العنوان «مخ» الأذكياء.. هل يختلف عن «مخ» البشر العاديين؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 22-أبريل-2006
مشاهدات 90
نشر في العدد 1698
نشر في الصفحة 60
السبت 22-أبريل-2006
منذ وقت طويل شغل العلماء بفكرة ارتباط القدرات العقلية للإنسان بالتركيب التشريحي للمخ وهي الفكرة التي كثيرا ما أدت إلى فحص أمخاخ العباقرة بعد موتهم للوقوف على أسرار تفوقهم.
وفي هذا المضمار جرى تشريح أمخاخ الكثيرين مثل العالم والفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت، ثم الموسيقار الألماني باخ وفي القرن التاسع عشر أجريت في ألمانيا والسويد وكندا بحوث مستفيضة لأمخاخ عدد كبير من الموهوبين، كان من بينهم عالم الفيزياء والرياضيات الشهير كارل فريدرش جاوس والطبيب الكندي وليام أوسلر – أول من درس الصفائح الدموية. وكذلك عالمة الرياضيات السويدية (الروسية الأصل) سونيا كوف الفسكي.
فحص أمخاخ النوابغ
مخ أينشتين يخلو من جزء من أخدود قد يكون سببًا في سرعة توصيل المعلومات
ومع بداية القرن العشرين بلغ عدد توابع العلم والفن والأدب الذين فحصت أمخاخهم ۱۳۷ شخصا، غير أن نتائج تلك الدراسات لم تشر صراحة إلى وجود فوارق تذكر بين أمخاخ أولئك الأفذاذ وأمخاخ العامة.
والحقيقة أنه لم يرد أي ذكر لهذه الاختلافات المفترضة قبل عام ١٩٢٤م عندما توفي فلاديمير لينين أول زعيم للاتحاد السوفييتي السابق، ففي ذلك الحين استدعي العالم الألماني أوسكار فوجت إلى روسيا لدراسة من لينين بناء على طلب رسمي من السلطات السوفييتية التي أسست معهدًا لأبحاث المخ في موسكو – خصيصًا لهذا الغرض.
وبعد عامين كاملين من الدراسة أعلن فوجت عن وجود بضعة اختلافات في مخ لينين، غير أن أحدًا لم يعلق أهمية كبيرة على ملاحظات فوجت وذلك لأن لينين كان قد أصيب بعدد من الجلطات الدماغية في السنتين الأخيرتين من حياته، ومن ثم اعتقد أن هذه الجلطات قد تكون مصدر الاختلاف في مخه.
وأما آخر المشاهير الذين فحصت أمخاخهم فهو أينشتين إذ عرف عن ذلك الفيزيائي الكبير أنه كان قد أوصى بالتبرع بمخه لخدمة البحث العلمي، ويقال أيضًا إن أينشتين لم يوص بذلك وإنما عائلته هي التي وافقت بعد وفاته على التبرع بمخه.
وقد قام عالم الباثولوجيا الأمريكي توماس هارفي، الذي كلف بفحص جثمان أينشتين إثر وفاته في عام ١٩٥٥م بأخذ المخ قبل مرور سبع ساعات على الوفاة، ثم حفظه بالطرق العلمية لدراسته.
وبعد فترة من الفحص أعلن هارفي أنه لم يعثر على شيء غير عادي في مخ أينشتين، ولعل ذلك كان سببًا في تراجع الاهتمام بفحص أمخاخ النابهين لفترة من الوقت، إلا أن الأمر عاد ليفرض نفسه بقوة في الأوساط العلمية بعد أن تسارع التقدم في أبحاث المخ، وبعد أن كشفت التقنيات الحديثة عن وجود خصائص تميز بالفعل أمخاخ الموهوبين في مجالات بعينها، وعندئذ أعيد فحص من أينشتين بعد مرور ما يقرب من ربع قرن على. وفاته، وكان ذلك في جامعة كاليفورنيا (بيركلي) حيث تم فحص أربع قطع كل منها بحجم قطعة السكر الصغيرة مأخوذة من مناطق بعينها في مخ أينشتين - وتمت مقارنتها مع أربع وأربعين قطعة. مماثلة من أمخاخ أحد عشر رجلًا ممن ماتوا عن أعمار تقارب عمر أينشتين عنوفاته.
ولقد وجد فريق البحث أن نسب الخلايا المكونة لنسيج المخ عند أينشتين تختلف عن نسبتها في الآخرين، وذلك في منطقتين من المخ معروفتين بمسؤوليتهما عن التخطيط والتحليل والمنطق الرياضيات وهي المجالات التي تفوق فيها أينشتين، وبعد ذلك ينحو عشرين عامًا، وتحديدًا في عام ١٩٩٩م أعيد فحص أجزاء من مخ أينشتين للمرة الثالثة في جامعة ماك ماستر بكندا، وأعلن فريق البحث أن مخ أينشتين يخلو من جزء من أخدود معروف يوجد في الأمخاخ العادية، واعتبر الباحثون أن غياب ذلك الجزء من الأخدود يمكن أن يكون سببًا في سرعة توصيل المعلومات بين المنطقتين الواقعتين على جانبي الأخدود في مخ أينشتين، فضلًا عن أنه أضاف إلى مساحة هذه المنطقة لتصبح عند أينشتين أعرض من المألوف بمقدار ١٥%.
فهل كان أينشتين جديرًا حقًا بكل هذا الاهتمام؟
الحقيقة أن المخ البشري بشكل عام جدير بكل الاهتمام، إذ إنه لغز كبير يستحق الاحتشاد من أجل حل طلاسمه.
إن الغوص في أعماق المخ البشري وسبر أغواره يجري الآن على نحو لم يتخيله أحد قبل عقدين من الزمن. لقد نجح العلماء إلى حد كبير في اكتشاف الأسس العصبية للتعلم، واكتشفوا آليات الذاكرة وكيفية تخزين المعلومات في تلافيف المخ، واكتشفوا كيفية إحساس المرء بالمكان والاتجاهات مثلما اكتشفوا كيمياء الحب والحزن والخوف، وهي كلها اكتشافات تعد بالتغلب على عدد كبير جدًا من الأمراض العصبية التي تتعلق بالذاكرة والاتزان والاضطرابات النفسية والعقلية، ومع أن التوصل إلى كيفية انبثاق العقل الواعي من ذلك المخ المادي يبدو حتى هذه اللحظة حلما بعيد المنال، فإن العلماء يجمعون على أن ما تشهده علوم الأعصاب حاليًا إنما هو ثورة علمية حقيقية، وإن تكن ثورة حبيسة غير قادرة على التعبير عن نفسها، وذلك لأن البحث المكثف على مدى السنوات الأخيرة أسفر عن فيض – بل فيضان هائل – من المعلومات، ولا يزال المزيد من التفاصيل يتكشف مع مطلع كل يوم جديد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل