العنوان السجن.. إصلاح وديمقراطية
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الجمعة 18-يونيو-2004
مشاهدات 66
نشر في العدد 1605
نشر في الصفحة 47
الجمعة 18-يونيو-2004
يبدو أن كل شيء في العالم العربي يدعو إلى العجب، وكل تصرف في محيطه يدعو إلى الدهشة، وكل قرار يصدر عنه يحضر لكارثة ويرسم مصيبة، وهذا يدل على خلل عظيم في التفكير وضمور خطير في العقلية التي لا تقدر عواقب الأمور، أو تدرك بدهيات الأشياء.
لا يخفى على أحد في الأمة أو حتى في مشارق الأرض ومغاربها ما تتعرض له الأمة اليوم من استهداف قد يذهب بيضتها ويمحو أثرها ويطمس هويتها، وهذا يقتضي جمع الصفوف على صعيد الشعوب والأفراد أولًا، وعلى صعيد الدولة ثانيًا، وعلى صعيد الأمة ثالثًا، لمواجهة هذا الخطر الداهم ودفع هذا البلاء النازل، كما يقتضي تفعيل دور الشعوب ومنظمات المجتمع المدني وشحذ الهمم لتقوية الجبهة الداخلية..
وهذا بالتالي يحتم إجراء مصالحة شاملة بين النظام والقوى السياسية وخاصة الفاعلة، ولكن مما يحير الأفهام ويدهش الألباب، أن تعمد السلطات في هذا الوقت العصيب إلى تفريق صف الأمة وإثارة القلاقل واعتقال العناصر الفاعلة الشريفة المعتدلة المحبوبة بغير ذنب أو جريرة، أو فعل أو تدبير، أو حتى تفكير في أمر ضار، ثم تعزز هذا العمل الفاضح بتخريب البيوت ومصادرة الأرزاق وتجويع الأسر بمصادرة الأموال وإغلاق المتاجر والمصانع التي يرزقون منها وتعيش عليها أسرهم وأطفالهم وتتركهم عالة يتكففون الناس.
وهذا مما دعا بعض الباحثين إلى الاستغراب والقول: إن اعتقال خيرة شباب ورجال الأمة الشرفاء يعتبر جريمة في حق الأمة، في وقت أشد ما تكون الأمة فيه إلى توحيد الجهود وتقوية الصف أمام الهجمات الأمريكية الصهيونية الشرسة على المنطقة العربية، ثم قال: إن هذه الاعتقالات تعتبر كارثية تقوم على التلفيق للتهم التي لو صحت لكانت فخرًا لهم وللأمة، وهي دعم المقاومة الفلسطينية والعراقية، ثم تساءل قائلًا: ما دخل شركات ومكاتب ومصانع هؤلاء المعتقلين حتى يتم الاستيلاء عليها وعلى كل النقود الموجودة بها والموجودة في منازل المعتقلين؟!.. موضحًا أن ما يحدث أقرب للمحاربة في الرزق ولقمة العيش وليس للسياسة دخل فيه.
وفي المقابل نشرت جريدة الأهرام المصرية في 23/ 5/ 2004م نداء من النقابة العامة للأطباء ونقابة العلميين للمسؤولين المصريين للمطالبة بسرعة التدخل لتنفيذ أحكام القضاء الصادرة بالإفراج عن أساتذة وعلماء لم يرتكبوا أي جرم ضد بلادهم سوى أنهم معارضون سياسيون، ويشغلون مناصب محترمة في الجامعات والمؤسسات والهيئات المصرية وتفخر بهم مؤسساتهم وهيئاتهم ونقاباتهم، ثم قالت: إننا نأسف لسقوط كل الشعارات الجميلة بالإصلاح أمام هذه الاعتقالات وأمام عدم تنفيذ أحكام القضاء، إن هذه الحملة من الاعتقالات تناقض عملية الإصلاح السياسي المزعوم التي تنادي بها الحكومات العربية وتناقض الدعاوى العريضة التي يتشدق بها المتلاعبون بالعقول وبمصائر الأمة.
إن البعض ممن انكشف أمرهم للعامة والخاصة قد يعمد في جرأة غريبة -على القوى الإسلامية الشريفة- إلى تقديم ملفات ملفقة وجاهزة تحمل معلومات عن مواطنيها إلى الولايات المتحدة ودول غربية أخرى بدعوى محاربة الإرهاب للتخلص منهم أو لشراء الرضا وإظهار الوفاء، أو بمقايضة معينة أو السكوت على أوضاع معينة، وهذا يخالف واجبات الدولة، من حيث إن من أهم واجباتها حماية مواطنيها والدفاع عنهم، ولكن وللأسف الشديد يلاقي وطننا العربي الكثير الكثير من التناقضات والأعمال التي تسببت في وهنه وضعفه واستباحته للقاصي والداني بدم بارد ونفس مريضة.
إن الوضع العربي البئيس والمختنق بالمطالب الأمريكية التي لا تنتهي يجعل السلطات في حيرة من أمرها، ورغم محاولة السلطات تقديم كل ما في طاقتها من خضوع إلا أن ذلك لا يكفي نهم الإدارة الأمريكية، ولولا انشغال الأمريكان بأنفسهم بهزائم عسكرية وخلقية لكان للوطن العربي شأن آخر، نعم لولا تورط الأمريكان في المستنقع العراقي لكان هناك اكتساح واضح للأمة، ولظهرت عورات تلك الأنظمة التي أذاقت أممها الكثير من المر والعلقم حتى انفصلت عنها تلك الشعوب وباعتها حتى للشيطان، ويظهر أن درس صدام حسين لم يُستوعب بعد، ولو كان صدام قد حافظ على شعبه والتحم معه لكان له شأن آخر، وما كان تعرض لما تقشعر منه الأبدان، وترك بلاده نهبًا للطامعين والمستعمرين.
ولقد برهنت الشعوب أنها أقوى من أي مستعمر حتى لو كانت فقيرة معدمة، وخاوية البطن عارية، والمقاومة العراقية قلبت الموازين والشعب العراقي مرغ أنف أعتى الدول بما تملك من تكنولوجيا في الأوحال، ومعركة الفالوجا كانت انتصارا ساحقًا للمقاومة على الاحتلال، ولولا ما حصل من تهدئة اضطر إليها الأمريكان لاندلعت النار في أكثر من فالوجا، وهو ما حمل الغزاة على التراجع على أعقابهم مندحرين مكرهين، وتستطيع أن تقول بغير تردد: إن حفنة من شباب العراق الغيور على بلده والمحصن بالإيمان قد رد للأمة كرامتها وعزتها وأبطل استراتيجية أعتى دولة في العالم، وجعلها تلعن العملاء الذين ورطوها في هذا المستنقع العميق، وتلعن الظروف الصعبة التي تمر بها.
إن أي أعمى البصر وحتى البصيرة لا يمكن أن يفرط في مثل هذا الشباب الذي يحب بلده ويفديها في أقسى الظروف ولا يتخلى عنها، رغم ما تحمله من عنت طوال ٤٠ عامًا من حاكم جاهل مغرور أضاع الأموال وأجاع البطون وقتل وشرد وفضح وبدد.
إن هذا الشباب المسلم العظيم هو ذخر الأمة ورصيدها الدائم ودرعها المنيع وسيفها البتار لا ينبغي أن تهلكه السجون والمعتقلات وتقضي عليه الجهالات والعمالات يجب ألا يشغل بنفسه وإنما يشغل بأمته، وألا يهلك جسدًا ونفسًا بالتعذيب والتجويع، وإنما تبذل قواه في الإنتاج وينفق فكره في الريادة والإبداع، يجب أن يعلم أن الفكر الإسلامي القويم هو عماد الأمة وهو عزها وحضارتها، ولا ينبغي أن يحاكم الشباب لانتمائهم إليه وتجمعهم حوله، وقد شهد حتى الأعداء بذلك وعلى سبيل المثال أكد الرئيس بوش أن الإسلام عقيدة تجلب الارتياح لبلايين الأشخاص حول العالم، وأنه قد صنع إخوة وأخوات من كل الأعراق، فهو عقيدة فاعلة تقوم على المحبة وليس الكراهية، ونحن نقول: صدقك وهو كذوب، فنحن أعلم بديننا ورسالتنا منه، ونعلم بعزة الإسلام وقوته من تاريخه وتعاليمه، ولكن من يضحي بهذا الدين وهذا الشباب ويحرم الأمة من هذا الفضل وهذه العظمة يجني على نفسه قبل أن يجني على أمته، ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف: 8).