العنوان إلى أي مدى سيصل الانفتاح الديمقراطي في الجزائر؟
الكاتب عادل محمد على
تاريخ النشر الثلاثاء 31-يناير-1989
مشاهدات 61
نشر في العدد 902
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 31-يناير-1989
*الديمقراطية المطلوبة ينبغي أن تمنح الإنسان حريته في التعبير
عن آرائه كي يزداد انتماؤه لوطنه وثقته بمجتمعه
*الثورة الجزائرية نوفمبر «١٩٥٤» كانت إسلامية في روحها وفي هدفها النهائي حيث أعلنت أن
الاستقلال يعني بناء دولة ديمقراطية اجتماعية في إطار المبادئ الإسلامية.
*هل الانتقال من حزب الجبهة إلى جبهة الحزب كافيا لإدماج مختلف
التيارات داخل جبهة واحدة أم أن هناك طريقًا أخر يقوم على التعددية؟
لقد كان من النتائج الإيجابية لعمليات العنف
الجماهيري أن ارتفعت الأصوات التي كانت تتكلم همسًا وأخذ المجتمع الجزائري اتجاهًا
جديدًا يقوم على النقد والتجريح للتجربة الديمقراطية التي أوصلت البلاد إلى طريق
يكاد يكون مسدودًا بسبب استغلال الحزب وبعض رجال السلطة لمناصبهم وتجاوزهم
صلاحياتهم وبالتالي بسبب وجود فئات منتفعة تبحث عن حظوظها وليس عن رسالتها.
وقد حملت الأخبار إلينا مزيدًا من
تلك النتائج الإيجابية كتحويل الحزب إلى جبهة التحرير الوطنية، وتغيير وجوه عديدة
تم الاستغناء عن خدماتها، وتنصيب حكومة جديدة، وتعديل الدستور وما شابه ذلك من
المتغيرات.
ترى إلى أي مدى وصلت التجربة الديمقراطية في
الجزائر بعد عمليات العنف الجماهيري؟ ما هي الأسباب والمسببات، الأبعاد والآثار؟
ومن الخاسر والرابح في هذه المعركة الديمقراطية وما هي الاحتمالات التي يمكن
التكهن بها خلال فترة زمنية مستقبلية منظورة؟ وهل يمكن أن تستفيد السلطة من هذا
الدرس الذي وقع في أكتوبر ۱۹۸۸ بحيث يتم التحول عن الديمقراطية النسبية إلى ديمقراطية كاملة تأخذ
بالحسبان - عمليًا وليس نظريًا - مبادئ الإسلام في الحكم والشورى وضمان الحريات
الأساسية لكل إنسان 1
شيء
من التاريخ
عند محاولة تسليط الضوء على التجربة الديمقراطية
ينبغي أن تتذكر بشكل واضح ودقيق أن الاستقلال الذي احتضن الديمقراطية لم يكن سوى
وليد حرب طويلة امتدت سبع سنوات كان الإسلام غايتها ابتداء وانتهاء، وكان المحارب
يسمى مجاهدًا والقتيل شهيدًا، ونداء المعركة «الله أکبر» وبالتالي كان الأمل في
استقلال يقوم على مبادئ الإسلام الحنيف وفي نظام يقوم على الشورى في أسمى معانيها،
وكان من المتوقع حسب ما أشارت إليه الوثيقة الصادرة عن التيار الإسلامي والموجه
إلى السلطات العليا أن تضمن الديمقراطية - على الأقل - الحريات الأساسية على أساس
أن الأمم لا تبني الحضارات إلا في ظل دول يسود فيها القانون الذي يضبط العلاقات
بين مختلف المؤسسات والأفراد فتتوثق عرى الانتماء لدى المواطن عندما يشعر بالأمن
بحيث يستطيع أن يفكر ويعبر ويبحث وينشر ويعمل وينتقل بكل حرية ذلك أن سياسة الكبت
يعشعش في ظلها النفاق والكيد، وتفوت الفرصة على الأمة أن تستفيد من مساهمة كل
أبنائها نعم لقد كان من المتوقع ضمان الحريات العامة وتوفير الحضانة للإنسان عند
ممارسته حرية النقد والرأي وما شابه ذلك.
لكن التجربة الديمقراطية التي امتدت حوالي ربع
قرن أو يزيد لم تكن مطلقًا في مستوى طموحات الجماهير ولهذا فقد مهدت الطريق للعمل
العنفي الذي كاد يتحول إلى كارثة.
وعند محاولتنا تسليط الضوء على تاريخ التجربة
الديمقراطية يمكن تمييز ثلاث فترات زمنية وهي:
-فترة الفوضى ١٩٦٣ - ١٩٦٥
-فترة المصادرة ١٩٦٥ - ١٩٧٩
-فترة الانفتاح النسبي ۱۹۷۹ - ۱۹۸۹
وفي الفترة الممتدة من ١٩٦٥ - على وجه الخصوص
تعانق الإخفاق الاجتماعي والسياسي معًا، فعلى الرغم من الدعاية الواسعة للإنجازات
الوهمية وبالخصوص الثورات الثلاث الزراعية والصناعية والثقافية فقد تمخض الجبل عن
فأر وضاعت كل الجهود المبذولة في تلك المجالات الثلاث، والتي تعتبر محكًا لاختبار
الظاهرة الديمقراطية ومدى مصداقيتها علمًا أن مؤسسات الديمقراطية نفسها لم تكن في
المستوى الذي يوفر ضمانات الحرية والنقد التي يمكن أن تضع حدًا للسلبيات.
الثورة الصناعية ابتلعت العملة الصعبة، والثورة
الثقافية بددت الثروات البشرية أما الثورة الزراعية فقد أعلنت حالة وفاة
الديمقراطية القائمة على الحزب الواحد وهكذا أصبحت النار تحت الرماد فالجزائري
الذي تعود أن يصدر للغير، إذ به يستورد من وراء البحار ليس كمالياته فحسب، بل
ضرورياته الأساسية مثل الخبز والخضروات واللحوم وما شابه ذلك.
ولم تكن الوثيقة الصادرة عن التيار الإسلامي التي
أشرنا إليها سابقًا مجانية للصواب عندما أشارت إلى النتائج السلبية التي خلقتها
التجربة الديمقراطية في الجزائر من ۱۹۹٥ حتى ۱۹۸۸ إذ أنه بالإضافة إلى الانهيار الاقتصادي والوقوع
في فخ التبعية والديون الدولية فإن التغريب في الثقافة وتهميش الطاقة الشعبية
وإبعاد العناصر المخلصة واتباع المنهج الاستبدادي والتهرب من تطبيق الأحكام
الإسلامية وظهور الفئات المنتفعة والطبقية والثراء الفاحش وغير ذلك كانت علامات
مميزة يمكن لرجل الشارع أن يراها.
آفاق
الواقع: من الحزب إلى الجبهة
إن دعوى التخوف من الحريات بحجة عدم
نضج الشعب الجزائري هي حجة ليست في مكانها الصحيح إلا إذا استدعت الظروف الطارئة
الأخذ بها لفترة مؤقتة، هي أن تمتد مصادرة الحريات لهذه الدعوة منذ الاستقلال حتى
الثمانينات وبالخصوص الفترة الممتدة من ١٩٦٥ إلى ١٩٧٩ فإن هذا يعني أن الاستثناء أصبح
قاعدة وإن هناك دون شك أو ريب مراكز قوى تعمل من أجل أن تبقى فئة معينة منتفعة على
حساب الجماهير العريضة للشعب الجزائري الذي ذاق الويلات والحرمان على مدى قرن ونصف
خلال الهجمة الاستعمارية والذي لم يجد طعمًا للاستقلال في العشرين سنة منذ إعلان
وقف الحرب والتوقيع على وثيقة التحرير.
وعلى هذا الأساس فقد صوت الشعب
الجزائري لصالح الإصلاحات والتي يجد أمله فيها إذا صدقت الوعود وتدرج الأمر من
الحزب إلى الجبهة إلى التعددية الحزبية المنشودة.
إن الحزب/ الدولة في الفترة 65/79 ما هو إلا حزب
عقيم ومخدر، بل إنه باحتكاره السلطة كان السبب الرئيسي لإصابته بالتصلب كي يصبح
أداة لسد الطريق في وجه ذوي الكفاءة وإذا كان العهد الجديد لجبهة التحرير يشير
بخطوطه العريضة لحرية الترشيح لجميع الجمعيات واستقلالية المنظمات الجماهيرية عن
الحزب غير أن من الصعوبة بمكان القضاء على النزعة الحزبية التي قد تبقى متغلغلة في
أعماق الجبهة مهما كانت الواجهات الخارجية، اللهم إلا إذا تكرست الجهود المخلصة
للقضاء عليها.
جريدة اللوفيغار وكانت قد أشارت بوضوح إلى أن
القضاء على الحزب/ الدولة أو ما يسمى بدولة الحزب يمثل ثورة حقيقية في الجزائر
وبالخصوص عند إعطاء عملية الانفتاح السياسي مضامين مرحلية وواسعة، حيث تتم في
المرحلة الأولى رفض التعددية على أساس أن يتحول حزب أحمد الزر إلى جبهة جماهيرية
تلتزم بفتح حوار مع بقية الاتجاهات السياسية بهدف إشراكها في جبهة واسعة تشبه إلى
حد كبير الجبهة التي كانت موجودة أثناء الحرب. ونظرًا إلى بدء نفسها تساؤلًا مفاده
هل يستطيع مناضلو تلك الحركات الانضمام إلى جبهة التحرير الوطني بصورة فردية أم
باعتبارهم أعضاء في تيارات سياسية منظمة وبقيادة أخرى قد تتعثر في الجبهة بحق
الاتجاه وهو ما يتعارض مع المركزية الديمقراطية التي تتبناها الجزائر واستمرارًا
لهذا النهج الانفتاحي فإن الأفكار تدور حول القيام بتقويم شامل للنتائج والمحصلات
بحيث إذا ظهرت فعلًا استحالة إدماج مختلف الحركات السياسية داخل جبهة واحدة فإن
الاقتراح سيتوجه نحو التعددية السياسية بشرط أن يكون البت في أمرها من مهام الشعب
الجزائري عن طريق الاستفتاء.
في حقيقة الأمر فإن البعض من الرافضين للإصلاحات
قد رفعوا شعارات رفض التعددية والتيارات المعادية للثورة، ولكن رغم ذلك فإن النظام
السياسي كان سائرًا في اتجاه الصالح لجماهير وذلك بدعم من الجيش الذي يعتبر المؤسس
الأول في الدولة عن «الرأي العام -5/۱۲/88».
احتمالات
المستقبل
إن النقطة المركزية في الديمقراطية إن كانت حقًا
ديمقراطية تتمثل في المقدرة على منح الإنسان في المجتمع كل الحق في التعبير عن
آرائه بكل حرية وإمكان إيصال آرائه للسلطات الحاكمة بالإضافة إلى كل الحق في
المشاركة السياسية المباشرة أو غير المباشرة في القرار مهما تعددت أشكال ومظاهر
المؤسسات التي تتم من خلالها المشاركة.
والإنسان الجزائري الذي قضى شطرًا كبيرًا من
حياته أثناء الاستعمار وبعد الاستقلال محرومًا من حرية التعبير الحقيقية وبالخصوص
جيوش من الشبيبة الجزائرية التي تقرأ وتسمع كل يوم عن أخبار ممارسة الديمقراطية في
البلدان الغربية خاصة أو تتصفح التاريخ لتطلع على صفحات رائعة في الحكم الإسلامي
الراشدي والشورى الرفيعة المستوى أقول هذا الإنسان الجزائري قلق جدًا اليوم بشأن
الحريات الأساسية، ونوعية النظام الذي سيحقق له ممارسة الحرية بشكل يقوم على
الشمولية والفعالية والحصانة.
إن المراقب الاجتماعي للتطورات الأخيرة التي حدثت
في الجزائر بشأن الديمقراطية يمكن أن يرى أن هناك عددًا من الاحتمالات المستقبلية.
الاحتمال
الأول: أن يستمر التوسع في جبهة التحرير للانتقال بها من حزب ضيق الى جبهة موسعة
تندمج فيها مختلف التيارات وتسيطر عليها القوى المطالبة بالحرية، وهذا يعني تلاشي
الحدود بين الجبهة كحزب وكمؤسسة ذات هيمنة نسبية إلى مؤسسة جماهيرية تمارس فيها
حرية التعبير بالشكل المعقول والمناسب مثلما يمارسها الفرد في ساحة المجتمع.
الاحتمال
الثاني: أن يكون هذا التوسع طريقًا لتغلغل العناصر المضادة للحرية مثل الشيوعيين
وأصحاب المنافع المؤقتة وبالخصوص إذا تحفظت التيارات الإسلامية من المشاركة في
الجبهة الأمر الذي سيؤدي إلى انتكاسة جديدة في الديمقراطية وسوف تصبح الجبهة حزبًا
كما كانت سابقًا رغم المحاولات الشكلية التي يمكن أن يقوم بها النظام لتضليل
الآخرين.
الاحتمال
الثالث: أن يتم الإعلان صراحة عن التعددية الحزبية وذلك بالسماح لكافة الدعوات
الحزبية في تأسيس التنظيمات الحزبية وممارسة العمل السياسي والنقابي الحر دون قيد
أو شرط اللهم إلا ما يقلق منه بالمصلحة العامة والتي يتفق الشعب على مضمونها.
لكن أي تعددية تلك التي سيسمح بها النظام
الجزائري؟ هل التعددية التي تقوم على الحزبين أم التعددية المقيدة لعدد محدود من
الأحزاب أم التعددية المفتوحة؟
إن كل شكل من أشكال التعددية الحزبية له سلبياته
وإيجابياته، وقد يقوم النظام بامتطاء النهج الأول أي التعددية القائمة على الحزبين
الرئيسيين ثم تتدرج نحو التعددية التي تقوم على أكثر من حزبين دون الوقوع في
التعددية المفتوحة.
الاحتمال
الرابع: وهو احتمال يغفله العديد من المحللين السياسيين والمراقبين للأوضاع التي
تعيشها الجزائر في تجربتها الديمقراطية ويتمثل هذا الاحتمال في قيام النظام نفسه
بإعلان حرية التعبير دون تنظيمات سياسية معللًا ذلك بأنه إن كانت الغاية من
الديمقراطية تمكين الإنسان من حرية التعبير بشكل مباشر وحقه في المشاركة السياسية
التي تفضي للمشاركة الاقتصادية فإن النظام سيحقق لهذا الإنسان هذين الحقين دون
تنظيمات سياسية حزبية على أساس أنه إذا حضر الماء بطل التيمم. وبشرط أن يتمثل في
النظام ذروة العدل والإنصاف والزهد بالحظوظ.
وهذا الاحتمال وارد لكن تدور حوله بعض الملاحظات:
1 - هل سيبقى النظام نفسه بأشخاصه ورموزه
أم أنه سيستقيل ليترك حرية الاختيار للإنسان الجزائري.
2- كيف تضمن الجماهير عدم استغلال النظام
لهذا الطرح الجديد بحيث قد يجعل كل الشروط مناسبة كي تتم مصادرة الحريات بحجة
الخوف على الحريات.
خلاصة
وتوصيات
من نافلة القول أن نشير إلى أن معظم التوقعات حول
التجربة السياسية الديمقراطية في الجزائر قد تأتي بالنقيض، فالتركيبة السياسية كما
أسلفنا معقدة والإنسان الجزائري الهادئ سرعان ما يتحول إلى بركان إذا وجد أن الوقت
مناسب للانفجار.
إن الإصلاحات التي تمت من خلال تعديل جزئي
للدستور أو تشكيله جديدة للحكومة وما تلا ذلك من وعود لضمان الحريات، هي نقلة جيدة
بالقياس إلى المرحلة التي وصلت إليها الديمقراطية، غير أن هذه النقلة ليست هي
المنشودة بالنسبة لجماهير ذاقت الكثير من الحرمان السياسي والاجتماعي والاقتصادي
والثقافي سواء في الفترة التي كان فيها المستعمر هو الحاكم أو في فترة الاستقلال.
وإذا أرادت الجزائر أن تخرج بتجربتها الديمقراطية
من مأزقها الحرج فليس لها من طريق سوى الاعتراف بالحقوق الأساسية للإنسان الجزائري
واحترام كرامته، وتهيئة كافة الظروف للمشاركة السياسية في اتخاذ القرار كما حددها
الإسلام والتي ستقفي بالتالي إلى المشاركة الاقتصادية بحيث ينتقل الإنسان الجزائري
من مرحلة البطالة والفقر والبؤس إلى مرحلة اقتسام الثروة بالشكل المعقول والمقبول
وبكلمة أخرى الانتقال من المجتمع المنقسم إلى طبقتين طبقة تملك وأخرى لا تملك إلى
المجتمع الذي يشترك فيه الجميع بالامتلاك والعمل.
وإن الجزائر لتملك من القيم قيم الماضي وإمكانات
الحاضر وطموحات المستقبل ما يمكنها من الوصول إلى مصاف الدول الصناعية في مدة
وجيزة.
ويبقى الحديث عن مستقبل التجربة الديمقراطية في
الجزائر نوعًا من الرهان الخاسر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل