; إلى أين يتجه الأمن في البلاد؟! | مجلة المجتمع

العنوان إلى أين يتجه الأمن في البلاد؟!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 08-سبتمبر-1992

مشاهدات 56

نشر في العدد 1015

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 08-سبتمبر-1992

إلى أين يتجه الأمن في البلاد؟!

عندما امتن الله سبحانه وتعالى على "قريش" بقوله ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (قريش: 4)، فإن ذلك يشكل العنوان العريض لأهمية وأولوية الأمن في المجتمع البشري. فبهذا الأمن تستقر أمور الناس ويعيشون حياتهم الطبيعية، وبدونه تنقلب الحياة إلى جحيم مستمر، وهروب دائم إلى حيث يكون الأمن في موطن آخر. ولن نمل نحن هنا في "المجتمع" عن الكتابة في هذا الشأن الحيوي الهام، على كثرة ما كتبنا، ذلك أن الحديث عن هذا الأمر، وتفقد شؤونه وأحواله، هو ضرورة من ضرورات استمرار الحياة الطبيعية، ومقوِّم رئيسي لأي مجتمع يرجو أن يتقدم و يرتقي.

تأثيرات الغزو العراقي الغاشم:

نعلم أن الاحتلال العراقي المجرم قد انسلخ في تعامله مع الكويتيين إبان الاحتلال، عن جميع مبادئ الشريعة الإسلامية التي توصِي بعدم الظلم وبالحفاظ على الأرواح والأعراض والأموال، بل قد انسلخ حتى عن أخلاق العرب في الجاهلية، التي كانت ترحم الضعيف وتحفظ كرامة المرأة، وترعى حرمة المال. ولا يمكن لأي باحث مُنْصِف أن يهمل الأثر النفسي والتربوي الذي خلفه الاحتلال العراقي البغيض على الشعب الكويتي عمومًا، وخاصة جيل الشباب منه.

فهذا المجتمع الصغير الآمن، الذي كانت تنام معظم الأسر فيه قبل الغزو دون أن تغلق أبوابها، شعورًا بالأمان والطمأنينة، صارت مهددة أثناء الاحتلال بأن يُداهَم بيتها في وضح النهار ليسرق ما فيها، ويأسر رجالها، ويعتدي على نسائها من المحتل الغاشم.

وصار إطلاق الرصاص الذي لم يكن يُسمع في كويت ما قبل الغزو على الإطلاق، صار إبان الاحتلال كجرس البيت الذي يهدر كل لحظة، ودون سابق إنذار، مرارًا كل يوم، مما أدخل تجارب جديدة - سيئة بالطبع - على المجتمع الكويتي، جعلته يرى السرقة والقتل والاعتداء على الأعراض شأنًا يوميًّا يحدث كل يوم على أيدي جنود الاحتلال واستخباراته، على مدى سبعة شهور.

آلاف من مثل هذه الصور السلبية المروعة التي اختزنتها ذاكرة الكويتيين، وبالذات الشباب والأطفال منهم، لا يمكن إلا أن تؤثر تأثيرها السلبي في نفس ووجدان المواطن الكويتي، و تُنمي نزعة العنف لديه بعد أن كانت شبه ميتة.

وقد أردنا من الحديث عن أثر الغزو الغاشم على ازدياد معدل الجريمة في المجتمع الكويتي بعد التحرير، أن نقرر حقيقة، بأن قدرًا من هذه الجرائم، هو انعكاس طبيعي لمثل هذه التأثرات السلبية، حتى يمكن أن نكون موضوعيين في وزن المشكلة.

أجهزة الأمن.. دون الطموح:

لقد بحثنا عن الكثير من الأعذار لأجهزة الأمن التي باشرت عملها إثر التحرير مباشرة، وقلنا عندها إن ضعف الإمكانيات الفنية والمادية والبشرية لديها الذي خلفه الغزو الغاشم، هو أمر طبيعي، وأنها تحتاج لبعض الوقت لاستكمال جاهزيتها من كل الجوانب.

غير أن الأمر اختلف اليوم، فبعد أكثر من سنة ونصف من التحرير، لا يمكن أن يعتذر أحد من المسؤولين في الداخلية، بضعف الإمكانيات المادية والفنية والبشرية. ولا يمكن أن نقول بأن ازدياد معدل الجريمة، وبالذات الجريمة المجهولة التي لا يُقبض على أصحابها، هو أمر طبيعي، لا يمكن ذلك على الإطلاق.

بل ينبغي أن نقول إن هناك روحًا وطنية طافحة نشهدها لدى العاملين بالجهاز الأمني، ولكن للأسف الشديد هناك انخفاضًا في مستوى رجل الأمن الكويتي من حيث التجهيز والتدريب، وضعفًا في القدرة على ملاحقة الجريمة. وهذا أمر يشهده عيانًا من تُتيح له الظروف زيارة أحد المخافر، وتؤكده الإحصائيات المسجلة عن نسبة الجرائم المجهولة.

تطوير رجل الأمن.. ضرورة:

لا زلنا نجد في مخافر الشرطة من يذكروننا بمستواهم العقلي والتعليمي بـ مديرية الأمن العام في الخمسينيات. وربما يكون أحدهم أمضى أكثر من عشرين عامًا بالشرطة، دون أن يتلقى دورة تدريبية واحدة في أي شأن من شؤون الأمن. إن الدول المتحضرة تتسابق في تحديث جهازها الأمني وفي تدريب وتلقين أجهزة الأمن والمباحث لديها أحدث فنون ضبط الجريمة ومعرفة الجناة، وتجد أنها تستخدم أذكى وأفضل العناصر في المجتمع. أما لدينا فإننا نرى للأسف أن من يفشل في تحصيله العلمي فإنه يتجه إلى سلك الشرطة، وهذا أثَّر ولا يزال يؤثر بلا شك على مستوى الأداء لدى جهاز الأمن.

الخلق ورعاية الفضيلة.. أهم مواصفات رجل الأمن:

طالعتنا الصحف منذ أيام بخبرين صاعقين، أحدهما يذكر بأن شرطيين من الخريجين الجدد من العاملين بمخفر الجهراء الشمالي قد اعتديا على خادمة سيلانية كانا قد كلفا بنقلها من المخفر الذي يعملان به إلى مخفر الصليبية، والآخر يذكر بأن شرطيين آخرين، حاولا إرغام فتاتين كويتيين على ركوب سيارتهما بالقوة.

وإذا كان لنا من نتيجة نخرج بها من هاتين الحادثتين، فإنه يمكننا القول بأن وزارة الداخلية لا تضع أية اشتراطات أخلاقية أو سلوكية لمن تُدرجهم في سلك الشرطة، ونعتقد بأن هذا من أخطر الثغرات في النظام الأمنِي للبلد.

يجب ترسيخ مفهوم مخافة الله لدى رجل الأمن:

فيجب أن يوضع برنامج تهذيبي وديني يرسخ مفهوم مخافة الله لدى رجال الأمن، سواء في كلية الشرطة ضمن برامجها الدراسية، أو بشكل دورات أو برامج تنظمها وزارة الداخلية لأفرادها من جميع المستويات.

فترسيخ مفهوم الابتعاد عن المعصية، وحفظ أعراض وحقوق وأموال الناس وحمايتها، يجب أن يكون عقيدة وسلوكًا دائمًا لدى رجل الأمن، الذي يملك بحسب وظيفته الاستطالة على العباد، إذا لم يكن ممن يخافون الله، تمامًا كما كنا نشهد من جنود الاحتلال.

إن جهاز الأمن هو الحاجز بين الاستقرار والفوضى، وهو العاصم بين غلواء الفساد والجريمة، وبين رغد الأمن والأمان، فإذا تطرق الخلل إلى هذا الجهاز فإنها طامة كبرى، ينبغي أن تعالج على الفور، وبكل الوسائل الممكنة.



الرابط المختصر :