العنوان إلى أمير البلاد الموقر
الكاتب د. إسماعيل الشطي
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يناير-1983
مشاهدات 49
نشر في العدد 604
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 18-يناير-1983
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أما بعد.. فإن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أوصى أمته فقال «الدين النصيحة» قالوا لمن يا رسول الله قال «لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»... وقد بلغنا أنكم عندما التقيتم بالطلبة الكويتيين بالمدينة المنورة أكدتم على عملية التناصح بين الراعي والرعية.. فانطلاقًا من وصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم.. وتجاوبًا مع رغبتكم في التناصح أقدم هذه النصيحة التي أظن أنها تعبر عن رأي قطاع كبير من الشعب..
يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- «ما من والي إلا وله بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالًا، فمن وقى شرها فقد وقى، وهو من التي تغلب عليه منهما» رواه البخاري.
ولقد برزت في الآونة الأخيرة كتابات موجهة إليكم.... ومقالات متعددة من بعض الفعاليات حول أزمة سوق المناخ... ومجمل هذه الكتابات تدعو الدولة لإنقاذها من الإفلاس أو التفليس.. ومنهم من اقترح تعطيل بعض مواد الدستور لإنقاذ تلك الحفنة التي تمثل رقمًا كسريًا صغيرًا في تعداد الشعب الكويتي... ومنهم من اقترح أن تسحب أرصدة الشعب الكويتي لدعم تلك الحفنة من الإفلاس... ومنهم من استخدم في وصفكم عبارات التملق لإقناعكم بالتدخل بصفتكم رئيسًا للدولة.. ومنهم من صور هذه الأزمة ببداية نهاية الكيان المجتمعي الكويتي.. والضربة القاصمة لاقتصادها...
وإننا نعتقد أن تلك الكتابات لم ترد وجه الله ولا مصلحة المجتمع الكويتي ذلك لأنها متورطة في تلك الأزمة.. وتريد أن تنقذ نفسها ولو على حساب رصيدكم الشعبي وسمعتكم الطيبة.. وإنكم تعلمون كم سيعتصر الألم قلوب قطاعات الشعب العادية التي لا تملك إلا راتبها الشهري.. كم ستتألم للتدخل في مثل هذه الأزمة... ذلك لأن حل مثل هذه الأزمات يتم عن طريق القنوات الدستورية.. وقد تم ذلك من خلال المرسوم بقانون 57/ 82 وملحقاته.. وذلك لأن قطاعات الشعب كانت -فيما سبق. وعلى لسان تلك الفعاليات- رقمًا من أرقام الكمبيوتر... لقد كانت رقمًا في مشكلة الإسكان في الكويت.. وفي مشكلة غلاء الأسعار.. وفي مشكلة تفاوت دخل الفرد الكويتي... وفي مشكلة التضخم الإداري والاضطراب السكاني.. وفي مشكلة الأمن.. لقد كانت دومًا رقمًا من الأرقام.. وكان يُقال لنا إن طبيعة الدولة الحديثة أن تتعامل مع الأرقام كأرقام حتى ترسم الميزانية وتوزع الخدمات.. وعلى سبيل المثال عندما طرحت المسألة الأمنية كان الرد الوحيد هو رد كمي رقمي.. لقد قيل إن عدد العاملين في سلك الشرطة والأمن رقم محدود جدًا لا يتناسب مع رقم التعداد السكاني وتزايده.. ولم يكن الرد حول الوجود الإنساني للمواطن....
إن التدخل لإنقاذ تلك الحفنة الصغيرة سيصيب كثيرًا من المواطنين بخيبة أمل في النصوص الدستورية التي أكدت على المساواة والعدالة بين المواطنين..
وإنكم تعلمون -يا أمير البلاد الموقر- أن التجارة ربح وخسارة.. ومن دخلها كان في حسابه ذلك.. فالذي خسر... لماذا تدعمه الدولة؟ وإذا كانت خسارته ستسبب أضرارًا للاقتصاد فهل الحل هو أن يثاب على ذلك أم يعاقب لإضراره بالاقتصاد الوطني؟ إننا لا نتمنى أن نرى الأمور تسير معكوسة.. إن أموال الشعب تبقى لقطاع الشعب الكبير وتوجه لخدمته وخدمة أجياله ولا توجه لمن رضي أن يقامر في سوق المناخ.. إن المخرج الصحيح لهذه الأزمة أن يأخذ القانون مجراه وخاصة أنه جاء بعد جهد جهيد... ويجب أن تكون هناك تضحيات وتفليسات لكي يعتبر التاجر الكويتي ويحافظ السوق الكويتي على مكانته وتستمر الثقة بين أفراده.. لذا نسأل الله تعالى ألا يسجل التاريخ تدخلًا كهذا في عهدكم...
أقول هذا ويعلم الله أنني ليس لي مصلحة قريبة أو بعيدة.. فإنني لا أملك سوى راتبي الشهري.. واستنكفت نفسي عن دخول مائدة القمار الكبيرة المسماة بسوق المناخ.. ولا أمارس أي نوع من التجارة.. إنما أقول هذا لكي أتمتع كمواطن بمعاني المساواة والعدالة خاصة أنني من مواطني العالم الثالث..
ويقول الرسول -صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزير صدق إن نسى ذكره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد الله به غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسى لم يذكره وإن لم يذكر لم يعنه» رواه أبو داود والنسائي..
وإن أزمة المناخ كشفت عن أن هناك بعض القيادات الوزارية التي ساهمت في صنع الأزمة وشاركت في صنع قراراتها فليس من الخير للدولة أن تستبقيهم.. بل إن الشعب يريد أن يشعر أن المسئولية الوزارية تحت الرقابة الشعبية.. وإذا كان مجلس الأمة بحرصه على حسن العلاقات مع السلطة لم يحرك هذا الموضوع.. فكان الأولى للدولة أن لا تتحمل أخطاء وزراء غير مرغوبين شعبيًا ويشار إليهم بالاتهام.. وأن حل أزمة المناخ لا يتم من خلال وزارة صنعت الأزمة وتورطت فيها.. بل من خلال وزارة بريئة من الأزمة وتستطيع أن تدين من صنعها..
وفي النهاية... نريد أن نقرر أن هذه الأزمة لها بعد ديني.. فإن الله يقول ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الأعراف: ٩٦).
وإن دفع الله للأحداث لتؤول إلى ما آلت إليه إنما هو حكمة من عنده.. فإنكم تعلمون -يا أمير البلاد الموقر- أن مضاربي سوق المناخ طغوا وأسرفوا.. وأن الشعب ضج من تصرفاتهم.. وأنه شكا لكم تصرفاتهم خلال جولاتكم في الديوانيات في رمضان الماضي.. وأنكم رفضتم التدخل احترامًا منكم للحريات الشخصية واعتقادًا منكم بأن الله كفيل بهم.. أما وقد أوكلتموهم إلى الله فإن الله كفيل بهم..
ولقد ضحت الكويت بعدم تطبيق الشريعة الإسلامية وحصرها كمصدر للتشريع من أجل الاقتصاد الكويتي... وشاء الله أن يصاب هذا الاقتصاد بضربة موجعة في الوقت الذي لم يقرر فيه مصير تعديل المادة الثانية.. وإننا نعتقد أن حل هذه الأزمة الأمثل والأحوط هو العودة إلى النظام الإسلامي في شؤون الحياة ذلك لأن «الله يحكم لا معقب لحكمه» ولأن الله يقول ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ (المائدة: ٤٩).
وأخيرًا أسأل الله أن يسجل التاريخ لعهدكم أنه العهد الذي عادت فيه الكويت لتطبيق الشريعة الإسلامية.. وأن يديم النعم علينا ويحفظ بلدنا.. ويبارك لنا في خيراتنا... ويبارك لنا في شعبنا.. وأن يعفو عنا.. ويديم علينا العافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.. وأن يرزقنا الجنة ويجعلنا من الأبرار.. آمين يا غفار…