العنوان إلغاء قانون الطوارئ هو المدخل للإصلاح في مصر
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 01-مايو-2004
مشاهدات 58
نشر في العدد 1599
نشر في الصفحة 7
السبت 01-مايو-2004
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (المائدة: 64)
تشهد مصر مناقشات ومساعي من القوى السياسية لإلغاء قانون الطوارئ المعمول به منذ عهد عبد الناصر، والذي توقف العمل به لفترات قليلة عاد بعدها، فقد تقدم عدد من نواب الإخوان المسلمين والمعارضة والمستقلين في البرلمان بمذكرة جماعية لرئيس البرلمان أحمد فتحي سرور يوم الرابع والعشرين من الشهر الماضي طالبوا فيها بتشكيل لجنة برلمانية لبحث إلغاء العمل بقانون الطوارئ. وفي نفس الوقت يناقش المجلس القومي لحقوق الإنسان -الذي تم تشكيله حديثًا- وضع تصور لإنهاء حالة الطوارئ.
ولا شك أن إلغاء حالة الطوارئ والقوانين الاستثنائية في مصر أمر مهم وستكون له آثاره الإيجابية على المنطقة، خاصة أن لمصر ثقلها في المنطقة وأن أي انفراجة للحريات العامة وعودة الحياة السياسية فيها إلى مجراها الطبيعي ستكون لها آثارها الطيبة، وفي هذا الإطار فإننا نؤكد المعاني والنقاط التالية:
أولاً: إن اتجاه الحكومة المصرية نحو إلغاء هذا القانون لا بد أن يكون مقرونًا بإجراءات حقيقية وجدية ومباشرة تنهي ذلك القانون وكل آثاره المنعكسة سلبًا على المجتمع المصري طوال ثلاثة وعشرين عامًا. ونؤكد أن ممارسة الخداع والألاعيب السياسية في هذا الصدد ستفقد الثقة في أي إصلاح يتم الحديث عنه، ونذكر هنا بما حدث في عام 1964 في عهد عبد الناصر المشؤوم حين قرر النظام المصري إلغاء العمل بقانون الطوارئ بعد خمس سنوات من العمل به وقرر النظام حينها إصدار دستور جديد للبلاد والإفراج عن كل المعتقلين السياسيين، وقد صاحب ذلك ضجة إعلامية كبرى عن انفراجة قادمة للحريات، لكن قبل إصدار الدستور بيوم واحد وإلغاء حالة الطوارئ فاجأ عبد الناصر الجميع بالقرار الجمهوري بالقانون رقم 119 لسنة 1964 الذي يعطي رئيس الجمهورية الحق -في الأحوال العادية ودون حاجة لإعلان حالة الطوارئ- في اعتقال كل من سبق القبض عليه أو التحقيق معه أو محاكمته في تهم تتعلق بمحاكم أمن الدولة، وهو ما يعني أن النظام ألغى قانون الطوارئ وأحل محله قانونًا عاديًّا يحمل نفس سماته.
ومن هنا فإننا نحذر من ألاعيب ترزية القوانين وبطانة السوء التي تدبر لطبخ قوانين جديدة أشد بؤسًا من قانون الطوارئ؛ الأمر الذي ستكون له آثاره السلبية على المجتمع المصري.
ثانيًا: يجب أن يوضع في الاعتبار أن قانون الطوارئ الذي صدر في صورته المطبقة حاليًا في عهد عبد الناصر (القانون رقم 162 لسنة 1958) وضع البلاد في حالة استثنائية وأصاب المجتمع ومؤسساته المدنية وقواه السياسية بالشلل، وأصاب حرية الفكر والرأي بالاضمحلال؛ فالقانون في نصوصه يحول الحاكم وسلطته التنفيذية إلى حاكم عسكري ويعطيه الحق في فرض القيود على حرية الاجتماع والتعبير والانتقال والإقامة، ويعطيه الحق في القبض على من يشاء وتحويله إلى محاكم استثنائية مثل محاكم أمن الدولة والمحاكم العسكرية، كما يعطيه الحق في مراقبة الرسائل ومصادرة الصحف وانتهاك كل وسائل التعبير.
وقد تسبب ذلك في اعتقال عشرات الآلاف من الأبرياء والزج بهم في غياهب السجون دون محاكمات أو وفق محاكمات صورية لا عدل فيها، ووقعوا تحت التعذيب والموت دون جريرة، كما تسبب ذلك في حرمان المجتمع من حياة سياسية طبيعية يتمتع فيها الجميع بحرية الرأي والتعبير.
كما تسبب في إفراز برلمانات ضعيفة لا تعبر تعبيرًا حقيقيًّا عن صوت الشعب وإنما تمثل رغبة الحزب الحاكم.. الأمر الذي أصاب الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية في مصر بالضمور والضعف ويصب في النهاية في خانة إضعاف المجتمع والدولة، وفي ذلك فائدة كبرى للأعداء المتربصين بمصر.
ثالثًا: تسبب استمرار العمل بقانون الطوارئ لفترات طويلة في تسلل العديد من نصوصه المجحفة إلى البنية التشريعية، فقد قامت الحكومة المصرية على امتداد السنوات الثلاثة والعشرين الماضية -وفق ما ذكرته المنظمة المصرية لحقوق الإنسان- باستنساخ العديد من نصوص قانون الطوارئ في صورة تشريعات يصدرها البرلمان ذو الأغلبية الحكومية مثل قانون «الاشتباه»، و«قانون حماية القيم من العيب» وغيرهما.
ومن هنا فإن الحكومة المصرية مطالبة بأن يكون اتجاهها نحو إلغاء قانون الطوارئ اتجاهًا واضحًا وصادقًا، وأن يكون ذلك الخطوة الأولى نحو الإصلاح الشامل فيما يرضي الله سبحانه وتعالى وينال من خلاله الشعب المصري الحرية والطمأنينة.
إن التحديات الخطيرة والمؤامرات التي تواجه الأمة تتطلب موقفًا موحدًا تقف فيه الشعوب والحكومات -وفي مقدمتها مصر- على قلب رجل واحد للانطلاق في مسيرة البناء والثبات في ملحمة التصدي للأعداء.