العنوان إلى المربين وذوي الاختصاص
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 15-يونيو-2013
مشاهدات 37
نشر في العدد 2057
نشر في الصفحة 54
السبت 15-يونيو-2013
(*) إجازة في الشريعة
مرت الثواني والدقائق عليه، وتلتها الساعات والأيام والليالي، وجرت السنة وراء أختها وفاتت معها، وإذا بالسنين تنقضي والعمر يمضي، ويعلن ذلك ظهور المشيب، وقد اشتعل الرأس به شيبًا، وهو ما زال أبًا مربيًا وناصحًا، بل وجدًا حانيًا ورفيقًا.
لقد علمته السنون التي كان يتذوق فيها حلاوة تربية ولده، ويكابد معها مشقة التربية حين يثابر، ويجتهد في سبيل أن يغرس غرسه، ويبذر بذره.. كان حريصا على نظافة أرضه دائم الري والرعاية لها، قاوم كل الآفات وعالج جراحها وطهرها، وها هي والحمد لله قد أتت أكلها إذ أنبتت بذور الذرية الطيبة، وأثمرت الولد الصالح الذي يدعو وسيدعو له.
أولادنا اليوم أحوج ما يكونون لصلاح آبائهم ونصائحهم الصالحة.. إذ يعيشون بين تناقضات عديدة وتحديات كبيرة
أما الآن فإنه يرى العالم وكأنه بيت كبير يضم غرفًا متجاورة، لا تفصلها حدود، فكل ساكنيها يرى ويسمع ما يدور فيها، ويؤثر على غيره في سيره إما بالتشجيع وإما بالتثبيط وذلك بنقرة لطيفة على باب الغرفة، أو غمزة عين أو إشارة يد فرأى التحديات في طريق التربية قد كبرت ورأى ضحاياها يقع الواحد منهم تلو الآخر، والعالم يعج في حالة من اللهو القاتل والصمت المشين، والتكنولوجيا المدمرة! إلا من رحم الله فخشي على أحفاده وذريته من بعده.
إنه لم يكن يملك الموبايل ولا الكمبيوتر ولم يعمل حسابًا على الإنترنت أو «فيسبوك» أو «السكايب» أو «تويتر»، لكنه كان يملك رصيدًا كبيرًا من القيم العالية والأخلاق الرفيعة استمدها من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم تمنى لو اصطبغت هذه القيم وتلك الأخلاق بالطفرة الكبيرة التي توصل الناس إليها من العلم والتكنولوجيا، فدخلت كل بيت لتكون أداة فاعلة تخدمهم في التربية، وتمني أن تكون منتجًا عظيمًا للمسلمين ونوعًا راقيًا من تكنولوجيا الأخلاق والقيم.
رأى التحديات الوافدة كثيرة، والعقبات المتولدة عنها واردة والعالم يتغير بسرعة فائقة والناس بين هذا وذاك يغدون، وكل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها».. لكن ذلك كله لم يمنعه من إسداء النصح وتذكير الولد من حين لآخر، مستعينًا بالله عز وجل أولا، ثم بما تيسر له من وسائل التربية المتاحة، فطلب من الله تعالى أن يحفظه في ولده وذريته ويثبتهم على الإيمان والصلاح من بعده.
الأب الصالح
والصالحون في كل زمان ومكان حريصون على صلاح أولادهم، يدفعهم ذلك إلى تقوى الله عز وجل، قال الحافظ ابن رجب يرحمه الله: قال سعيد بن المسيب لابنه: لأزيدن في صلاتي من أجلك رجاء أن أحفظ فيك.. ثم تلا هذه الآية: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ ( الكهف : ۸۲) .
وقال عمر بن عبدالعزيز: ما من مؤمن يموت إلا حفظه الله في عقبه وعقب عقبه.
وقال ابن المنكدر: إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده والدويرات التي حوله فما يزالون في حفظ من الله وستر.
وقال ابن كثير في تفسيره وقوله: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالحًا﴾ فيه دليل على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته، وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة.
وقال القرطبي: فيه ما يدل على أن الله تعالى يحفظ الصالح في نفسه وفي ولده وإن بعدوا عنه، وقد روي أن الله تعالى يحفظ الصالح في سبعة من ذريته؛ وعلى هذا يدل قوله تعالى: ﴿إِن وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾ (الأعراف:196).
وصية أب
كما بذل الآباء الصالحون من أنفسهم النصيحة الخالصة لأولادهم، فينصح علي بن أبي طالب ولده فيقول له:
«يا بني: أوصيك بتقوى الله عز وجل في الغيب والشهادة وكلمة الحق في الرضا والغضب، والقصد في الفقر والغنى، والعدل على الصديق والعدو والعمل في النشاط والكسل والرضا عن الله في الشدة والرخاء.
يا بني ما شر بعده الجنة شر، ولا خير بعده النار خير، وكل نعيم دون الجنة حقير، وكل بلاء دون النار عافية، واعلم يا بني أن من أبصر عيب نفسه شغل عن عيب غيره، ومن رضي بقسم الله لم يحزن على ما فاته، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن حفر لأخيه بئرًا وقع فيها، ومن هتك حجاب أخيه انكشفت عورات بنيه ومن نسي خطيئته استعظم خطيئة غيره».
ونصح الإمام ابن الجوزي ابنه فقال: «يا بني.. اعلم وفقك الله للصواب أنه لم يتميز الآدمي بالعقل إلا ليعمل بمقتضاه، فاستحضر عقلك وأعمل فكرك واخل بنفسك، واعلم أنك مخلوق مكلف، وأن عليك فرائض أنت مطالب بها، وأن الملكين يحصيان ألفاظك ونظراتك، وأن أنفاس الحي خطاه إلى أجله، ومقدار اللبث في الدنيا قليل والحبس في القبور طويل، والعذاب على موافقة الهوى وبيل، وراع عواقب الأمور يهن عليك الصبر عن كل ما تشتهي وتكره، وإن وجدت من نفسك غفلة فاحملها إلى المقابر وذكرها قرب الرحيل فأين لذة أمس؟ رحلت وأبقـت نـدمًـا، وأين شهوة النفس؟ كم نكست رأسًا، وأزلت قدمًا وما سعد من سعد إلا بخلاف هواه، ولا شقي من شقي إلا بإيثار دنياه، واعلم أن أداء الفرائض واجتناب المحارم لازم، فمتى تعدى الإنسان فالنار النار، واعلم يا بني أن الأيام تبسط ساعات والساعات تبسط أنفاسًا وكل نفس خزانة، فاحذر أن يذهب نفس بغير شيء، فترى في القيامة خزانة فارغة فتندم وحاسب نفسك عند كل نظرة وكلمة وأد إلى كل ذي حق حقه، وانظر كل ساعة من ساعاتك بماذا تذهب فلا تودعها إلا أشرف ما يمكن ولا تهمل نفسك، وعوّدها أشرف ما يكون من العمل وأحسنه وابعث إلى صندوق القبر ما يسرك يوم الوصول إليه.
إلى المربين وذوي الاختصاص:
أيها المربون المخلصون.. إن أولادنا اليوم هم أحوج ما يكونون لصلاح آبائهم ونصائحهم الصالحة، إذ يعيشون بين تناقضات عديدة وتحديات كبيرة، والمربي الناجح هو الذي يستطيع أن يعرف كيف يوافق ويوازن بين الشيء وضده، ويجعل من السهم المصوب لصدره أداة تخدمه وسهما يحميه، وأقصد بذلك إيجاد البدائل التربوية الموافقة للدين وترويض ما يخالفه منها لخدمته، وتسخير كل الوسائل المتاحة في عصره لخدمة هدفه في تربية النشء وفي ظني أن هذه مسؤولية مشتركة بين الوالدين والمجتمع بكافة أطيافه فالتحديات كثيرة وقوية، والتيار لا يتوقف والموج جارف والثبات يصعب في تلك المواقف إلا من وفقه الله وأعانه على النجاة وسلوك سبيل المتقين.. فالمؤثرات في التربية كثيرة والعوائق متنوعة، ويتطلب ذلك وقفة جادة من كل المربين وذوي الاختصاص للبحث عن أفضل الحلول وطرحها وبرمجتها لسد الفجوة أمام المؤثرات المضادة، والتي منها على سبيل المثال:
- الغزو الثقافي والفكري، وانخفاض مستوى التعليم وضعف الاهتمام به.
- جهل بعض الآباء والأمهات طرق التربية السليمة ووسائلها وما صاحب ذلك من تمرد بعض الأبناء.
- انشغال الوالدين أو أحدهما بالدراسة أو بالعمل.
- خروج المرأة للعمل مع حاجة الأولاد إليها، وترك التربية للأم البديلة «الخادمة - الحاضنة – الأهل».
- فقدان الأسرة الكبيرة «العائلة» وتراجع قيمها العالية التي كانت تزينها.
- تقلص دور الأب والمدرسة والمعلم والصحبة والمسجد والعلماء والبيئة والمجتمع.
- الخلافات الزوجية وكثرة حالات الطلاق وارتفاع سن الزواج وكثرة تكاليفه.
- اتساع الفجوة بين الأبناء والآباء والتمسك ببعض العادات والتقاليد السلبية. - الحياة الاقتصادية الصعبة مع طغيان المادة، والاهتمام بالظاهر على حساب الأخلاق والدين.
- الفهم الخاطئ للدين والتقصير في تعليمه، وانتشار بعض المفاهيم الخاطئة.
- نظام الدراسة والتعليم ومناهجه، والمذاكرة المتواصلة التي لا مجال معها لأي نشاط بدني أو اجتماعي.
المربي الناجح يستطيع أن يعرف كيفية إيجاد البدائل التربوية الموافقة للدين وترويض ما يخالفه منها لخدمته .. وتسخير كل الوسائل المتاحة في عصره لخدمة هدفه في تربية النشء
- هجر القراءة، واستبدالها بالألعاب الإلكترونية ووسائل الاتصال الحديثة، مع فقدان القدوة الصالحة.
- عدم الاهتمام بالرياضة البدنية بأنواعها المختلفة، وقلة أماكن ممارستها.
- ضعف اللغة العربية وضعف الهوية الإسلامية والانبهار بالغرب وتقليده بلا تمييز والهزيمة النفسية.
- الفراغ الفارغ وقلة أماكن الترفيه النظيف، وغلاء رسوم دخولها.
- إلف المنكر والخطأ والاعتياد عليه، وتدني الأخلاق والانفصام بين الأخلاق والعبادات.
- التكنولوجيا الساحرة، والشاشة الصغيرة وغياب الدور التربوي في وسائل الإعلام.
- انتشار المخدرات وترويجها والتجارة فيها على حساب أبنائنا وآثارها السيئة على الجميع.
- مشكلات العالم العربي والإسلامي الكثيرة، والتعصب السافر ضد الإسلام والمسلمين.
- قلة المؤسسات الدينية وعوزها المادي وضعف دورها، وهذا خاص بالنسبة للمسلمين المقيمين في الغرب.
ولا شك أن هناك مؤثرات أخرى تزيد من التحديات، لكن هذا لا يعني أننا عاجزون عن حسن التربية، بل لابد أن تتكاتف الجهود ولا سيما من المربين والتربويين لبيان أفضل طرق التربية وتطوير أساليبها والاستفادة من التقدم المعاصر الذي نشهده.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل