العنوان إلى أين يتجه العسكر الكماليون؟!
الكاتب محمد صلاح الدين
تاريخ النشر الثلاثاء 06-مايو-1997
مشاهدات 69
نشر في العدد 1248
نشر في الصفحة 21
الثلاثاء 06-مايو-1997
أفكار للتأمل
ليس يختلف أحد على أن علاقات تركيا بجيرانها الأقربين: سورية والعراق وإيران وباكستان، هي أساس لا غنى عنه لانتعاش واستقرار الاقتصاد التركي، وأنه إذا اضطربت هذه العلاقات أو تقطعت فإن خسائر تركيا الاقتصادية مروعة ومدمرة، ويكفي أن نعلم أن تجميد العلاقات التركية مع العراق فقط منذ حرب الخليج قد كبد الاقتصاد التركي خسائر جسيمة ببلايين الدولارات.
من أجل ذلك فإن أي تقييم واقعي لانفتاح حكومة السيد نجم الدين أربكان على جيران تركيا ومحاولته توثيق العلاقات معهم جميعًا -بغض النظر عن اختلاف السياسات- ليس نهجًا عقائديًّا فحسب، ولا فورة عاطفية، وإنما خدمة جليلة محسوبة لإعادة بناء الاقتصاد التركي وإنعاشه وترويج منتجات تركيا وصناعاتها.
وليس من شك أن لتركيا الشقيقة من ثقلها البشري والاقتصادي والصناعي ما يؤهلها لاحتلال مكانة رفيعة في المنطقة وأداء دور مهم في استقرار أوضاعها والتأثير في سياساتها إذا وثقت تعاونها مع الأشقاء من جيرانها وترابطت مصالحها وصناعاتها معهم، ومن هنا كان سعي أربكان لتشكيل كتلة اقتصادية إسلامية يمكن أن تضم أكثر من خمسمائة مليون نسمة تتعامل مع موقف قوة مع الكتل الاقتصادية العالمية كالسوق الأوربية وغيرها، وتحافظ على مصالح الأمة، وتأخذ نصيبها العادل من التجارة العالمية.
إن كل ذلك من شأنه أن يخدم تركيا في المقام الأول، وينعش اقتصادها، ويحمل الازدهار لصناعاتها ويعيد لها مكانتها، مما يجعل أي مراقب يتساءل بإلحاح: لماذا تصر المؤسسة العسكرية التركية على هدم ذلك؟ لماذا يرغم الجنرالات البلاد والحكومة على السير في الاتجاه المعاكس؟ ولحساب من يتم تقطيع العلاقات مع كافة دول المنطقة، وإلقاء ثقل تركيا كله مع إسرائيل؟
فمنذ توقيع الاتفاق العسكري الاستراتيجي بين المؤسسة العسكرية التركية وإسرائيل في فبراير 1996م -مما أثار سخط الدول العربية والإسلامية- فبدأت موجة عارمة لتبادل الزيارات شملت الرئيسين التركي والإسرائيلي، وكبار قادة الجيش والبحرية والطيران، ووزراء الخارجية والدفاع والسياحة، وبقي عدد كبير من الزيارات المتبادلة بعيدًا عن الضجيج الإعلامي نظرًا لطابعها الاقتصادي أو الثقافي أو الفني.
وشهد شهر مارس 1996م إقرار البرلمان التركي لاتفاقية التجارة الحرة مع إسرائيل ليقفز حجم التبادر التجاري بين البلدين من 500 مليون دولار حاليًا إلى بليوني دولار عام 2000م بالإضافة إلى أكثر من عشرين اتفاقًا على الصعيد العسكري والأمني والتجاري والزراعي والثقافي، علمًا بأن الاتفاق العسكري يشمل صفقة ضخمة لصناعات الطائرات الإسرائيلية تتجاوز 600 مليون دولار لإصلاح الطائرات الأمريكية القديمة لدى سلاح الجو التركي.
ولا بد أن يلاحظ المراقب أن تصعيد وتيرة التعاون والتآلف والتزاور بين تركيا وإسرائيل وتوسيع نطاقها يتم توقيته في أشنع لحظات العدوان والصلف الصهيوني وخرق اتفاقيات السلام كمذبحة قانا وبناء مستوطنة هارحوما في القدس الشريف وحصار القطاع وغزة، بعكس الدول الأوربية والأسيوية التي تسارع إلى إعلان استنكارها للجرائم الإسرائيلية، وتقرر إيقاف الزيارات وتجميد الاتفاقيات مع إسرائيل لإعلان معارضتها لكل ذلك والتنديد به.
وإنك لتجد في المواقف الأمريكية تجاه مستعمرة القدس ومذبحة قانا من التحفظ على أقل تقدير ما لا تجده على الإطلاق في سياسة المؤسسة العسكرية التركية، بل إن قوى وأحزابًا يهودية تنتقد سياسات الحكومة الإسرائيلية المتطرفة وتقف ضدها، فهل أصبح العسكر الكماليون صهاينة أكثر من الصهيونية نفسها وأكثر من الأمريكيين؟!
غير أن الخطير في الأمر أن هذا الانحياز الصهيوني الأعمى للعسكر الكماليين يقدم خدمات جليلة للدولة الصهيونية، ويفك عزلتها العسكرية والسياسية والتجارية في المنطقة، في حين يلحق بتركيا أفدح الأضرار على أكثر من صعيد، ويعزلها عزلًا تامًّا عن محيطها الطبيعي ويضيع عليها فرص التبادل التجاري والصناعي الضخم مع أكثر من أربعمائة مليون مسلم من جيرانها الأقربين، فيحرمها بذلك تمامًا من دورها وثقلها الإقليمي.
لقد كان اليونانيون المسيحيون -ولا يزالون- في طليعة الدول الأوربية المناصرة للحق العربي الإسلامي في فلسطين، رغم أن حجمهم الصغير بالمقارنة بتركيا يجعلهم أضعف أمام الضغط الصهيوني والأمريكي، وأكثر احتياجًا للمصالح الاقتصادية التي توفرها لهم أمريكا وإسرائيل، فكيف يقف اليونانيون -على ضعفهم- مع الحق العربي بينما يدوس العسكر الكماليون بدباباتهم ومصفحاتهم على إرادة 60 مليونًا من الأتراك المسلمين الذين لا يستطيع أن يزعم أحد أنهم مؤيدون لإسرائيل؟!
وهل أجمع العلمانيون الأتراك من العسكر والحزبيين على الإضرار بحاضر ومستقبل بلادهم والتضحية بمصالحها الحيوية حفاظًا على مصالحهم الشخصية الأنانية التي يهددها تمسك الشعب التركي بالإسلام؟!
إن أحدًا من أصدقاء رئيس الوزراء التركي نجم الدين أربكان أو أعدائه على السواء لم يتوقع أن يبلغ من المرونة أو الاعتدال -أو ما شئت من هذه الأوصاف- حدًّا يجعله يوقع الاتفاقيات التركية العسكرية مع إسرائيل، ويستقبل في مكتبه وزير خارجية العدو.
ولكن.. ماذا يريد جنرالات المؤسسة العسكرية من أربكان؟ إنهم يريدون إغلاق مدارس تحفيظ القرآن، ومعاهد تخريج الأئمة، واستمرار تجريم غطاء الرأس أو أي مظهر من مظاهر التدين والالتزام بالإسلام، كما يريدون تفريغ مؤسسات الدولة من أي مواطن تركي يظهر التدين أو يحمل أفكارًا دينية، فلا يكون من حقه الالتحاق بأجهزة الأمن أو القوات المسلحة أو وزارة التعليم.
المعركة أيضًا مشتعلة على تجارة الخمور، وأندية القمار، وعلب الليل، وهي تجارة تدر على أصحابها والقوى التي تقف وراءهم بلايين الدولارات.
على الصعيد الخارجي لا يريد الجنرالات توثيق علاقات تركيا بجيرانها العرب والمسلمين، كسورية، والعراق، وإيران، وباكستان، وأفغانستان، وتنمية التبادل التجاري معهم، إنما يريدون التحالف العسكري والتجاري مع إسرائيل كما أسلفت، حتى أن وزير دفاع العدو الجنرال موردخاي لم يتورع عن التصريح منذ أيام بأن تركيا وإسرائيل ستتصديان عسكريًّا لأي مغامرة تقوم بها سورية أو العراق أو إيران.
الاعتدال والمرونة لا يكفيان جنرالات تركيا الكماليين.. إنهم لا يريدون الإسلام في حد ذاته، ولا يقبلون من أي سياسي إلا العداء الصريح للدين وأهله، وهم في سبيل ذلك لا يعبأون بالديمقراطية ولا بالانتخابات، ولا يقيمون وزنًا للبرلمان أو الحكومات.
ويذكر التاريخ أيضًا أنه بعد أن سيطرت جمعية الاتحاد والترقي على مقاليد الأمور في البلاد، وكان معظم رجالاتها من الماسونيين ويهود الدونمة المرتدين، ذهب وفد يمثل مجلس النواب والأعيان لإبلاغ السلطان عبد الحميد نفسه قرار خلعه «27 إبريل 1909م»، وكان من بين أعضاء الوفد عمانويل قره صوه وهو يهودي من سلانيك، ومن زعماء الماسونية، وقد استقبلهم السلطان واقفًا وبعد أن أبلغوه قرار الخلع التفت إلى الوفد وقال لهم مشيرًا إلى قره صوه: «ألم تجدوا شخصًا غير هذا اليهودي لكي يبلغ خليفة المسلمين قرار الخلع؟».
إن التاريخ يعيد نفسه في تركيا، وهي على أبواب القرن العشرين، مع فارق مهم: أن أربكان لا يستطيع ولا يملك كالسلطان عبد الحميد أن يشير إلى الصهيوني الذي يقف وراء إبلاغه قرار الخلع الذي يبدو أنه لن يتأخر على أي حال.
«*» كاتب سعودي.