العنوان «لعبة الفصول» في ميثاق الأمم المتحدة
الكاتب د. رشا الدسوقي
تاريخ النشر الثلاثاء 24-مارس-1998
مشاهدات 62
نشر في العدد 1293
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 24-مارس-1998
• الدول القوية توجًه قرارات الأمم المتحدة وفق أغراضها ثم تعود للاحتجاج بما سبق أن منعته بيديها.
أقام معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في مارس الجاري منتدى بعنوان «دور الأمم المتحدة في الشرق الأوسط»، وقد رأس الجلسة المدير التنفيذي للمعهد، روبرت ساتلوف، ودعي للمشاركة في المناقشات كل من نبيل العربي -سفير مصر لدى الأمم المتحدة والخبير في القانون الدولي- والسفير الإسرائيلي دور جولد -مدير الدفاع للدراسات الاستراتيجية بجامعة تل أبيب وممثل إسرائيل لدى الأمم المتحدة- وقد دار النقاش حول تنفيذ قرارات الأمم المتحدة التي لم يتم تنفيذها، خاصة القرار ٢٤٢ والذي يقضي بانسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكشف النقاش عدم اعتراف إسرائيل بفاعلية هذا القرار.
جاء في سياق نقاش العربي أن قرار التقسيم رقم ١٨١ عام ١٩٤٧م، وقرار ٢٤٢ هما القراران اللذان لهما التأثير المباشر على الشرق الأوسط، فالقرار الأول الصادر من الجمعية العامة للأمم المتحدة والذي قضى بتقسيم فلسطين إلى جزأين، ويعتبر السند القانوني الإقامة إسرائيل، قد تم تنفيذ جانب واحد فقط منه، حيث لم تتم إقامة الدولة العربية.
وأما القرار الثاني أي قرار ٢٤٢ الصادر بعد حرب ١٩٦٧م فقد جاء بمبادئ أجمع عليها أعضاء مجلس الأمن، وأولها أنه لا يمكن حيازة الأرض بالقوة، فكل الأراضي التي احتلت عام ١٩٤٧م لا بد من أن تحرر.
ولكن هناك مبادئ أخرى منذ ١٩٤٨م خاصة بوضع القدس والمستوطنات واللاجئين كلها تخص المفاوضين وتمثل عصب المناقشة وهي محط اهتمام المجتمع الدولي، والأهم من كل ذلك أنها تمثل القانون الدولي الحالي.
وأكد العربي أن قرار ٦٨٧ الصادر بخصوص العراق في الثاني من أبريل ۱۹۹۱م وهو أم القرارات نادى بتدمير أسلحة العراق وفي الوقت نفسه نادى في الجزء «ج» من الفقرة الأخيرة منه بضرورة تطبيق ذلك على جميع دول المنطقة، أي أن الخطوات التي تتخذها العراق هي بمثابة خطوات لتحقيق نزع السلاح المدمر في المنطقة بأسرها.
وأكمل العربي تعليقه بأنه قد يتساءل السفير جولد عن جدوى تلك القرارات وما إذا كانت ستؤدي إلى الاستقرار وإنهاء الخلاف في المنطقة، وقد يتساءل عن مفعول القرارات بينما الأطراف مشتركة في التفاوض المباشر، إن القرارات تعكس قواعد ملزمة للقانون الدولي كما فهمها المجتمع الدولي، وجميع القرارات ملزمة بطبيعتها بمقتضى القانون الدولي المعترف به.
ثم ختم العربي ملاحظاته بأن هناك تيارات في الحكومة الإسرائيلية الحالية لليكود تتبنى الرفض الواضح لتنفيذ العقود والمواثيق المتفق عليها مع الحكومات السابقة، لقد تعاقدت إسرائيل مع الفلسطينيين على عدة اتفاقيات ملزمة لكن بعضها فقط قد طبق، إن محاولة الإقناع بأن الحكومة الحالية لن تلتزم بالاتفاقيات تعد من الناحية القانونية غير سليمة، وتعتبر من الناحية السياسية خطيرة.
وأضاف العربي أنه يوجد نص غير قابل للمفاوضة في الفصل الخامس، بند رقم ۳۱، من الاتفاقية المبرمة في واشنطن عام ١٩٩٥م. والنص كالآتي: «لن يبادر أي جانب باتخاذ أو يتخذ فعلًا أي خطوات تغير من وضع الضفة الغربية وقطاع غزة بحيث يغير ذلك من نتائج وضع المفاوضات الدائمة».
وهذا النص ملزم للطرفين، إن المجتمع الدولي من حقه فهم هذا الشرط على أنه يمنع إسرائيل من تغيير الوضع الواقعي الكائن في جميع الأراضي المحتلة بما فيها القدس الشرقية والحكومات تتغير، ولكن الدول لا بد لها دائمًا أن تلتزم بالعقود والمواثيق التي أبرمتها.
أما بخصوص لبنان والتي رصد لها مجلس الأمن قرار ٤٢٥ في مارس ۱۹۷۸م فإن القرار بالنسبة لها واضح جدًا، إذ نادى بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة بلبنان، وتواجد قوات الأمم المتحدة هناك إنما هو لمساعدة الحكومة اللبنانية، وهذا القرار يعطي الإشارة بأن الانسحاب سهل التنفيذ.
دفاع إسرائيلي
ثم تقدم جولد للدفاع عن موقف إسرائيل، وكان مفاد حديثه أنه لم يتخل أحد عن التزامه وقال: إن إسرائيل قد نفذت كل ما جاء في الملحق من التزامات، ولكن عرفات والفلسطينيين لم ينفذوا شيئًا من هذه الالتزامات، ثم قال إنه سيتحدث عن أمر لم يثره السيد العربي، وهو أنه يموج في الأجواء هذه الأيام اتهام جديد ضد إسرائيل نتيجة أزمة العراق، فالعالم كله متجه إلى العراق ولم يتحدث أحد عن التزامات إسرائيل، والأمم المتحدة تكيل بمكيالين عند تنفيذ القرارات، وقال: إنه يرفض هذه الفكرة.
(وهنا يتبدى لنا أن مادلين أولبرايت -وزيرة الخارجية الأمريكية- قد رددت في وصفها للعراق التعبيرات والنعوت التي يستخدمها جولد، فهو يرى أن العراق حالة خاصة، هي دولة لمتشرد محتال Rogue State، استخدم أسلحة الدمار الشامل ضد شعبه وشعوب أخرى، فلا نستطيع مقارنة دولة العراق بإسرائيل أو أي دولة أخرى في الشرق الأوسط).
وأكد جولد أن الأمم المتحدة قد اعترفت بنفسها بذلك! وفرًق جولد بين الحالتين -العراقية والإسرائيلية- بزعمه أنه يوجد في الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة إشارات للهجوم، أما القرارات -محل المناقشة- فتنفذ تحت الفصل السادس الذي يجبر الأطراف المتحاربة على الجلوس والتفاوض.
فلا يمكن أن ينفذ قرار ٢٤٢ بهذه السهولة، بل لا بد للأطراف من الجلوس والتفاوض، وادعى جولد أن كوفي عنان -السكرتير العام للأمم المتحدة- قد أعلن في طهران وفي ديسمبر الماضي أن القرارات الخاصة بإسرائيل والبلاد العربية ليست ملزمة، بينما تعد القرارات الخاصة بالعراق ملزمة.
ثم بدأ جولد في نقد آليات عمل الأمم المتحدة، وبالذات تلك التي تخص التصويت على القرارات، واشتكى من أن إسرائيل دائمًا تُدان، وبينما تقع أحداث كثيرة في العالم كله، تستدعي عقد جلسات طارئة، فإن الأمم المتحدة قد تغاضت عنها وتركتها وعادت تطلب عقد تلك الجلسات عند بناء المستوطنات في القدس، وهو يرى أن هذه مغالطات من جانب الأمم المتحدة لا تحقق مصلحة لأحد، لقد أصبح تحرير فلسطين -في نظره- تاريخًا ماضيًا، فهو يرى أن شعوب المنطقة كلها كان يسودها موجة تحرير البلاد المحتلة، وأن الإسرائيليين قد غيٌروا هذه الفترة ويرى جولد أننا الآن في مرحلة تدويل القدس وهو يرى أن الدول التي كانت تعترض في الماضي على إسرائيل لن تعترض عليها الآن.
ليست قضية فصول
وهنا وقف العربي للرد على جولد، فأكد أنه فعلًا لا يمكن مقارنة إسرائيل بالعراق، فقد قال جولد إن العراق هاجم بلدين مجاورين، بينما إسرائيل قد غزت أربعة بلاد مجاورة، لقد استخدمت إسرائيل القنابل العنقودية، وفي سبتمبر الماضي استخدمت في عمان الأسلحة الكيماوية والبيولوجية.. نعم.. كان قرار العراق تحت الفصل السابع من الوثيقة لأن الأمر يمس السلام والأمن الدوليين، والنقطة المهمة هي أن قرار ٢٤٢ كان لابد أن يدرج تحت الفصل السابع، ولكن الدول القوية تغير القرارات، ومثال ذلك أنه في عام ١٩٥٦م حين غزت ثلاث دول مصر لم يدرج الاعتداء، في الفصل السابع لأن بريطانيا وفرنسا اعترضتا، وذلك يعني أن الدولة القوية تستخدم حق الفيتو يعني هذا كانت هناك دولة قوية يمكن أن يتم التغاضي عن جرائم القتل ويقال بالمنطق الفني: إن قرار الإدانة يندرج تحت الفصل السادس وليس السابع، والقضية ليست قضية فصول، لقد وافق الجانبان على التنفيذ وهذا هو الأهم.
ثم سأل ساتلوف -رئيس المنتدى- كلًا من العربي وجولد عن وجهة نظريهما في قرار ٤٢٥ الخاص بلبنان، وما تطلبه الحكومة اللبنانية من إجراءات أمنية، وخاصة أن إسرائيل قد عارضت هذا القرار لسنوات طويلة ثم عادت وأعلنت رغبتها في تنفيذه.
أجاب جولد عن السؤال بأن قرار ٤٢٥ الخاص بالانسحاب من جنوب لبنان لا يطالب بالانسحاب غير المشروط، فالانسحاب لا بد أن يضمن أمن إسرائيل والتأكد من عودة سلطة الحكومة اللبنانية إلى المنطقة، وهذا يعني عمل التجهيزات اللازمة لحماية جميع سكان المنطقة.
ثم عبر العربي عن سروره بعودة القرار ٤٢٥ موضوعًا للحديث، وتعجب من أن القرار مشروط وقال: إن هناك التزامًا قانونيًا بالانسحاب، ثم تساءل عما يعنيه جولد بحماية لبنان؟ فالسكان لبنانيون خاضعون للاحتلال منذ عام ۱۹۸۲م، والقرار لا بد من أن يطبق، فليس لأحد أن يختلق شروطًا يومية لتأجيله.
إن هذه التفاصيل التي قد لا يتمكن البعض من متابعتها بدقة إنما تؤكد الغطرسة والمراوغة الإسرائيلية والبلطجة الأمريكية في معاملة القانون الدولي، كما تؤكد أن سلوك الصهاينة لن يتغير، فيظل هدفهم إقامة دولتهم من الفرات إلى النيل، ليس فقط بتطويع الإدارة الأمريكية، ولكن بالتغلغل الإعلامي في بلادنا لتمييع الأخلاق، وتذويب القيم، وإحكام القبضة على الأسر المسلمة، والشباب، وفرض شعارات الحضارة الزائفة، كما فعلوا في أمريكا، ولكنهم لم يستطيعوا بعد السيطرة الكاملة على الأمم المتحدة؛ لأن الزمام قد أفلت من أيديهم وتحرك الشعب الأمريكي، والشعوب الحرة، ومازالت الإدارة الأمريكية حتى اللحظة تشتكي من عدم قدرتها على تطويع الأمم المتحدة كما كانت تفعل في الماضي.