العنوان إلى أين سينتهي الصراع بين الإسلاميين والسادات؟!
الكاتب د. إسماعيل الشطي
تاريخ النشر الثلاثاء 14-أكتوبر-1980
مشاهدات 76
نشر في العدد 501
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 14-أكتوبر-1980
للسادات طريقة جديدة في معالجة الأمور تمر من خلال غليونه!!
خلال عشر سنوات ساداتية سقطت ضحايا كثيرة في قضايا العنف الديني المزعوم بقدر ما سقط خلال عشرين سنة ناصرية!
مأزق السادات الأخلاقي أنه يرى الأشياء من خلال نفسه ويأتي بنصف الحقائق ليتلاعب بالباقي!!
عنترة السادات حيد الجماعة الإسلامية الأكبر ليضرب -على انفراد - مجموعة التنظيمات الصغيرة الأخرى عملًا بمبدأ “اضرب الضعيف ليخاف القوي”!
أوجه تشابه كثيرة بين أتاتورك والسادات ليس أقلها الاتجاه العلماني
شخصية السادات
على ذمة الأخبار الواردة من مصر، يذكر أن السادات- بوساطة رئاسة الجمهورية - تمنى على كلية الحقوق التي احتفلت بعيدها المئوي في «۲۹ مايو ۱۹۸۰» أن تهديه درجة الدكتوراه الفخرية!! تقديرًا له على حرصه على إعلاء كلمة القانون في البلاد وسيادته على الجميع دون تمييز منذ قيامه بثورة التصحيح في «مايو ۱۹۷۱ م». وبغض النظر عن رفض الطلب من قبل مجلس الكلية بالإجماع الذي جاء فيه: “أن موافقة الكلية على ذلك تعني أنها موافقة على شرعية ودستورية جميع القوانين التعسفية المقيدة للحريات والمخالفة للدستور التي أصدرها السادات وفي مقدمتها قانون العيب وقانون إنشاء محاكم أمن الدولة وغيرها، نقول بغض النظر عن كل هذا، فإن مجرد الاقتراح يشير إلى نوعية النفسية التي تتحكم بالسادات: الغرور والتباهي والاعتداد بالنفس والإعجاب بها!!” ويذكر القراء المتابعون أن عنوان الكتاب الذي أخرجه السادات عن حياته كان بعنوان «قصة البحث عن الذات»!! وبهذه النفسية يتحرك السادات في معالجة القضايا المستعصية في مصر.. لا بد أن تمر كل أزمة من خلال دخان «غليونه الشهير » فيطبعها بطابعه الخاص، ولو أحصى دارس ضمير المتكلم في أي خطاب أو مقابلة له لخرج بعدد ضخم من ضمائر «الأنا »! وبهذه النفسية عالج السادات قضية القضايا في مصر «الدين والسياسة».
آخر خطاب:
لم يأت آخر خطاب للسادات في الأسبوع الماضي في مؤتمر الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم مختلفًا عن غيره من خطاباته. ويهمنا منه ما يتعلق بقضيتنا. وهي هنا أسلوب المعالجة عند السادات لقضية العلاقة بين السلطة والاتجاه الديني الشعبي. وبروز هذا الاتجاه متشكلًا في تجمعات حركية نشطة سابقة ولاحقة وتصور السادات لعلاقة الدين بالسياسة ومفهومه الشخصي للسياسة وللدين على السواء. وسلوكه العملي تجاه هذا التصور.
وقد لاحظنا في الخطاب تكراره لقصته مع الإخوان وعلاقته بحسن البنا رحمه الله، وحكاية الثورة مع الإخوان بمختلف مراحلها وموقف الأقباط منه وبالعكس ثم وصل إلى النتيجة التالية:
«العقيدة الوطنية قبل العقيدة السياسية» وأن على رجل الدين مسلمًا أو نصرانيًا أن يخلع ثوبه الديني في المعبد ويأتي إلى الأحزاب حين يرغب في ممارسة السياسة!!
مشكلة السادات ومأزقه الأخلاقي في الوقت نفسه أنه يجعل نفسه القيم المطلق على سلوك الناس حتى أنه يصادر حقهم في التعبير- على الأقل- عن أفكارهم واتجاهاتهم، وأنه يأتي بنصف الحقائق ليتلاعب بنصفها الآخر كما ينبغي وأنه يدعي بأن الدين منفصل عن السياسة وأنه يرفض استغلال الدين في السياسة، مع أنه يذكر صراحة في الخطاب نفسه « أنه الحاكم المسلم الوحيد في مصر الذي أجبر الأزهر على حضور حفل وضع حجر الأساس لكنيسة قبطية تبنى على حساب الدولة!! » أليس هذا من استغلال الدين للسياسة!! اللهم نعم.
