العنوان إلى قادة الأمة الإسلامية
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يناير-1987
مشاهدات 99
نشر في العدد 802
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 27-يناير-1987
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لقد أحدق بأمتكم الخطر من كل جانب، واشتدت عليها المحن والنكبات، فهي تتطلع إليكم،
آملة أن يكون الانفراج على أيديكم، باعتباركم قادتها، تحملتم عنها المسؤولية في حل
مشاكلها، وكف الأذى عنها، وحمايتها من السقوط، والوقوع فريسة لمؤامرات الأعداء، وحماقات
الأصدقاء.
إن مسؤولية قيادة الشعوب والأمم ليست سهلة، إنها تطويق أعناق بمسؤوليات جسام،
وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا
الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (الأحزاب: ۷۲).
لا ريب أن أهم القضايا الملحة التي بين أيديكم، هي الحرب العراقية الإيرانية،
وحرب لبنان، وما فيها من مخيمات الفلسطينيين، وقضية أفغانستان.
فالحرب بين إيران والعراق، نرجو أن يفهم أهل الشأن فيها أن أعداء المسلمين لا
يريدونها أن تتوقف؛ لأنها أصبحت مصدر دخل لخزائنهم، وتشغيل لمصانعهم، وتوفير عمل لمواطنيهم،
وإضعاف للإسلام والمسلمين، وقد تحقق لهم كل ذلك من غير عناء منهم، ألا ترون- يا أصحاب
الشأن- أنه يكفي ما جرته هذه الحرب من دمار للمدن، ومعالم الحضارة والاقتصاد، وما سفكته
من دماء؟! ألا يكون لنا في سلفنا قدوة حسنة، فقد قبل الإمام علي- رضي الله عنه وكرم
الله وجهه- بالتحكيم حقنًا لدماء المسلمين، وضحى الإمام الحسن بن علي- رضي الله عنه
وأرضاه- بالخلافة وتنازل عنها، حقنًا لدماء المسلمين، ورضي الظلم على نفسه في سبيل
ألا تسفك دماء المسلمين، مع أنه هو المحق، وهو الأولى والأحق بالخلافة، فسلام الله
على أهل بيت النبوة الطاهرين، لقد كانت دماء المسلمين عندهم أعز من الدنيا وما فيها،
وسفك الظلمة دماءهم ولم يقبلوا أن يسفك دم امرئ مسلم من أجلهم، ذلك لأن رسالتهم كانت
رسالة محبة ووئام وسلام، لا رسالة كراهية وبغض وانتقام، فالمطلوب منكم- أيها القادة-
أن يكون عزمكم قويًا لإنهاء هذه الحرب، فكفى سفك دماء، وكفى تخريبًا وانهاكًا وتبديدًا
للإمكانيات والطاقات، ولنتذكر قول الرسول- صلى الله عليه وسلم- لنا: «إن دماءكم وأموالكم
عليكم حرام».
وقد أحسنت دولة الكويت صنعًا عندما اقترحت تكوين محكمة عدل إسلامية، على غرار
محكمة العدل الدولية، فما أحرانا- نحن المسلمين- أن نحل مشاكلنا بأنفسنا، وعلى هدى
من شريعتنا، وأود أن أشير هنا إلى أنه ليس من الضروري أن يكون قانون المحكمة المقترحة
طبق الأصل من قانون محكمة العدل الدولية، بحيث تكون أحكامها غير ملزمة للأطراف؛ لأن
محكمة العدل الإسلامية يجب أن تقوم أحكامها على القاعدة الإسلامية التي جاءت في القرآن
الكريم في قوله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا
بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي
حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ
وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا
بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الحجرات:٩- ١٠).
فهذه القاعدة تقضي بأن يرغم الباغي المبطل على قبول الحق، فلا يترك المبطل على
باطله، ولا الباغي على بغيه.
أما حرب لبنان فقد قضت على الأخضر واليابس، وأصبح لبنان غابة وحوش، يفترس القوي
فيها الضعيف، وأصبحت الطائفية فيها هي الوحش المفترس الأكبر، والفلسطينيون يقتلون في
المخيمات، فهل هذه هي العودة التي يريدونها لهم؟ فهل العودة أن يباد الفلسطينيون، وتقتل
نساؤهم وأطفالهم، وتحاصر مخيماتهم؟ فإذا كنا نحمل أميركا والغرب المسؤولية في مساعدة
إسرائيل، أليس ذلك منا مساعدة لإسرائيل، التي احتلت كل فلسطين، وتسوم أهل الأرض المحتلة
الآن العذاب، واحتلت أجزاء من الوطن العربي، وزحفت على لبنان، واحتلت جنوبه؟ فلماذا
لا يتوجه هؤلاء الذين يحملون السلاح في لبنان لمحاربة العدو الزاحف، بدلًا من أن يقتتلوا
بينهم، ويخربوا بيوتهم بأيديهم؟ لقد أصبح اللبنانيون والفلسطينيون اليوم ضحية لحماقة
الزعماء، والمطلوب من مؤتمر القمة أن يبذل قصارى جهده في إقامة سلطة شرعية قوية في
لبنان، لا تستند على الهيمنة الطائفية.
وأما قضية أفغانستان فإنكم تعلمون أن الحرب الدائرة هناك هي بين الشيوعية والإسلام،
شعب مسلم أريد أن يفرض عليه حكم شيوعي، وزحفت أكبر دولة شيوعية، واحتلت هذا الجزء من
بلاد المسلمين، مائة وعشرون ألف جندي سوفييتي يحتلون أرض أفغانستان الآن، وأحرى بمؤتمركم-
ليصدق عليه اسم المؤتمر الإسلامي- أن تقف كل دولة فيه إلى جانب شعب أفغانستان، وتطالب
الاتحاد السوفييتي بأن يسحب قواته، ويمكن الشعب الأفغاني من تقرير مصيره بنفسه، وعلى
الدول الصديقة للاتحاد السوفييتي مسؤولية كبرى في إقناعه بأن يسحب قواته.
وأخيرًا هذا الإرهاب الذي أزهقت فيه الأرواح البريئة، وأثار الذعر والخوف بين
العالمين، فيجب أن يتخذ القادة منه موقفًا موحدًا، وخاصة الإرهاب الذي يمارس باسم الإسلام،
والإسلام منه براء، فليس الإسلام إرهابًا، ولا قتلًا، ولا خطفًا، فإن الذين يقومون
بهذه الأعمال ليسوا من الإسلام في شيء، وإنما يقصدون تشويه اسم الإسلام، وأما قاعدة
الإسلام في رد العدوان فهي المعاملة بالمثل للذين يقع منهم العدوان فقط، قال تعالى:
﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾
(البقرة: 194).
فلا دخل للمدنيين، ولا ركاب الطائرات المدنية، ولا النساء، ولا الأطفال، فكيف
يكون الإسلام إرهابًا واسمه يحمل معنى الأمن والسلام؟
هذه رسالة متواضعة أردت أن أذكر بها، والذكرى تنفع المؤمنين، والسلام عليكم ورحمة
الله وبركاته.