العنوان كيد الله لأهل الحق.. نعمة ربانية وسنة إلهية
الكاتب توفيق علي
تاريخ النشر السبت 13-يونيو-2009
مشاهدات 61
نشر في العدد 1856
نشر في الصفحة 52
السبت 13-يونيو-2009
· على المجاهدين أن يطمئنوا إلى كيد الله بالمجرمين وأنهم مجرد نزلاء هالكين لا محالة.
· إلقاء الشبهات والطعن والقتل من وسائل الكيد التي أتبعها المجرمون ضد المجاهدين في غزة.
· المعركة بين الحق والباطل باقية والهدف واحد ولو تنوعت الوسائل والأسباب على مر العصور.
إن المعركة بين الحق والباطل لن تنتهي، وأعداء هذا الدين لن يدعوه في راحة، ولن يتركوا أولياء هذا الدين في أمن، وسبيل هذا الدين هو أن يتحرك ليهاجم الباطل، وسبيل أوليائه أن يتحركوا لتحطيم قدرة أهل الباطل، على العدوان إثم لإعلاء راية الله حتى لا يجرؤ عليها أهل الباطل.
وتتنوع وسائل أهل الباطل في محاربة المسلمين، ولكن الهدف يظل ثابتًا أن يردوا المسلمين الصادقين عن دينهم إن استطاعوا وكلما انكسر في يدهم سلاح انتضوا سلاحًا غيره، وكلما كلت في أيديهم أداة شحذوا أداة غيرها.
کید
قال ابن منظور: فلان يكيد أمرًا ما أدري ما هو إذا كان يُريغه ويحتال له ويسعى له ويقتله.
وكيد الله تعالى بهم: استدراجهم من حيث لا يعلمون (1).
وقال الراغب:
الكيد:
ضرب من الاحتيال وقد يكون مذمومًا وممدوحًا، وإن كان يستعمل في المذموم أكثر.
وكيد الله: وهو الإملاء والإمهال المؤدي للعقاب(٢).
والكيد: إخفاء قصد الضر وإظهار خلافه.
وأما الكيد المسند إلى ضمير الجلالة، فهو مستعمل في الإمهال مع إرادة الانتقام عند وجود ما تقتضيه الحكمة من إنزاله بهم(٣).
الكيد بإبراهيم وكيد الله له
أخبر القرآن أن قوم إبراهيم أرادوا أن يضروه، مرة بالحجة فلقنه الله الحجة الدامغة، فلما فشلوا معه القوه في النار فكاد الله له وجعل النار بردًا وسلامًا عليه.
قال تعالى: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ (الأنبياء: ٧٠)، لما دحضت حجتهم، وبان عجزهم، وظهر الحق واندفع الباطل، عدلوا إلى استعمال جاه ملكهم فقالوا: ﴿ قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾ (الأنبياء: ٦٨).
وقوله: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ (الأنبياء: ٧٠) أي: المغلوبين الأسفلين: لأنهم أرادوا بنبي الله كيدًا، فكادهم الله ونجاه من النار، فغلبوا هنالك (٤). وقيل: معناه أنهم خسروا السعي والنفقة ولم يحصل لهم مرادهم (٥). وقيل: أرادوا أن يكيدوه فما كانوا إلا مغلوبين، غالبوه بالجدال فلقنه الله تعالى الحجة، ثم عدلوا إلى القوة والجبروت فنصره وقواه عليهم، ثم إنه سبحانه أتم النعمة عليه بأن نجاه ونجي لوطًا معه (٦).
وقال تعالى: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ (الصافات:٦٨)، يعني الأذلين حجة، وغلبنا إبراهيم عليهم بالحجة وأنقذناه مما أرادوا به من الكيد (٧).
وقيل: في وقت المحاجة حصلت الغلبة له، وعندما ألقوه في النار صرف الله عنه ضرر النار، فصار هو الغالب عليهم (٨).
وكونهم الأسفلين واضح لعلوه عليهم وسلامته من شرهم، وكونهم الأخسرين لأنهم خسروا الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين، وفي القصة أن الله سلط عليهم خلقًا من أضعف خلقه فأهلكهم وهو البعوض (٩).
وأين يذهب كيد العباد؟
وماذا يملك أولئك الضعاف المهازيل من الطغاة والمتجبرين وأصحاب السلطان وأعوانهم من الكبراء إذا كانت رعاية الله تحوط عباده المخلصين؟ (١٠).
الكيد بمحمد وكيد الله له
قال تعالى: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا ۖ فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ (الطور:٤٢).
يقول: فهم المكيدون الممكور بهم دونك، فثق بالله، وأمض لما أمرك به (١١)؛ لأن ضرر ذلك يعود عليهم، ويحيق مكرهم بهم (١٢).
إنهم يكيدون للإسلام والمسلمين يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم، والله يكيد لهم بالاستدراج حتى يأتي موعد إهلاكهم، والله خير الماكرين. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ (الطارق:١٥-١٦).
صور من كيد المجرمين
- إلقاء الشبهات كقولهم: ﴿مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (يس: ٧٨).
﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (الزخرف: ٣1).
- الطعن فيه بكونه ساحرًا وشاعرًا ومجنوًنا.
- القتل على ما قاله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ..﴾ (الأنفال: ٣٠).
وهذا ما يفعله المجرمون اليوم مع المجاهدين في غزة وفي غيرها:
- حاولوا تشويه صورة المجاهدين
قائلين: إن المجاهدين مختبئون، وأنهم جعلوا شعب غزة دروعًا بشرية، وكذب الواقع دعواهم، حيث تواجد المجاهدون مع شعبهم والتف الشعب حولهم واحتضنهم وذب عنهم.
– قالوا: إن المجاهدين يبيعون المساعدات وأبطل الله كيدهم وظهر المجاهدون وهم يوزعون المساعدات على المتضررين، ونفت «الأنروا» ما ادعاه هؤلاء المجرمون.
– حاولوا القضاء على المجاهدين بالقتل
من خلال معركة غير متكافئة من الناحية العسكرية، استخدمت فيها الأسلحة المحرمة دوليًا، وأبطل الله كيدهم وخرج المجاهدون أقوياء منتصرين، وخرج المجرمون أدلاء مدحورين.
الكيد في حق الله تعالى
محمول على وجوه
قال تعالى: ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ (الطارق:١٦)، وقال تعالى في وصف كيده: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (الأعراف:١٨٣).
أحدها: دفعه تعالى كيد الكفرة، ويقابل ذلك الكيد بالنصرة وإعلاء الدين.
وثانيها: أن كيده تعالى بهم هو إمهاله إياهم على كفرهم حتى يأخذهم على غرة.
فهذا كيد، وهذا كيد، وهذه هي المعركة، ذات طرف واحد في الحقيقة، وإن صورت ذات طرفين لمجرد السخرية والاستهزاء.
واجب المجاهدين تجاه الكيد
لا تتعجلوا، ولا تستبطئوا نهاية المعركة، وقد رأيتم طبيعتها وحقيقتها.. فإنما الحكمة وراء الإمهال الامهال قليلًا، وهو قليل حتى لو استغرق عمر الحياة الدنيا، فما هو عمر الحياة الدنيا إلى جانب تلك الآباد المجهولة المدى؟
وليعلم المؤمنون أن المجرم أضعف وأحقر من أن يغالب القوي العليم في كيده.
ألا فليطمئن المجاهدون إلى كيد الله بالمجرمين وكيده للمؤمنين الصادقين المجاهدين، فما المجرمون إلا نزلاء في هذه الأرض وهم عنها راحلون، في الوقت الذي يقدره بحكمته.
-----------------------------------
الهوامش
(۱) لسان العرب ٣/ ۳۸۳
(۲) مفردات الراغب، ۷۲۸
(٣) التحرير والتنوير ١٦/ ٢١٠
(٤) تفسير ابن كثير، ٥/٣٥١
(٥) تفسير البغوي، ٥/٣٥١
(٦) تفسير الرازي، ١١/٤٠
(۷) جامع البيان، ٢١/٧١
(۸) تفسير الرازي، ١٣/ ١٣٦
(۹) تفسير البيان، ٤/٢٣٧
(۱۰) في ظلال القرآن، ٦/١٨٧
(۱۱) جامع البيان، ٢٢/ ٤٨٤
(۱۲) تفسير البغوي، ٧/٣٩٣
(۱۳) تفسير الرازي، ١٦/ ٤٥٥
---------------------------------------
· عش في الدنيا كعابر طريق
امتثالًا لقول رسول الله ﷺ: «بلغوا عني ولو آية» نتدارس حديث ابن عمر رضي الله عنهما حيث قال:
أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك «رواه البخاري».
وهذا الحديث أصل في قصر الأمل في الدنيا، فإن المؤمن لا ينبغي له أن يتخذ الدنيا وطنا ومسكنا فيطمئن فيها، ولكن ينبغي أن يكون فيها كأنه على جناح سفر يعني جهازه للرحيل.
وقد اتفقت على ذلك وصايا الأنبياء وأتباعهم قال تعالى حاكيًا عن مؤمن آل فرعون أنه قال: ﴿ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ (غافر:٣٩).
وكان النبي ﷺ يقول: «... إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها».
ودخل رجل على أبي ذر رضي الله عنه فجعل يقلب بصره في بيته فقال: يا أبا ذر أين متاعكم؟ فقال: إن لنا بيتًا نتوجه إليه، فقال: إنه لابد لك من متاع ما دمت هاهنا، فقال: إن صاحب المنزل لا يدعنا هاهنا، ودخل عليه بعض الصالحين فقلبوا بصرهم في بيته، فقالوا: إنا نرى بيتك بيت رجل مرتحل، فقال لا أرتحل ولكن أطرد طردًا.
وكان على بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: «إن الدنيا قد ارتحلت مديرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل».
قال أحد الحكماء: «عجبت ممن الدنيا مولية عنه والآخرة مقبلة إليه يشغل بالمدبرة ويعرض عن المقبلة»...
على هادي الفاهمي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل