العنوان «مؤسسة الضمير الحي» في أمريكا
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 22-أبريل-2006
مشاهدات 76
نشر في العدد 1698
نشر في الصفحة 15
السبت 22-أبريل-2006
جون میرشامير – أستاذ العلوم السياسة ومساعد مدير برنامج سياسة الأمن الدولي بجامعة شيكاغو الأمريكية- وستيفن والت – أستاذ العلاقات الدولية بكلية جون كندي بجامعة هارفرد – يمثلان بحق صوت الضمير الأكاديمي الحي.. فقد قام الرجلان بما يشبه العمليات الاستشهادية، ولكن في ميدان البحث العلمي النزيه والشفاف.
ففي منتصف شهر مارس ۲۰۰٦ أصدر الرجلان ما يمكن تسميته، «أجرأ دراسة أكاديمية في الولايات المتحدة.. اللوبي الإسرائيلي وسياسة أمريكا الخارجية».. قاما خلالها – بطريقة علمية نزيهة- بـ تشريح اللوبي الصهيوني وتعرية أخطاره على الولايات المتحدة حاضرًا ومستقبلًا، وهو ما لم يجرؤ أكاديمي على فعله (وقد قامت المجتمع بنشر تفاصيل الدراسة في العددين ١٦٩٦ و ١٦٩٧).
هذه الدراسة – التي جاءت موثقة بشكل بالغ الدقة، وهو ما يضع كل من يحاول النيل منها أو تكذيب ما جاء فيها في مأزق كبير – تمثل وثيقة تاريخية مهمة ستشهد عبر التاريخ أن هناك أصواتًا تنطق بالحق وسط غابة من التضليل وتزييف الوعي.
واللافت للانتباه هنا أن جون ميرشامير وستيفين والت لم يقفا وحدهما أمام موجة الضغوط والابتزاز المتواصلة من اللوبي الصهيوني، وإنما انضم إليهما جمع كبير من الأكاديميين يؤيدون ما ذهبا إليه في دراستهما عن خطر اللوبي الصهيوني، ويؤكدون قناعتهم بصحة ما جاء في الدراسة.
فقد أجرى معهد «أبحاث الشرق الأوسط» في واشنطن استطلاعًا شمل ۲۳۰۰ أكاديمي أمريكي – لمعرفة رأيهم في تلك الدراسة الجريئة – فأعرب ٩١% منهم عن اعتقادهم أن «ما جاء في الدراسة دقيق تمامًا، وأن تكتيكات اللوبي الإسرائيلي تعرض الولايات المتحدة لظهور شعور معاد في الشرق الأوسط.. وقال ٨٦% إن اللوبي الإسرائيلي يضع مصالح إسرائيل فوق المصالح القومية للولايات المتحدة»، كما قال ٦٥%« إن اللوبي يسلك سبيل أي شخص ينتقدهم بوصفه أنه معاد للسامية».. ولعل انضمام هذا العدد الكبير من الأكاديميين إلى ما ذهب إليه معدا الدراسة الجريئة (ميرشامير وستيفين) يمثل واحدًا من المواقف النادرة في الحياة الأكاديمية والسياسية في الولايات المتحدة ضد الكيان الصهيوني.. صحيح أن الضائقين ذرعًا بالكيان الصهيوني كثيرون في الغرب، لكن لم يجرؤ أحد على الإعلان عن ضيقه إلا في مرات نادرة وتم عقابها وإسكات صوتها. ومن هنا فلا نبالغ إذا قلنا إن تيارًا جسورًا بدأ يبرز على الساحة الأمريكية من داخل المؤسسة العلمية والأكاديمية، وبدأ يتحدث بصوت مسموع ليس عن طريق المظاهرات، ولكن عن طريق مخاطبة العقل والوجدان عبر الدراسات العلمية الموثقة، ولئن قدر لهذا التيار أن يواصل مسيرته، فإن تغييرًا كبيرًا يمكن أن يحدث هناك ضد هذا اللوبي الصهيوني، وبالتالي ضد السياسات والممارسات الصهيونية، وكذلك تأييد الإدارة الأمريكية «العمياني»، لكل السياسات الصهيونية، وينضم هذا التيار الأكاديمي الجديد إلى المئات من الجنرالات والمفكرين والساسة والكتاب الذين استيقظ ضميرهم المهني -كل في مجاله- وأخذوا ينددون بالسياسة الأمريكية في العراق وفلسطين وغيرها من بلاد العالم، وكان آخرهم ذلك الانتقاد اللاذع الصادر من ستة من كبار الجنرالات الأمريكان، بينهم قائد حلف الناتو السابق لوزير دفاعهم دونالد رامسفيلد، مطالبين بإقالته.
أعتقد أن هؤلاء جميعًا يمثلون مؤسسة الضمير الحي في الولايات المتحدة ويحيط بهم -بلا شك- مئات الآلاف من الشعب الأمريكي الذين لا يتركون مناسبة إلا وينددون بسياسة إدارتهم المجحفة في بلادنا، وخاصة في العراق وفلسطين، ولا شك أن دور هؤلاء في خدمة قضايانا والدفاع عنها لا يقل قوة عن دور الجيوش، ولو أنفق إعلامنا وساستنا ومؤسساتنا الفكرية سنوات من الجهود لما أثمرت ما تثمره جهود جون وستيفن وبقية أعضاء مؤسسة الضمير الحي في الغرب.
والسؤال: لماذا لم تفكر مؤسسات المجتمع المدني ومؤسساتنا العلمية ومفكرونا وكل المهتمين بقضية الحرية والاستقلال في بلادنا بمد جسور التعاون مع تلك المؤسسة الغربية المهمة، وإقامة تعاون واسع معها، وتوحيد الجهود ضد ذلك العبث الذي تمارسه السياسات الاستعمارية.
إن التحالف بين «مؤسسات الضمير الحي»، على امتداد العالم كفيل برد أو -على الأقل- تعطيل ذلك التحالف الاستعماري المندفع لسحق شعوب بعينها وإزالة دول من الخارطة ظلمًا وبغيًّا..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل
نشر في العدد 1704
42
السبت 03-يونيو-2006