الطريقة الساداتية:
كل هذه المفاهيم المغلوطة التي يؤمن بها- أو يتظاهر بذلك- جعلته يعالج المسألة الإسلامية في مصر على النحو الذي عولجت به. فلقد ابتدع السادات أسلوبا غريبا في القضاء على ظاهرة الصحوة الإسلامية في مصر ومظاهرها المتمثلة بالاندفاع الشبابي نحو الجهاد. فبينما كان سلفه عبد الناصر بشخصيته المستبدة وعناده المعروف، يتخذ الأسلوب العشوائي الغوغائي ويضرب مباشرة في الوجه، فيختار أقوى الجماعات الإسلامية وأكثرها عددا- وهي الإخوان المسلمون- ويضربها بنية التصفية التامة، فيساق الناس جميعا إلى المعتقل لأدنى شبهة ولو كان قريبة من الدرجة العاشرة لأحد المتهمين!! حتى إن بقية الجماعات الإسلامية كانت تعتبر إخوانا وتسجن معهم. ألم يسجن الشيخ عبد الله السماوي والشيخ إبراهيم عزت وهما من جماعة التبليغ التي تتجنب الخوض في القضايا السياسية؟ ونذكر هنا مالا ينساه القراء المسلمون من محنة الإخوان عام ١٩٥٤ حين ضربهم عبد الناصر برغبة أمريكية واضحة وفي عام ١٩٦٥ برغبة مشتركة من دولتي الوفاق روسيا وأمريكا نقول بينما كان عبد الناصر يفعل ذلك أتى السادات بطريقته الجديدة لأن التجارب أثبتت أن كل ضربة كانت تقابلها دفعة من التأييد والالتفاف الشعبي حول الإخوان على المبدأ المعروف: كل فعل يقابله رد فعل مساو له في القيمة ومعاكس له في الاتجاه.
ومن هنا جاءت الطريقة الساداتية، فما هي أصولها؟؟:
الخب!!:
الخب في اللغة هو الماكر الغادر الخبيث لذلك ورد عن عمر بن الخطاب أنه قال «لست بخب ولا الخب يخدعني »
ورغم كل ما قيل في السادات، فإنه يبقى خب العرب في العصر الحديث. فهذا الريفي البسيط المظهر إلى درجة «الدروشة» استطاع أن يتخلص من كل المكايد التي نصبها عبد الناصر لرفاقه في الثورة. فكان الوحيد الذي بقي عبد الناصر يثق به ويظهر أنه زاهد في الحكم إلى موته حتى فاجأ الناس بمن فيهم الروس الراصدون بأنه كان يعد نفسه لمثل هذه الأيام التي أتى فيها بالعجائب!! فماذا فعل تجاه الحركات الإسلامية التي نشأت في السبعينيات أو ظهرت أشكالها السرية إلى الوجود في هذه السنوات؟! ذلك الثعلب الماكر الذي أثبت صحة المثل القائل: يضحك كثيرا من يضحك أخيرا؟!
باشر السادات خطته في تحييد الجماعة الأكبر في الساحة وهي الإخوان المسلمون لينفرد ببقية. الجماعات الثورية التي أتخمت المواجهة العنيفة وسيلتها في التعبير، حسب الطريقة التالية:
الطاغوت والأسلوب:
كانت الأمة محتقنة العواطف ومحتبسة المشاعر خلال عهد الإرهاب الذي استمر ثماني عشرة سنة، وجاء السادات فاستغل بدهائه الفطري الوضع المأسوي للشعب المصري فطرح الديمقراطية «الشكلية» بديلا للوطنية، وبعدة مظاهر وحركات مسرحية استطاع أن يكسب إلى صفه أغلب قطاعات الشعب ماعدا الطفيليات الهامشية التي ارتزقت من العهد السابق،... فقد صور وهو يحرق أشرطة التجسس على الهواتف، وبيده معول يهدم جدار السجن الحربي الرهيب.... إلخ. وبسابق تجربته السياسية أدرك أن الرصيد الشعبي الأكبر لا يزال لجماعة الإخوان رغم المصائب والضربات المتلاحقة فحاول كسبها إلى صفه بالخطوات التالية:
۱- سجل لنفسه موقفًا سياسيًا متطورًا عن العهد السابق بإفراجه عن بقايا المعتقلين من الإخوان. فاقترب منهم خطوة بهذا العمل النبيل مهما كانت دوافعه!! ۲- وسعى إلى إقامة الحوار معهم ليكسب موقعين:
أ- يعطي صورة للعالم عن وجود الديمقراطية.
ب- يظهر نفسه بثوب إسلامي يجعله مقبولا عند جماهير الشعب المسلم.
3- وهاجم الشيوعية بصوت إسلامي خادع.
وكان لطرده الخبراء السوفييت أبلغ الأثر في كسبه التأييد الشعبي المعادي لهؤلاء والذي كان يعتبر السوفييت سببًا مباشرًا في شتى أنواع الحرمان التي قاساها في العهد السابق..
4- امتص نقمة الإخوان على العهد السابق بالهجوم عليه وعلى أعوانه الذين طردهم من جنة الحكم وألقي بهم في السجون
5- وأعاد الاعتبار إلى بعضهم. فرد إليهم حقوقهم التي غصبت منهم باسم التأميم والحراسة. ولكنه في الوقت نفسه سكت عن حقوق أخرى مثل الأموال العائدة للحاجة زينب الغزالي التي حجز على شركتها وبلغت ديونها ستة عشر ألف جنيه!!
٦- وأعطاهم منبرا إعلاميا. يوصلون من خلاله صوتهم الإعلامي، مع التلويح لهم ببعض الأمل باسترداد أملاكهم والتصريح بعودتهم إلى الساحة قانونيا!
وهكذا استطاع على ما قبل إليه أن يخفف من ثورية الإخوان واندفاعهم ليتفرغ للجماعات الأخرى التي كانت قد برزت من خلال المحن أو بسبب منها.
المجابهة القاتلة!!:
كانت أول مواجهة للتيار الإسلامي الثوري مع مجموعة الدكتور صالح سرية في أبريل عام ١٩٧٤. ورغم كل ما قيل في هذه الحركة فإن هناك بعض الحقائق التي تدل على أن المجموعة قد استدرجت إلى هذا العمل حتى يتخذ ذريعة ضدها ليسهل عزلها عن الجماهير وبالتالي ضربها. والحقيقة أن صالحًا كان من الإخوان. وهو من أصل فلسطيني، عاش فترة في العراق وبدأ يؤسس العمل الفدائي الفلسطيني حتى أصبح قائده في العراق ولكنه غادرها إلى الأردن بعد اتهامه بمحاولة انقلابية أخفقت. وهناك اتهم مرة ثانية بمحاولة انقلابية أخفقت أيضا. فرحل إلى مصر حيث أكمل دراسته وعين في الجامعة العربية. وهناك وبدون علم الإخوان بدأ بتشكيل مجموعته العسكرية خلال ستة أشهر فسهل خرقها من قبل المباحث، الذين أوقعوه في فخ الكلية الفنية العسكرية وافتعلوا حوادثها. فاتهم صالح ومجموعته وزج بهم في الاعتقال ثم حكم عليه بالإعدام مع أخيه كارم الأناضولي وسجن بعض أفراد المجموعة وبرى بعضهم. وقد كان تصرف السلطة مع عناصر قضية يتسم بالمكر الذي ميز عهد السادات من سابقه حيث أوعز إلى الجرائد بنفي علاقة الإخوان بالحادثة. وأخذ من له علاقة بالحادثة فقط حتى لا يثير مشاعر الشعب. ثم صفى المجموعة بعنف آثار شيئا من الخوف لدى الناس من مظهر قوة السلطة.
وهكذا يكون قد طبق مبدأ عنترة المشهور: اضرب الضعيف ليخاف القوي!!
وبإعدام سرية وكارم الأناضولي. تطوى صفحة دامية من كتاب الصراع بين السلطة المصرية والإسلاميين. لتفتح بعد ثلاث سنوات صفحات «التكفير والهجرة »!!!
تكفير وهجرة!!:
في هذه القضية أكثر من مظلوم، وأول المظلومين هو المرحوم محمد حسين الذهبي الذي ذهب ضحية لخداع السلطة وكانت مسرحية خطفه وقتله عملية مكشوفة تماما كما تسربت الأخبار يومها من هناك. وكان ينبعث من خلالها روائح فضائح مالية كاد الوزير المرحوم يكشفها لولا أن رتبت هذه المسرحية ليتخلص بها من الشيخ الوزير وتضرب بها الجماعة الاسلامية، باعتبارها منفذة للعملية، وكان أن دأبت الصحافة على تسميتها بالتكفير والهجرة نسبة إلى الركنين الأساسيين في مبادىء الجماعة، مع أنها سمت نفسها جماعة المسلمين.
وهكذا بمحاولة خداع هذه الجماعة واستغلال سذاجتها السياسية.. وبتأجيج لهيب الخلاف الفكري بينها وبين المعتدلين من شتى الجماعات... وبتركيز يومي شديد على الجماعة التي يقودها شكري أحمد مصطفى المهندس الزراعي السابق، الذي قاسى فترة طويلة من الاعتقال والتعذيب في الستينيات، أخذ الإعلام المحلي والعالمي يشوه صورة جماعة ترفع راية الجهاد ومقاتلة الطواغيت، ليعزلها النظام من بعد ذلك ويضربها بعيدًا عن التأييد الشعبي، وصحيح أنه كان للجماعة أراء متطرفة وغلو بنود. ولكنها بالإجمال ما خرجت عن معنى الجهاد في الإسلام، هذه الفريضة التي غفلت عنها جماهير واسعة من المسلمين فأصابهم الذل والهوان ولذلك دأب النظام المستبد على كبت أي توجه واع إلى تحقيق هذه الفريضة النبيلة. فكان ما لا بد منه من الصدام المروع الذي ذهب ضحيته أكثر من بريء!! فقتل الذهبي، وأعدم شكري، واعتقل مئات الشباب المؤمن. وهكذا اتخمت الأحكام وسيلة لإرهاب الشباب المتدين.
الجهاد:
ومن التنظيمات الثورية التي ضربها السادات. تنظيم الجهاد الذي شكله يحيى هاشم وقضي عليه في معركة عسكرية، وذلك قبل أن يبرز اسم التكفير والهجرة. ولكن هذا التنظيم أوجد له امتدادًا ظهرت أخباره في هذا العام حين وردت بعض الأنباء حول مصادمات في الإسكندرية بين الجهاد والأمن وقد اعتقل فيها زعيم التنظيم هناك المغربي الذي توفي متأثرا بجراحه وما يزال حوالي ٣٥٠ معتقلًا من أعضاء التنظيم في السجون.
التحرير:
وآخر ما طالعتنا به الصحف المصرية: قيام السادات بتصفية مجموعة إسلامية جديدة زعمت الصحف أنها من حزب التحرير تارة... وتارة أخرى أنها من الشيوعيين المندسين في الجماعات الإسلامية.
وإننا لا نزال نسمع عن أخبار ترد من مصر حول نشاط الجماعات الإسلامية والجمعيات الطلابية في الجامعات المصرية إلى درجة تكاد تصل إلى الصدام مع السلطة. وبالفعل فقد جرى إطلاق نار في أسيوط على إحدى مظاهرات الطلبة الذين كانوا يحتجون على وجود الشاه في مصر سابقًا وصرع أحد الطلاب!!
إلى أين!!:
كل هذا يجعلنا نتساءل إلى أين سينتهي الصراع الظاهر والخفي بين السلطة الساداتية والإسلاميين؟. والجواب قد يبعث على التشاؤم. ذلك أن طبيعة الأشياء تنفي لقاء الأضداد!! والسادات بتوجهه الفردي النابع من العلمانية والانبهار بالغرب لن يلتقي مع التوجه الأصيل للشعب المصري المسلم، وكل ما يفعله الآن ما هو إلا تأخير للنتيجة المتوقعة، وهي الصدام المحتوم.
إن بعض الجماعات الإسلامية هناك أصدرت من فترة قريبة بيانا شبهت فيه السادات بأتاتورك واستدلت على ذلك بصفات مشتركة من بينها:
۱- عزل مصر عن العالم الإسلامي وإحياء الفرعونية، كما عزل ذاك تركية وأحيا
الطورانية.
2- الانتصار الوهمي في أكتوبر جعل منه بطلا على يد الصليبية العالمية كما ظهر أتاتورك بانتصاره الوهمي على اليونان.
3- الاتجاه العلماني.
4- الاعتماد على القوى العالمية الكبرى.
5- تقنين الظلم والفساد في قوانين يمررها مجلس معين.
هذا الإنسان الفردي الذي جمع المناصب التالية:
رئيس الجمهورية ورئيس الحزب الحاكم، ورئيس الحكومة، والقائد العام للجيش، ورئيس القضاء.
كيف يصدق في مسألة الديمقراطية؟ وماذا يتوقع المرء منه في مسألة الدين والدولة؟ إنها مأساة المسلمين في كل مكان، وما عليهم إلا إيجاد البديل الأصلح، ولا خيار له في هذا... فإنه قدرهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل