العنوان إلى المسافرين إلى تايلاند الإيدز في انتظاركم
الكاتب عمر ديوب
تاريخ النشر الثلاثاء 21-يوليو-1992
مشاهدات 78
نشر في العدد 1008
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 21-يوليو-1992
إن الحديث عن مرض فقدان المناعة "الإيدز" ليس بجديد ولا يمثل أيضًا موضوع الساعة غير أن مطالعتنا لبعض الصحف والمجلات الأجنبية وبغية التزود بمعلومات جديدة حول هذا الموضوع يجعلنا نجنح في بعض الأحيان عن صلب المسألة والتأمل بين فينة وأخرى عن النفس البشرية وما وصلت إليه في بعض المجتمعات من انحطاط وحب للرذائل.
وقد أسهبت مجلة «نيوزويك» مؤخرًا في وصف
ما جنى الشعب التايلاندي على نفسه بالطبع، فلم تسلم أي بقعة من بقاع العالم من
ويلات هذا المرض غير أن سرعة انتشاره في التايلاند لهو أمر يثير القلق، إن لم نقل
الذعر إذا عرفنا أن عدد حالات الإصابة قد بلغ الـ500 ألف حالة على الرغم من أن
الإحصائيات الرسمية تميل إلى التقليل من هذا العدد وحصره ما بين (200.000 – 400.000) حالة في حين تتوقع منظمة
الصحة العالمية أن يصل عدد المصابين إلى ما بين 2 - 4 ملايين حالة بحلول عام 2000
في بلد لم يكتشف فيه أول حالة إصابة لهذا المرض الفتاك إلا في عام 1984.
|
* المصابون بالإيدز
في تايلاند نصف مليون ومنظمة الصحة العالمية تتوقع وصولهم إلى أربعة ملايين
بحلول عام 2000 |
ومن دواعي الأسف أن مدينة «بانكوك» قد
اصطبغت في السنوات الأخيرة بصبغة لا يفتخر بها أي تايلاندي شريف يؤثر العفة وصلاح
مجتمعه ويعاف سلوك الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا.. ذلك أن تايلاند
لم تعد محط أنظار المعجبين لما أنجزته على الأقل في المجال الصناعي بل تكاد تتحول
إلى مرتع خصب لضعاف النفوس.
لقد ظهر فيروس "الإيدز" لأول
مرة في تايلاند لدى أوساط المنحرفين جنسيًّا، أي الذين يأتون الرجال شهوة من دون
النساء، ثم أخذ يفتك برواد بيوت البغاء المنتشرة في كل أنحاء التايلاند بشكل يندى
له الجبين، ثم لم يلبث أن أخذ طريقه إلى كافة طبقات المجتمع التايلاندي دون تمييز
بين رجل الأعمال وماسح الأحذية.
ظاهرة الانحلال
إن المعضلة الكبرى تكمن في انتشار
الانحلال الأخلاقي لدى الشعب التايلاندي وقد حدث في الصيف الماضي أن شاهدًا رأى
بأم عينيه أحد الآباء وقد أخذ بيد ابنه متوجهًا إلى بيوت الهوى وعند الوصول إلى
المكان الملعون أخرج الوالد من جيبه ورقة نقدية قيمتها مائة "باهت" (ما
يعادل 4 دولارات) وأمر ابنه بالتوجه إلى إحدى تلك البيوت لإشباع شهوته، ثم لبث هو
منتظرًا عودة ابنه، وهذا المثال غيض من فيض.
وهناك ظاهرة أخرى تدعو إلى التقزز ألا وهي
احتراف الأطفال الإناث دون الرابعة عشرة مهنة الدعارة طوعًا أو كرهًا، سواء عن
طريق الاختطاف أو بأمر من قبل الآباء بذريعة الفاقة، وكان في الأمر نوع من تواطؤ
السلطات التايلاندية التي ترى في هذه التجارة الشائنة مصدرًا للعملات الصعبة لما
تجذب من "السياح" الأجانب.
إن التحدي الذي تواجهه الحكومة وكذلك
العاملون في المجال الصحي يكمن في كيفية تغيير طريقة تفكير الناس عن الجنس، ذلك أن
الغالبية من التايلانديين يعتقدون أن الذهاب إلى بيوت الهوى مثل الذهاب إلى أي محل
آخر لشراء شيء ما مثل الجرائد والحليب.. وأنه بمثابة ترفيه مقبول ورمز للرجولة
بالإضافة إلى أن كثيرًا من الرجال يعتقدون أن سعادتهم تكمن في ارتياد بيوت البغاء
أو ارتكاب الخيانة الزوجية بذريعة أنهم يعملون كثيرًا، وبالتالي فإنهم بحاجة إلى
لهو أكثر، متجاهلين ﴿قُلۡ إِنَّمَا
حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ﴾ (الأعراف:33)..
ولله في خلقه شؤون.
وتفيد دراسات موثوقة نشرتها مجلة
«نيوزويك» الأمريكية أيضًا أن أكثر من 400 ألف تايلاندي يرتادون بيوت الدعارة بصفة
يومية وأن نسبة ما يعادل 75% من الشعب قد ارتكبوا ولو مرة واحدة جريمة الزنا، وأن
الانحلال الأخلاقي أصبح أمرًا يتوارث من أب إلى ابن ومن جيل إلى جيل إلى درجة أنها
أصبحت جزءًا من كرم الضيافة!
إن القانون التايلاندي يمنع ممارسة
الدعارة غير أن بيوت البغاء أكثر انتشارًا من متاجر الأحذية أو محطات البنزين..
وقد صرحت الحكومة أن عدد العاهرات يبلغ الـ80 ألفًا على المستوى الوطني بيد أن
الخبراء يرون أن عددهن تجاوز الـ200 ألف.
ولا غرو في أنه قبل أن يتمكن الرجال في
التايلاند من تغيير عاداتهم الجنسية فإن عليهم أولًا أن يغيروا نظرتهم المحتقرة
للمرأة والمتمثلة في اعتبارها مجرد لعبة لإشباع الشهوات وكم كانت المرأة
التايلاندية ضحية لفيروس "الإيدز" نقله إليها زوجها.
إن انتشار مرض الإيدز، سواء في التايلاند أو غيرها من الدول مؤشر للفساد الاجتماعي والنأي عن التعاليم السماوية التي تحث على العفة واجتناب الرذائل وعلى الحكومات أن تضطلع بالدور المناط بها في محاربة الآفات الاجتماعية بما فيها انتشار المخدرات والإباحية المطلقة وما شابه ذلك أن حفنة من الدولارات لا تقارن بصلاح المجتمع وعليه فإن على السلطات التايلاندية أن تعمل شيئًا ما لوضع حد لظاهرة الفساد التي أصبحت وصمة عار في جبين كل تايلاندي وعاقل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل