العنوان «كتائب النخبة» الأمريكية تدشن المهمة الغامضة للتدخل السريع
الكاتب محمد دلبح
تاريخ النشر السبت 28-يوليو-2001
مشاهدات 58
نشر في العدد 1461
نشر في الصفحة 24
السبت 28-يوليو-2001
هدفها السيطرة على البيئة الدولية والتعامل بسرعة مع كافة الأزمات
واشنطن
يقوم نحو مائة مدرب من القوات الأمريكية الخاصة الثالثة بتدريب قوات من غانا في معسكر بونديس على بنادق رشاشة أمريكية حديثة من طراز إم - 16.
وقد قدمت الولايات المتحدة هذه الأسلحة لغانا لتستخدمها قواتها الذاهبة إلى سيراليون المجاورة في مهمة حفظ السلام، وتبلغ مدة برنامج التدريب عشرة أسابيع تتعلم أثناءها القوات الغانية أيضًا على كيفية استخدام مدافع مورتر ومعدات اتصال معقدة.
وتعتبر هذه القوات الخاصة الأمريكية جزءًا من برامج مكثفة تنفذها وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» بتدريب القوات في 22 دولة في أفريقيا، وتشمل تدريب كتائب من النخبة مثل هذه الكتيبة الغانية التي ستقوم بواجبات حفظ سلام وإعداد جنود آخرين للقيام بأعمال إغاثة في حالة الكوارث، ومنع الإيدز وبرامج أخرى، ولكن الكثير من هذه البرامج التي تصل تكاليفها إلى 130 مليون دولار سنويًّا قد تكون قصيرة المدى، وقد دشن معظمها في عهد الرئيس السابق بيل كلينتون كحل وسط بين إرسال قوات أمريكية إلى الدول الأفريقية التي تمزقها الحروب، أو عدم القيام بأي شيء، وتقوم حكومة بوش الآن بمراجعة هذه البرامج وهي منقسمة حول طبيعة الالتزامات التي ستقوم بها في القارة الإفريقية.
وخلال جولة قام بها وزير الخارجية الأمريكي كولين باول في أفريقيا الشهر الماضي، اعترف بأنه يختلف مع وزير الدفاع دونالد رامسفيلد حول تمويل المهمات العسكرية في أفريقيا، وقال: باول إن الولايات المتحدة يجب أن تظل ملتزمة بتدريب قوات حفظ السلام الأفريقية، وتزويدها بالمعدات، ولكن رامسفيلد «يتطلع دائما إلى فرص للتراجع عن بعض الالتزامات الأمريكية في الخارج»، إنها محاولة لإيجاد التوازن الصحيح بين الالتزام الواسع النطاق والالتزام غير الكافي.
وحتى الآن فإن الكتائب النيجيرية التي يبلغ تعدادها 800 رجل دربت وزودت بأسلحة أمريكية، ونشرت في سيراليون بموجب برنامج «فوكس ريليف» الذي تبلغ تكاليفه 90 مليون دولار، كما أن الكتيبة الغانية إلى جانب كتيبة من السنغال وثلاثة كتائب من نيجيريا ستنتشر في نهاية العام الجاري.
وقد وضع هذا البرنامج على عجل في العام الماضي بعد أن اختطف ثوار الجبهة المتحدة الثورية في سيراليون 500 جندي من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة كرهائن، وبعد أن تعرضت عملية الأمم المتحدة إلى الفوضى.
وهناك برنامج أمريكي أوسع تبلغ تكاليفه 20 مليون دولار سنويًّا يدعى «مبادرة الرد على الأزمات الأفريقية»، والذي بدأ عام 1996م لإيجاد قوة أفريقية لحفظ السلام ولتقديم الإغاثة في حالة الكوارث،وتقدم القوات الخاصة الأمريكية بموجب هذا البرنامج التدريب والملابس العسكرية ومعدات الاتصالات، ولكنها لا تقدم الأسلحة. وبتمويل من وزارة الخارجية الأمريكية، فإن هذا البرنامج درب ثمانية آلاف جندي منذ عام 1997م ويعتزم تدريب 1200 آخرين.
وفي الوقت الذي يظهر مثل هذا البرنامج وكأنه «برنامج إنساني»، فإن الجيش الأمريكي دشن منذ الحرب الباردة بصورة مستقلة وعزز العلاقة بينه وبين جيوش دول أجنبية، وكانت الأداة الرئيسية في بناء هذه الشبكة الجديدة من العلاقات هي برنامج «تبادل التدريب الموحد والمشترك»، الذي يسمح للبنتاغون بنشر قوات العمليات الخاصة في أي مكان في العالم بدون إشراف الكونجرس الأمريكي وبدون مناقشة عامة لهذه المسألة، والمبرر الوحيد لمثل هذا الانتشار هو الغرض الرئيس المعلن، وهو تدريب أفراد قوات العمليات الخاصة، وقد أصبح برنامج التدريب الموحد والمشترك يهدف لغرض آخر هو تدعيم بعض أهداف السياسة الخارجية الأمريكية التي تكون موضع شك.
وعلى الرغم من أن البرنامج واجه ويواجه بعض الانتقاد المبرر بسبب انتهاكات لحقوق الإنسان تقوم بها بعض القوات الأجنبية التي تتلقى التدريب الأمريكي، إلا أن المضاعفات الخطيرة تمتد إلى ما وراء المسائل الخاصة بحقوق الإنسان، فمن خلال البرنامج يقدم البنتاجون القوة البشرية لتدريب الجيوش الأجنبية والتأثير عليها وعلى حكوماتها، وهكذا فإنها تقوم بتنفيذ سياستها بصورة فعالة في مجال السياسة الخارجية، وهذه الأخطار في مجال السياسة الخارجية تدخل الولايات المتحدة في صراعات وتضفي الصفة العسكرية على العلاقات الأمريكية مع الدول الأخرى. ولأن بعض التدريب الخاص بقوات العمليات الخاصة ضروري، فإن قانون برنامج التدريب الموحد والمشترك لا بد من تعديله واستبداله ببرنامج محدد وواضح بهدف يقتصر فقط على تدريب قوات العمليات الخاصة.
ویرى محللون أن مهمة الجيش الأمريكي بعيدة المدى في احتواء قوات الشيوعية في العالم قد انتهت منذ انتهاء الحرب الباردة. وفي السنوات التسع الماضية، جرى التفتيش عن مبرر جديد لوجود جيش على مستوى العالم ملتزم بالدفاع عن مصالح واسعة النطاق وعن حلفاء، وتعكس الإستراتيجية الدفاعية القومية الأمريكية الجديدة لفترة ما بعد الحرب الباردة المهمة الحالية الغامضة للقوات المسلحة الأميركية وهي: «تشكيل البيئة الدولية والاستجابة لمجمل الأزمات والاستعداد الآنلمواجهة مستقبل غير مؤكد».
وعلى الرغم من أن هذه العبارات غامضة إلا أن ما تعنيه هذه الفلسفة الجديدة لهذه القوات قدأصبحت الآن واضحة في الواقع. فتحت لواء «الانخراط في عصر السلام» باشر الجيش الأمريكي برنامج بناء علاقات من جيش إلى جيش مع دول من كل المواصفات وفي كل زاوية من زوايا العالم، وهذه الشبكة من الشراكة غير الرسمية، والتحالفات سرعان ما أصبحت واحدة من أقوى الأدوات في السياسة الخارجية والدفاعية الأمريكية، ومع ذلك فإن هذه السياسة تسير إلى حد بعيد خارج نطاق السيطرة الحكومية المدنية وبدون مناقشة عامة أو مناقشة من جانب الكونغرس لهذه السياسة تقريبًا.
وهذه الارتباطات بين الجيش الأمريكي والجيوش الأجنبية الأخرى المهمة من الناحية الإستراتيجية تتم من خلال برامج تدريب مشتركة وبرامج لمكافحة المخدرات أو لمكافحة الإرهاب، ونقل المعدات وبرامج تعليمية ومعظم هذه البرامج تعتبر برامج صغيرة، وغالبًا ما تكون جهودًا تمر دون ملاحظة داخل الجيش، والمشاركون الرئيسيون في هذه النشاطات هم أفراد قوات العمليات الخاصة والتي أخذت تبرز بشكل جديد في جيش ما بعد الحرب الباردة.
وقد أوجد قانون قيادة العمليات الخاصة الذي صدر عام 1986 قيادة موحدة لجميع العمليات الخاصة الأمريكية بما في ذلك البحرية والقوات المتحركة وقوات الجيش الخاصة السلاح الجو، ويوجد مسرح لقيادة العمليات الخاصة كقيادة فرعية لكل قيادة عسكرية إقليمية موحدة في العالم، وتزود كل قائد عام المنطقة جغرافية بالخبرة في مجال القوات الخاصة والسيطرة العملياتية لقوات العمليات الخاصة.
ويقول الجنرال جون سكيلز القائد السابق القيادة القوات الخاصة للجيش الأمريكي إنه يتم إبلاغ كل قائد عام بأن عليهم أن يشكلوا البيئة الملائمة لذلك. وأن القيمة الجديدة التي تعلق على قدرات قوات العمليات الخاصة تنعكس في الاستخدام الموسع لهذه القوات. ففي العام المالي 1991م نشرت قوات العمليات الخاصة في 92 بلدًا، وفي موعد أقصاه العام المالي 1997م كانت قوة العمليات الخاصة قد نشرت في 143 بلدًا، كما أن عدد أفراد هذه القوات وميزانياتها قد نمت من 38 ألف جندي و2,4 مليار دولار في عام 1991 إلى 47 ألف جندي و3,4 مليار دولار في عام 2000م.
وتتوزع هذه الدول في القارات الخمس، ومن بين الدول العربية التي تعمل فيها قوات العمليات الخاصة في إطار برنامج التدريب الموحد والمشترك البحرين، قطر، سلطنة عمان دولة الإمارات العربية المتحدة، مصر والأردن وجيبوتي وتونس والمغرب وموريتانيا.
بدء برنامج التدريب الموحد والمشترك:
لم تكن وزارة الدفاع الأمريكية واضحة بشأن ما إذا كان عمل وتدريب قيادة العمليات الخاصة داخل الولايات المتحدة وتغطية نفقات نشر هذه القوات في الخارج في مهمات تدريبية مشروعًا من الناحية القانونية.
ولذلك فإن الكونجرس أصدر عام 1991م قانونًا يعرف باسم قانون «تبادل التدريب الموحد والمشترك» وأعطى القانون لقائد قيادة العمليات الخاصة سلطة واسعة لدفع نفقات تدريب، وانتشار قوة العمليات الخاصة والتدريب في الخارج مع قوات عسكرية أجنبية.
كما أن القانون سمح للقائد بدفع نفقات دولية مثل التموين والوقود والذخيرة والنقل في الدول المضيفة، إذا كانت تلك الدولة غير قادرة على دفع هذه النفقات، وأن سلطة إجراء مثل هذه المهمات التدريبية في الخارج كانت مقتصرة فقط على شرط واحد هو أن الغرض الرئيسي من هذه المهمات هو تدريب قوة العمليات الخاصة الأمريكية، كما أنه كان هناك شرط آخر هو أن يقدم البنتاجون تقريرًا سنويًّا عن عمليات تدريب العام الذي سبق، وبهذا التفويض الواسع أوجدت قيادة العمليات الخاصة برنامج تبادل التدريب الموحد والمشترك والذي أصبح هو الخيار بالنسبة لتدريبات قوات العمليات الخاصة مع الجيوش الأجنبية.
ويتيح البرنامج نشر عدد قليل من جنود العمليات الخاصة (في بعض الأحيان أقل من 12 جنديًّا) لإجراء تدريبات مشتركة مع قوات أجنبية ولتدريب المشاركين فيها في مناطق متنوعة، بحيث تزيد وتعزز المهمات الأساسية لقوة العمليات الخاصة وتكتسب قوات الدول المضيفة المزيد من الخبرات.
وتتكون نشاطات التدريب بصورة أساسية من تدريب وحدة صغيرة ولكن ذلك غالبًا ما يشمل عمليات توضع بصورة محددة لكي تلائم احتياجات الدولة المضيفة، وتبعًا لذلك، فإن مهمات البرنامج يمكن أن تشمل كل شيء بدءًا من التعامل مع الزوارق الصغيرة وانتهاء بالتعامل مع حرب المدن!.
وتقول «البنتاجون»، وقيادة عمليات القوات الخاصة إنه بسبب حاجة القوات إلى مهارات معقدة بما في ذلك معرفة الثقافات الأجنبية واللغات والخبرة في الأراضي والمناخات الأجنبية، فإن مثل هذه التدريبات الخارجية والتعامل مع الشعوب الأجنبية تعتبر ضرورية، وترى البنتاجون أن هذا البرنامج يقوي مهارات قوات الدول المضيفة ويصيغ علاقات نهائية مع المسؤولين الأجانب ويساعد في تعليم دور الجيش في المجتمع المدني ويزيد من نفوذ الولايات المتحدة في الدول المشاركة في هذا البرنامج، ويقول التقرير السنوي للبنتاجون الذي يقدم للكونجرس بهذا الشأن بأن «تدريب وحدات قوات العمليات الخاصة يعتبر مهمًّا في إستراتيجية الاشتباك بتكاليف متدنية».
ونظرًا لوجود قيود على التعامل العسكري مع عدد من الدول التي تنتهك حقوق الإنسان، فإن هذا البرنامج يسمح للجيش الأمريكي باتباع سياسة مستقلة تقريبًا متحررة من قيود الكونجرس وقيود الرئاسة والتي تطبق على كل المساعدات العسكرية الأخرى وبرامج التدريب للدول الأخرى، وتزعم البنتاجون أن مثل هذا الاتصال مع جيوش الدول التي تنتهك حقوق الإنسان يعتبر مفيدًا، مدعية أن طرق الحياة الأمريكية ستنعكس على الدول التي تستضيف قوات التدريب الأمريكية.
غير أن الباحث في معهد كاتو للدراسات بواشنطن إيفان إيلاند، ينتقد بشدة برنامج التدريب المشترك قائلاً بأن تورط الجيش الأمريكي في الخارج مع الدول النامية يجب أن يراقب عن كثب من قبل الكونجرس الذي يجب أن يسيطر عليه أيضًا، وضرورة التأكد من أن هدف البرنامج سيقتصر على تدريب العسكريين الأمريكيين، وليس أن يوفر فرصة للجيش الأمريكي للقيام بسياسة خارجية خاصة به وربما جعل القوات المسلحة القمعية للدول النامية في مختلف أنحاء العالم أكثر قدرة على القمع واحتمال تورط الولايات المتحدة في حروب في العالم النامي لا تعتبر ضرورية للأمن القومي الأمريكي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل