العنوان إلى اللامنتميين مع التحية
الكاتب أحمد بوزبر
تاريخ النشر الثلاثاء 16-أغسطس-1983
مشاهدات 76
نشر في العدد 633
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 16-أغسطس-1983
واللامنتمون كثيرون، ولهم عندي شتى التقسيمات؛ إذ إنهم يتلونون في شتى الملل والنحل، فتارة هم في شكل ساسة، رفعوا شعار الإسلام، وهم عنه بعيدون، وأخرى هم في شكل أدباء وشعراء ومفكرين وقادة، سخروا فكرهم وشعرهم وأدبهم لتجميع الجيل المسلم، وثالثة هم في شكل رجال دين، ضعفوا أمام سوط السلطان، فأفتوا بما يبيح حرامًا، أو يحظر حلالًا، تارة هم رجال، وأخرى هم نساء مائلات مميلات، على رؤوسهن كأسنمة البخت الهائلة، تارة هم كبار متنفذين، وأخرى هم صغار متسلقين، تلك هي فئات اللامنتمين، وتقسيماتهم.
عزيز القارئ:
إلا أننا اليوم على موعد مع نوع من هؤلاء جديد، أولئك هم السلبيون من أبناء الحركة الإسلامية، الذين لهم مع الحركة تاريخ، ويربطهم بها رابط ما عضويًا كان، أم أخويًا، تنظيميًا كان أم وديًا، لكنهم أثروا الوقوف بعيدًا هناك، ينظرون للميدان المحتدم الذي تعيشه الحركة اليوم نظرة فيها من السلوك الانسحاب والنقد النظري الكثير، بينما الواقع والمنطق السليميان يلزمان هؤلاء أن يسلكوا مواقف أكثر إيجابية، أو لنقل -إن أردنا تخفيف العبارة- أقل سلبية مما هي عليه الآن.
عزيزي القارئ:
رغبة في وضع النقاط على حروفها، تعال لنفتح حوارًا مع هؤلاء، والذين هم أيضًا أصناف، تتعدد وتتباين كل له تبرير، وكل له وضعية وغاية تميزه عن الآخرين، لكنهم عندي جميعًا -من هو منهم داخل الحركة، ومن هو منهم خارجها- يجمعهم قاسم مشترك أكبر، هو انتماؤهم إلى مجموعة «اللامنتمين» هؤلاء.
وهم من تلمس فيهم صفات القيادة وروح العطاء، بل والقدرة عليه لما هم متمتعون فيه من كفاءات تؤهلهم للبروز السريع وقيادة العمل، هذا إن لم يكونوا قد مارسوا هذا بالفعل يومًا ما عن جدارة واستحقاق، فارضين أنفسهم في مجالاتهم المتعددة، لكنهم اليوم قد تغير عليهم الظرف، أو تبدل منهم الحال، فكان منهم أن قصرت أيديهم في العطاء -رغم حفظهم للعهد وبقائهم على الولاء- بدعوى أن جو الحركة اليوم ما عاد يعينهم على التحرك بحرية، أو يسمح لهم بالتنفس بارتياح أو هكذا هم يظنون.
هؤلاء تحيتي لهم -فيما قدموه- كبيرة، ودعائي لهم -فيما أنجزوه- متواصل، لكنني أختلف تمامًا معهم في أن الجو قد تكهرب، وأن سبل العطاء قد سدت، بل إني أراها اليوم -مفتوحة- بأوسع مما كانت عليه قبل، فقط لو أن أعزاءنا هؤلاء كان لهم من طول النفس ودقة العرض ووضوح الهدف التغييري ما يمكن أن يستعينوا به على مداومة الطرح، واستمرار العمل، وإلا فليعذرني أمثال هؤلاء إن صنفناهم ضمن «اللامنتمين».
وهم من يغلب عليهم طابع الفكر، والقراءة، والميل إلى التأليف والتنظير، والبحث وإعداد الدراسات، وهؤلاء لا نعيب عليهم هذا الطابع -ولا يحق لنا هذا- بل نحن نطلبه، ونطالب به ونرى أن وجود أمثال هؤلاء داخل جسم الحركة الإسلامية إثراء لها، وتنمية لمؤسساتها لو أنها أفلحت في استقطابهم واستثمارهم، وعرفت كيف تبلور طاقاتهم، وتفجر قدراتهم لتجعلها تصب ضمن البوتقة الجماعية وفق الأطر النظامية المعروفة.
لكننا في المقابل نجد أنفسنا بحاجة إلى تذكير هؤلاء بما يسمى في علم الإداريات بـ «دورة الفكر والمؤسسة»
هذه الدورة هي أشبه بدورة الماء في الطبيعة، فالمؤسسة تنبأ بفكرة تكبر، تتأصل، تتأطر، يقتنع بها جمع من الناس، فيلتف حولها، ويعتنقها لتغدو عرفًا كمرحلة أولى، ثم يبدأ يبني حولها نواة لمؤسسته، ثم «مع الزمن» تبرز عند التطبيق العملي لهذه الفكرة عيوب، وتظهر لها ثغرات يعمل على سدها بأن يراجع صاحب الفكرة فكرته، أو يراجع أصحاب المؤسسة تطبيقاتهم لها؛ علهم يكونون هم المقصرين، وهكذا تنمو المؤسسة باستدراك النقص، وتبلور الفكر بإعادة الفحص في متوالية مستمرة، تربط الفكر بالمؤسسة كي لا يحدث انبثات، كما تربط المؤسسة بالفكر كي لا يكون الجمود.
هذه الدورة ينبغي أن يدركها أمثال هؤلاء المنظرون حتى لا يكون منهم الاستعجال، كما يجب أن تدركها أيضًا الحركة، كي لا يتحول تنظير هؤلاء المبكر إلى أن يسبق المؤسسة سبقًا مثبتًا، لكن ليعذرني أمثال هؤلاء الأفاضل -إن جمد منهم التفكير، وأثروا الانزواء، وتعللوا بفشل محاولاتهم المتكررة في تطوير حركاتهم- ليعذروني جميعًا إن اعتبرناهم ضمن قائمة «اللامنتمين» هذه.
ونعني بهم أولئك المنفذون من أبناء الحركة، الذين استأنسوا التنفيذ، وركنوا إليه، دونما محاولة تذكر للسعي في ترجمة تخطيط المنظرين أو خطط القيادين إلى برامج وأنشطة عملية، وهؤلاء يغلب عليهم طابع الحماسة، والحركة الدائبة على طابع القدرة على التفكير الخططي، أو البرمجة المستقبلية، مما جعلهم في مستوياتهم يراوحون، وعند حدود ثابتة واقفون.
وتحيتي إلى هؤلاء؛ أنهم هم الرصيد الذي تعتمد عليه الحركة اليوم في تنفيذ برامجها، وتحويل قراراتها إلى مناشط وتنفيذات، لكننا نلمس من بعضهم اليوم جمودًا في الأسلوب، وتقليدًا في الوسيلة، وتبلدًا في القدرة الابتكارية والإبداع التنفيذي حتى غدت برامجهم نسخًا متكررة، وطرقهم التربوية تشابها كربونيًا لمن سبقهم من الدعاة والمربين.
هؤلاء إن أتقنوا الابتكار والتجديد، وأدركوا أن التنفيذ في حد ذاته فن يحذق، وليس ميكانيكًا تمارس، فلهم منا كل تحية وإكبار، وإن فضلوا الانزواء، وقنعوا بالعطاء، ورضوا بما هم فيه، وانحصرت أنظارهم إلى ما هو تحت أقدامهم فقط، وغرقوا بالممارسات التنفيذية اليومية، واستهلكهم التقليد فليلتمسوا لنا عذرًا إن أقحمناهم ضمن قائمة «اللامنتمين» رغم ما تشهده لهم الحركة من انتماء مصيري، وعطاء ميكانيكي، يمتلأ تقليدًا ومحاكاة
تلك كانت جولة مع بعض من هؤلاء اللامنتمين، المنتمون للحركة الإسلامية، والتي هي اليوم تأن من بعضهم، وتحتج على بعضهم، وتعاتب بعضهم الآخر، عرضناهم لك مثالًا لا حصرًا؛ لتنظر نفسك، وتقيس أمرك، وتبحث عن غرسك، فتلزمه محاولًا معنا انتزاع كل من هؤلاء من عزلته وصومعته وفئته، لترشده الطريق طريق التغيير الواضح الواسع الصحيح؛ علهم يستمعون، فيستجيبون، فتكون منهم النفرة والمبادرة لتعزيز وجودهم في إطار الحركة، وتعزيزها هي بوجودهم فيها، واجب تلقيه -عزيزي القارئ- كما نلقيه اليوم على كل ابن بار للحركة الإسلامية.