العنوان إلى من يهمه الأمر.. حدث مرة في السودان
الكاتب د. إسماعيل الشطي
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أبريل-1986
مشاهدات 63
نشر في العدد 765
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 29-أبريل-1986
سوار الذهب رجل
لا أعرف عنه الكثير.. ولا أعرف عن توجهه السياسي ولا أفكاره ولا آرائه.. كل ما
أعرفه أنه عسكري سوداني استولى على السلطة بعد انقلاب على الرئيس السابق جعفر
النميري، وأعرف جيدًا أنه تعهد منذ الأيام الأولى لانقلابه بتسليم السلطة للمدنيين
بعد انتخابات حرة يشارك فيها كل الشعب السوداني، ويومها لم أصدقه.. وأظن أن مثلي
كثيرون لم يصدقوه.. فلم يحدث في تاريخ العرب والمسلمين أن استولى رجل على السلطة
بالقوة وتنازل عنها طواعية وبدون إكراه.. لم يحدث ذلك- على الأقل- في حدود معرفتي
ومعلوماتي.
إن تاريخنا
العربي يروي لنا منذ الجاهلية الأولى عن حروب ضروس سميت «بالحالقة» لأنها أكلت
الأخضر واليابس من أجل الاقتتال على الزعامة.. وأن أكثر فترات الإسلام حزنًا
للنفوس تلك الفتن التي ماجت بالمسلمين بسبب مسألة الخلافة.
ويحدثنا التاريخ
أحيانًا عن أولئك السلاطين الذين اغتالوا أشقاءهم أو أبناءهم خشية التنافس على
الحكم والسلطة.. وأبشع صور الخديعة هي تلك التي يحدثنا عنها التاريخ المعاصر
لأولئك العساكر الذين ابتدعوا لعبة الانقلابات العسكرية.. فكلهم- كحسني الزعيم-
يأتي لمحاربة الفساد والاستعمار ولتحقيق إرادة الشعب والحفاظ على مكاسبه.. كلهم
يأتينا بهذه المزاعم.. وما أن تعلن الإذاعة عن البيان الأول حتى يبدأ الكذب
والخداع.. فالمغامرة العسكرية المحدودة تصبح ثورة شعبية وانتفاضة جماهيرية.. وتعلق
الحريات ويعلن الحكم العرفي من أجل تطهير الأجهزة من أعوان الرجعية والاستعمار..
ويغرق الشعب في تيار المحاكمات والتصفيات وتنتعش المخابرات وتزدهر الأساليب
البوليسية من أجل الحفاظ على الثورة.. وينتظر الناس- سنة تلو السنة- الوفاء بالوعد
وعودة الديمقراطية والحريات ورجوع العساكر إلى ثكناتهم لإعطاء الساسة فرصة إدارة
دفة البلاد، ولكن هيهات هيهات.. إن العسكري إذا وصل السلطة كان أبشع ما يكون
تعلقًا بها.. إنه أشد تماسكًا من المسمار في الأسمنت.
ولأن أصل اللعبة
أميركية نشأت ضمن التنافس الأميركي البريطاني في اقتسام مناطق النفوذ.. ولأن
اللعبة نجحت بانقلاب حسني الزعيم صار البريطانيون كذلك يستخدمون اللعبة الأميركية
ضد الأميركان.. وصارت التصفيات السمة البارزة لهذه اللعبة.. فلم يبق عزيز قوم إلا
ذل.. ولا ذليل قوم إلا عز.. وأصبح السوقة والفئات الوضيعة أسياد البلاد كما هو في
مصر والشام.
إن لمحة سريعة
على العالم العربي والإسلامي تكشف لنا هيمنة العساكر على القيادة السياسية.. وتكشف
لنا كم هي حريات الشعوب مسلوبة في أنظمتهم!! وكم هي كرامات الناس مهانة في حكمهم!!
وكيف تتحول الثروة الوطنية إلى غنيمة وإسلاب لقادة الانقلاب!! وليس من المستغرب أن
نقول إن «الحتمية» التاريخية المؤكدة في عالمنا الثالث هي «حتمية» التعسف
الدكتاتوري في حكم العساكر.
وأظن أن التاريخ
في المستقبل لن يرحم عساكر اليوم.. فقد كانوا أداة للدكتاتورية، والظلم، والقهر،
والتعسف.. في الوقت الذي أغرقوا شعوبهم بهزائم ونكسات، واستهلكوا معداتهم وذخائرهم
في حروب أهلية ومواجهات شعبية.
إن الصورة التي
نقدمها عن حكم العساكر وسلوكهم في العمل السياسي ليست ضربًا من ضروب التجني.. ولا
نوعًا من أنواع المبالغة.. إنها الصورة التي في أذهان كافة الواعين من الناس..
لذلك لم نصدق سوار الذهب عندما وعد بتسليم السلطة للمدنيين.. لأنه جزء من حاضر هذه
الأمة.. وامتداد لكافة أوضاعها.. ولكن المفاجأة أن سوار الذهب خرق القاعدة.. وكسر
الحتمية، وأثبت خلاف المعروف.
لأول مرة في
تاريخنا المعاصر- على الأقل- يستولي عسكري على السلطة من دكتاتور ليقدمها للشعب..
لم يحدث ذلك أبدًا إلا مرة واحدة هي في السودان.
إن السلوك
الحضاري الذي سلكه سوار الذهب السوداني يدخله تاريخ العرب ويسجل اسمه ضمن قائمة
الأوائل.. فهو أول قائد انقلاب عسكري يستولي على السلطة ليخلصها من دكتاتور ظالم
ويقدمها للشعب.. إن انقلابه أول انقلاب من نوعه في تاريخ العرب السياسي المعاصر،
إن عهدنا بالانقلابات- دائمًا- أنها تسلب حريات الشعب وتقف ضد إرادة الشعب ضمن
موكب مهرجاني من الشعارات الكاذبة.
ولقد كنت أتوقع
أن يكون سوار الذهب وسلوكه المتحضر موطن حوار الساسة ومجال حديث المفكرين
والمثقفين ومادة للكتاب وأصحاب الرأي.. فما أقدم عليه سوار الذهب يعتبر حدثًا
جديدًا من نوعه في العالم العربي.. ولا أدري ما الذي جعلهم يغفلون عن هذا المسلك
الجديد.
إنني أحيي سوار
الذهب نيابة عن كل مواطن عربي حر يعشق الحرية.. وأحيي الرمز الذي يعكسه العسكري
سوار الذهب ألا وهو أن العساكر لحماية الشعب وحرياته.. وأهنئ الشعب السوداني
بديمقراطيته والتي من خلالها انضم إلى الكويت كثاني دولة عربية تمارس ديمقراطية
حقيقية وناضجة.. والله الموفق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل