; «لغتنا».. في عيون السلف | مجلة المجتمع

العنوان «لغتنا».. في عيون السلف

الكاتب محمد شلال الحناحنة

تاريخ النشر السبت 19-نوفمبر-2005

مشاهدات 59

نشر في العدد 1677

نشر في الصفحة 50

السبت 19-نوفمبر-2005

ستظل لغتنا العربية الفصحى محفوظة حية بجهود أبنائها المخلصين الغيورين على تراثهم ولغتهم ودينهم، وقبل ذلك وبعده، لأنها لغة القرآن الكريم الذي تكفل الله بحفظه ما دامت السموات والأرض ومن فيهن، وهي لغة البيان العربي، والقرآن العربي مهما حاول المرجفون الانتقاص منها.

وحسبها أن الله شهد لها في كتابه العزيز في آيات بينات تتلى إلى يوم القيامة قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (الزخرف: 3) كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ (سورة الشعراء: 192:195) وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (سورة الزمر: 27-28).

كما شهد لها رسول الله ﷺ في عدة أحاديث شريفة منها: أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل وهو أبن أربع عشرة سنة «صحيح الجامع: تحقيق الألباني حديث رقم ٢٥٨١». كما حث ﷺ على تعلم العربية وتعليمها للناس، وقد ثبت أنه أفصح العرب في أقواله وبيانه!! وكان للعربية مكانة عظيمة عند السلف الصالح، بل عدوا تعلمها وإتقانها من الدين، ولذلك نهى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رطانة الأعاجم فقال: «تعلموا العربية فإنها من دينكم.. وقد مر رضي الله عنه على قوم يرمون فيخطئون الرماية فأنكر عليهم فقالوا: إنا قوم متعلمين. فأعرض عنهم وكان أكثر غضبًا وقال: والله لخطؤكم في لسانكم أشد عليَّ من خطئكم في الرمي».

ويروى أن أحد كتاب أبي موسى الأشعري كتب لعمر بن الخطاب من أبو موسى إلى الخليفة عمره فكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري: سلام عليك، أما بعد: فاضرب كاتبك سوطًا وآخر عطاءه سنة. 

إن هذا التقدير للغتنا العربية الفصحى دفع الإمام الشافعي رحمه الله أن يقول: لسان العربية أوسع الألسنة مذهبًا وأكثرها ألفاظًا، والعلم باللغة عند العرب كالعلم بالسنة عند أهل الفقه وما أروع أن نتأمل هذه المقارنة الجليلة بين اللغة العربية وسنة الرسول ﷺ لأن فهم السنة الصحيحة مقترن بفهم اللغة العربية فهمًا صحيحًا، ولذلك يروى عن الفقيه العالم مجاهد رحمه الله أنه قال: لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالمًا بلغات العرب. ويعبر عن هذا الفهم العميق لدور لغتنا ومكانتها شيخ الإسلام أبن تيمية إذ يقول بصدق وجلاء، إن فهم السنة والكتاب فرض لا يفهم إلا بفهم اللغة العربية.. فهل ندرك اليوم قيمة لغتنا وفضلها، لنقف أمام محاولات تشويه دورها وطمس ريادتها؟! ويتجلى هذا الفضل، وهذا الإدراك وحب العربية في قول أبي الريحان البيروني واصفًا حبه للعربية لثن أشتم بالعربية خير من أن أمدح بالفارسية!! 

ويضع الإمام الموفق مالك بن أنس أساسًا متينًا لتفسير كتاب الله يربطه بعلم اللغة العربية، فيروى أنه قال: لا أوتي برجل يفسر كتاب الله غير عالم بلغات العرب إلا جعلته نكالًا.. ونمضي إلى هذه اللوحة الجميلة الزاهية بحب الله تعالى، وحب رسوله محمد ﷺ، وحب العرب ولغتهم التي يرسمها لنا بإتقان وشفافية الإمام أبو منصور الثعالبي ويوقعها رحمه الله بقوله عن لغتنا: «من أحب الله تعالى، أحب رسوله محمدًا ﷺ ومن أحب الرسول العربي، أحب العرب، ومن أحب العرب أحب العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب، ومن أحب العربية عني بها، وثابر عليها. وصرف همته إليها، ومن هداه الله للإسلام، وشرح صدره للإيمان وآتاه حسن سريرة فيه اعتقد أن محمدًا ﷺ خير الرسل، والإسلام خير الملل والعرب خير الأمم والعربية خير اللغات والألسنة والإقبال على تفهمها من الديانة، إذ هي أداة العلم، ومفتاح التفقه في الدين، وسبب إصلاح المعاش والميعاد».

تُرى أليس من عجب بعد ذلك أن يطلب نفر من الشاذين عن منهج الأمة الكتابة بحروف لاتينية بدل العربية فيستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟! وحسبنا أن نصغي إلى قول الفارابي عنها: إن هذا اللسان كلام أهل الجنة، وهو المنزه بين أهل الألسنة عن كل نقيصة، والمعلى عن كل خسيسة، ولذلك كانت هذه اللغة سيدة اللغات كمالًا وجمالًا، وقوة ومرونة وحيوية وقلبًا وقالبًا.

ويقول أحمد بن فارس: إن العلم بلغة العرب واجب على كل متعلم من العلم بالقرآن والسنة والفتيا بسبب؛ حيث لا غنى بأحد منهم عنه، وذلك أن القرآن الكريم نازل بلغة العرب، ورسول الله ﷺ عربيِّ، فمن أراد معرفة ما في كتاب الله جل وعز، وما في سنة رسول الله ﷺ من كل كلمة غريبة، أو نظم عجيب، لم يجد من العلم باللغة بدًا.. 

فأين نحن اليوم من هذه الرؤى والمواقف النابضة بالمسؤولية تجاه لغتنا العظيمة؟!

وماذا قدمنا للحفاظ على لغة الوحي أمام محاولات طمسها واستبدالها؟

وماذا لدينا من مشاريع جادة للنهوض بها وتطويرها لما يخدم أهداف أمة القرآن الكريم؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 278

107

الثلاثاء 09-ديسمبر-1975

صفحة الأدب الإسلامي   - العدد 278

نشر في العدد 335

79

الثلاثاء 01-فبراير-1977

توضيح