجدتني في «زورق نجاة» فمن أول مقال طالعته شعرت ببداية تحول في فهمي وفكري، ووجدتني مشدودًا لأن أطالع كل مقال، بل كل سطر، بل كل كلمة، ولا زلت أذكر موضوعات هذا العدد لأني من كثرة ما اطلعت عليها كدت لا أنسى شيئًا منها، حتى أني أذكر أن المقال الذي كتبته في زاويتك «بلا حدود» في هذا العدد كان تحت عنوان «مايكل روز.. الجنرال المهزوم» فوجدتني أطلع على قضية البوسنة بمنظار آخر، وكذلك كافة القضايا الأخرى، وما طويت العدد حتى كان أول شيء فكرت فيه هو كيف أشترك في هذه المجلة حتى أحصل عليها بانتظام، وقمت وقتها بالاتصال بكم، وبدأت تصلني المجتمع بانتظام فوجدتها بدأت تشعرني مرة أخرى بأصولي وجذوري وانتمائي الذي سعيت يومًا للتنصل منه والتنكر له، وكان أول شيء تعلمته من المجتمع هو كيف أحب العروبة المقرونة بالإسلام، وكيف أن انتمائي أوسع وأعمق مما كنت أتصور، فأنا لا أنتمي فقط لبلدي التي ولدت فيها وهاجرت منها، ولكني أنتمي إلى أمة عظيمة ودين قويم، وبدأ هذا الشعور ينساب إلى نفسي شيئًا فشيئًا، فبعدما كنت أعيش لنفسي بدأت أشعر بهموم الأمة وهموم إخواني المسلمين أينما وجدوا، وحينما لاحظت هذا التغيير في نفسي قررت أن أنقله إلى الآخرين من أصدقائي وزملائي ومعارفي الذين هاجروا من بلادهم بهدف لا يختلف كثيرًا عن هدفي، فقد جاء كثير منهم إلى هنا مثلي بهدف الذوبان في المجتمع الغربي، وبدأت المجتمع وما ينشر فيها تكون محور حديثنا الأسبوعي، ولما وجدت هذا الأثر الذي أحدثته المجتمع في نفسي ونفوس أصدقائي قررت أن أنشر هذه المجلة في كل مكان، وبدأت في إقناع كل من أعرفه من العرب المقيمين هنا باقتناء المجتمع باعتبارها زورق النجاة الذي أنقذني والذي يربطنا في هذه الغربة بهويتنا وديننا وعروبتنا وأمتنا الإسلامية، وبدأت بأصدقائي الذين تجاوبوا معي، ثم امتدت رقعة الانتشار وتجاوب الناس معي حتى خارج المدينة التي أقيم بها حتى بلغ عدد المجلات التي ساهمت -بفضل الله- بإقناع العرب المقيمين هنا بالاشتراك بها أو شرائها ما يزيد على ١٢٠ عددًا كل أسبوع، وذلك خلال أقل من عام، ولا زلت أجد إقبالًا حتى من الأشخاص العاديين على اقتناء المجتمع، ولعل أفضل النتائج التي لمستها من أصدقائي المقربين أننا حينما كنا نجلس ونتناقش في أية قضية كان لكل منا رأي ووجهة نظر، وكان الخلاف سيد الموقف؛ أما الآن فقد صار الاتفاق وتقارب وجهات النظر بيننا هو محور حديثنا، بعدما قامت المجتمع بتوحيد أفكارنا وأصبح من الأمور التي لم نعد نختلف عليها هو أن اليهود هم أعداء الأمة، وأنه لا خلاص لنا كمسلمين إلا بالعودة إلى منهج الله الذي تخلينا عنه، ولو شئت لحدثتك عن أثر كثير من المقالات في نفوسنا؛ لكني لا أريد الإطالة، ولن أستطيع إحصاء هذه الأمور، وما أردته من وراء هذه الرسالة فقط هو أن أشعركم بالأثر الذي فعلته المجتمع في إنسان مثلي، حتى إذا أصابكم هم أو نصب أو كدر أو إرهاق أو تعب في عملكم الذي نعرف أنه مرهق تتذكرون أمثالي؛ فيهون ذلك عليكم وتحتسبونه عند الله، ولا أملك في الختام إلا الدعاء لكم ولكل القائمين على هذه المجلة، وأسال الله أن يبارك فيكم ويسدد خطاكم». انتهت.

أهم ما شدني في هذه الرسالة هو إيجابية صاحبها وروح المبادرة عنده، فهو لم يقف في علاقته بالمجتمع عند حد الإعجاب بها مثلما يفعل كثير من القراء تجاه المطبوعات التي يقدرونها، وإنما بحث لنفسه عن دور إيجابي يخدم به المجلة ويخدم به الناس كذلك في تعريفهم بها وإرشادهم إليها، وأعتقد أنه قد نجح بشكل كبير وأن هناك عشرات إن لم يكن مئات من قراء المجتمع الذين يلتقون مع صاحب هذه الرسالة في إيجابيته يستطيعون أن يقدموا الكثير للمجتمع سواء بهذه الطريقة أو غيرها، وللإنصاف فإن هناك قراء آخرين منتشرين في الدول الغربية على وجه الخصوص يقومون بأدوار شبيهة بهذا الدور، بينهم أساتذة جامعات وعلماء وباحثون وأصحاب وظائف مرموقة لم تمنعهم مكانتهم الاجتماعية ولا مشاغلهم الحياتية من أن يقدموا للمجتمع الكثير، كما أعتقد أن هناك مئات إن لم يكن آلاف آخرين يودون أن يفعلوا شيئًا لكنھم ربما كانوا بحاجة لأن يقرؤوا مثل هذه القصة لهذا القارئ -الذي لم يرسلها بغرض نشرها- وأن يتحول إعجابهم أو تقديرهم إلى إعجاب إيجابي لسبب بسيط هو أن المجتمع هي مجلة كل مسلم، ومن حق كل قارئ أن يشعر بذلك وأن يقدم لها ما يستطيع.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

1637

الثلاثاء 24-مارس-1970

حَديث صَريح للشيخ محمد أبو زهرة

نشر في العدد 1

1417

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع القراء

نشر في العدد 2

1441

الثلاثاء 24-مارس-1970

مع القراء 1