; إلى من يهمه الأمر.. لعلهم يرجعون | مجلة المجتمع

العنوان إلى من يهمه الأمر.. لعلهم يرجعون

الكاتب د. إسماعيل الشطي

تاريخ النشر الثلاثاء 03-يونيو-1986

مشاهدات 93

نشر في العدد 770

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 03-يونيو-1986

 

قبل صاعقة «المناخ» التي أيقظت الحالمين كان المغامرون في الكويت يجرفون معهم الناس إلى الهلاك.. لقد كان المناخ فتنة افتتن فيها الكثيرون.. الطالب في الجامعة ترك دراسته وراح يلهث وراء وهم الكنز.. والخريج ذو الخبرة في وظيفته استقال وركض يسبق الريح وراء وهم الكنز.. ومستورو الحال الذين جمعوا حصيلة جهدهم وعمرهم من المال وباعوا مساكنهم لدخول السباق وراء وهم الكنز.. وحتى المرأة القابعة وراء جدران البيت دفعت حصيلة إرثها إلى سوق المناخ للتنافس في السباق وراء وهم الكنز.. كانت بيننا شريحة من المجتمع مخدَّرة تلهث وراء وهم واحد اسمه الكنز أو الثروة الضخمة، لقد كان الدخول بمائة ينتهي بالخروج بمائة ألف.. والدخول بمليون ينتهي بالخروج بمليار.. وكانت هذه الأكذوبة -بحد ذاتها- كافية لإسالة لعاب المتطلعين لجمع الثروة..

وكانت مرحلة مقيتة من تاريخنا.. مرحلة الاستخفاف بنعمة المال والعبث به وسيادة عنصر السفهاء.. لقد كان مبلغ نصف مليون يصرف على عاهرة مقابل معصية يوم واحد.. وكانت عشرات الألوف تبعثر في شكليات تافهة.. وازدادت قصص أثرياء الخليج في الغرب حتى صنفتنا الشعوب المتقدمة في عداد الشعوب السفيهة.. وأعطينا لعدونا الصهيوني مادة جيدة للطعن فينا..

ولو استمر الحال على هذا الوضع لكانت الأزمة أكبر من أية كارثة لأنها ستفتك بكل بيت، لقد شاء الله أن نستيقظ من غفلتنا وأن ينكشف هذا الوهم، ولو لم تصعقنا الأزمة لاستمر مغامرو الشعب الكويتي في غيبوبتهم وأحلامهم الوهمية.. ولاستمر السباق وراء أوهام بناء الثروات والبحث عن الكنز..

ولقد قال سبحانه في محكم آياته ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (السجدة:21).

لقد كانت صاعقة المناخ صوت نذير لإنقاذنا علَّنا نرجع إلى وعْيِنَا وعقلنا.. ولقد كانت نوعا من العذاب.. إذ تسببت في انهيار بيوتات، ودخول سجون، وانشغال مؤسسات بأكملها في المشاكل التي جرتها الأزمة، واستنزاف أموال طائلة من أموال الشعب للخروج من هذه الأزمة، وما زالت تلك الأزمة تعصف بنا منذ ثلاث سنوات والكويتيون يتجرعون آلامها يوما بعد يوم.. ويكتشفون أبعادها ساعة بعد ساعة.

والحمد لله على كل حال.. لقد عاد الطالب إلى جامعته.. ورجع الخريج إلى وظيفته.. وعاد الناس إلى أوضاعهم السابقة ولكن بعد جراحات وخسائر فادحة.

ويفترض أن نتعظ من تجربتنا المريرة، وأن نستفيد من أخطائنا، وأن نتجنب كوارث أخرى..

يفترض من الحكومة أن تتشدد في تنفيذ القوانين التي تنظم الاقتصاد والمعاملات التجارية، وأن تتملكها الحساسية الشديدة في التصرف بالمال العام، وكم كانت ذكية عندما رفضت أن تتقدم بمشروع لحل أزمة المديونية لأنها تعلم أنه إهدار واستنزاف للمال العام، وكم كان المجلس غير موفق عندما تقبَّل الفكرة وراح بعض أعضائه يعملون لذلك.

ويفترض منها أن ترشد استثمارات المواطنين حتى لا ينجرفوا وراء السراب والوهم.. وعلى سبيل المثال اتجه الناس بعد صاعقة المناخ إلى بناء العمارات السكنية والمجمعات الضخمة، ولعلها ستكون أزمة في الأفق إذا لم تسارع الدولة وتحد من إعطاء تراخيص البناء للمجمعات السكنية.. فإذا كانت الدولة تفكر بإعادة التوازن السكاني، وفي نفس الوقت تفكر في إلغاء إسكان الكويتيين في المجمعات السكنية العمودية، وتعلم أن هناك ما يقارب 12 ألف شقة خالية منذ عام 1984 فالأولى بالحكومة ترشيد هؤلاء المواطنين إلى استثمار أفضل لا يشكل أزمة جديدة تستدعي انشغال المؤسسات السياسية بها وتستنزف مزيدًا من المال العام.

ويفترض من المجلس أن يكون في مستوى المسؤولية، لقد كان المجلس السابق مشاركا في الأزمة لا لأنه وضع تشريعات استنزفت من المال العام فحسب، بل لأنه لم يمنع حدوث الأزمة قبل انفجارها، خاصة وأن من أبرز أسباب الأزمة هو عدم احترام القانون ودقة تنفيذه.

أما المواطنون فلا بد أن يثبتوا حبهم لبلدهم ليس بالشعارات إنما بالعمل.. لقد كان الناس كلهم يتغنون بحب الكويت ما دامت الكويت تعطي.. وجاء دور الكويت لتأخذ، وجاء دور المواطن ليعطي.. ويتنازل عن كثير من مصالحه التي سببت كثيرًا من الأزمات.. كان من مصالح الكثيرين أن تبقى الكويت ضمن فوضى إسكانية حتى يتسنَّى لهم الاستفادة من إيجارات السكن.. ويتسنَّى لهم تسويق السلع.. وغيرها من مصالح.. في الوقت الذي كان يطالب فيه بتوفير الأمن وتحسين الخدمات وغيرها من مطالب.. إنني أعذر الحكومة إذا عجزت عن تحقيق ما يطالب به المواطن ما لم يتنازل المواطن نفسه عن أنانيته من أجل الصالح العام.

إن عهد الوفرة المادية قد انتهى.. وإن أزمة المناخ جاءت لتعيد إلينا عقلنا..

فلنحذر.. ولننتبه والله الموفق.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 88

95

الثلاثاء 22-فبراير-1972

أكثر من موضوع (العدد 88)

نشر في العدد 707

144

الثلاثاء 05-مارس-1985

المجتمع المحلي- العدد 707