العنوان فتاوى المجتمع (العدد 1202)
الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي
تاريخ النشر الخميس 06-يونيو-1996
مشاهدات 50
نشر في العدد 1202
نشر في الصفحة 62
الخميس 06-يونيو-1996
معاملات المسلم في بلاد الغرب:
السؤال: هل يجوز للشاب في البلاد الغربية أن يتهرب من دفع بعض الضرائب بالحيلة والكذب؟ وهل يجوز له أن يشتري بالدين، ويسافر دون أن يدفع ما يمكن من دين، ويقول إن هؤلاء غير مسلمين، وهم يحاربون الإسلام والمسلمين، فلذلك نعاملهم بهذا الأسلوب.
الجواب: من المتفق عليه بين أئمة المسلمين أن المسلم إذا سافر إلى بلاد غير المسلمين بإذن منهم، وأخذ الأمان فإنه يحرم عليه أن يخونهم في صغيرة أو كبيرة، ودخول البلاد بتأشيرة يعني إعطاء الأمان والحق في الدخول والعيش بحرية، وهذا بمثابة العهد منهم والعهد منك في عدم الخيانة أو الغدر والتهرب من دفع الضريبة والكذب، وما إليه حرام تأثم به؛ لأن الكذب كذب سواء بالنسبة للمسلم أو غير المسلم، والضريبة من نظم تلك البلاد لها غاية وحكمة يلتزم بها ما دام قد قبل مختارًا دخول هذه البلاد، ولا يعول على ما قد يقوله من أن هذه الضريبة يستعينون بها على ضرب ومحاربة المسلمين.
وأما الدين الذي سافر دون سداده فهذا حرام؛ لأنه أخذ مالًا بغير وجه حق، وهو من أكل أموال الناس بالباطل، وهو غصب وغور وخيانة، وأن مثل هذه التصرفات يأباها ديننا الحنيف، وتنفر غير المسلمين من الإسلام، وتشوه صورة المسلمين.
ولقد شدد الإسلام في هذا الجانب كثيرًا خاصة في المعاهدات التي تكون بين المسلمين وغيرهم، فيجب احترامها مهما كانت الظروف لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «المسلمون على شروطهم» (الترمذي 626/3) ولقول النبي -صلى الله عليه وسلم- حين جاءه أبو بصير -رضي الله عنه- ثم جاء كفار قريش يطلبون تسليمه: «يا أبا يصير إن هؤلاء القوم قد صالحونا على ما قد علمت وإنا لا نغدر، فالحق بقومك»(البيهقي 227/9) بل إن كثيرًا من الفقهاء قالوا: إن الأسير المسلم إذا أخذ الأمان من الكفار وهو في ديارهم واشترطوا عليه ألا يهرب ولا يخرج من بلادهم، ويطلقون سراحه ويتركونه يؤدي عبادته فيحرم عليه الهرب؛ لأنه من الغدر والخيانة.
ونص الفقهاء على أن الأسير لو أطلق سراحه بشرط أن يدفع فدية يبعثها من بلده إن وصلها، وجب عليه أن يبعث بالمال للأعداء، فإن لم يجد المال يرجع إليهم وفاء للعهد.
طلاق بصيغة التعليق:
السؤال: حدث خلاف بين زوجين فقال الزوج إذا ذهبتي إلى المكان الفلاني، فأنت طالق، ولم تنفذ الزوجة كلام زوجها، وذهبت إلى هذا المكان، والزوج لا يريد حقيقة الطلاق، وإنما يريد فقط أن يخوفها ويهددها، فهل يقع الطلاق في هذه الحال؟
الجواب: هذا اللفظ هو طلاق بصيغة التعليق على شرط، والطلاق المعلق على شرط إن كان المتلفظ به يقصد مدلول العبارة وهو وقوع الطلاق إذا تحقق الشرط المعلق عليه کدخول دار معينة أو الذهاب لمكان معين، فإن الطلاق يقع ما دام الأمر الذي علق عليه الطلاق ممكن الوقوع في المستقبل وليس مستحيلًا، وهذا باتفاق المذاهب الأربعة.
أما إذا كان المتلفظ بالطلاق المعلق لا يقصد الطلاق، وإنما قصد تخويف أو تهديد الزوجة، أو قصد أن يحملها على عدم الذهاب، أو إذا أراد أن يحمل نفسه على عمل شيء ما، ويقوي عزيمته، ونيته مثل أن يقول: إن لم أترك الشيء الفلاني فزوجتي طالق، أو قال: إن لم أذهب إلى السفر هذا العام فزوجتي طالق، ففي هذا خلاف بين الفقهاء، فالمذاهب الأربعة يرون وقوع الطلاق عند تحقق الشرط المعلق ولو لم يقصد الطلاق، بل قصد المعاني المذكورة آنفًا.
وذهب بعض الفقهاء منهم ابن تيمية وابن القيم إلى أن الطلاق لا يقع في هذه الأحوال، ويلزم القائل كفارة يمين في حالة ما إذا أراد من اللفظ تقوية عزيمته على فعل شيء أو عدم فعله، وابن حزم لا يرى وقوع الطلاق المعلق مطلقًا، قصد الطلاق عند وقوع المعلق عليه، أو لم يقصده؛ لأن الطلاق لا يقع إلا منجزًا حالًا.
ولعل رأي ابن تيمية وابن القيم ومن معهم له حجته ووجاهته؛ لأن الأصل في الطلاق عدمه، فكلما وجدنا بابًا لسده لجأنا إليه، والطلاق المعلق لم يرد دليل عليه من كتاب أو سنة، أو إجماع، فلفظ الطلاق لم يوضع إلا للطلاق والفرقة، فإذا أراد الشخص تقوية عزيمته وتأكيد كلامه أو حمل زوجته على عدم فعل معين فطريق ذلك الحلف بالله لتأكيد الكلام، فاستخدام لفظ الطلاق للدلالة على ذلك انحراف عن غايته وحكمة الشارع من الطلاق، وإغلاق باب الطلاق المعلق بالشرط فيه حفظ لكثير من الأسر التي ربما فرقها، وهدمها هذا النوع من الطلاق في حين أن المتلفظ لا يقصد الطلاق، وإنما يقصد تأكيد ما يريد أو يريد الإخبار، أو نحو ذلك، بل إن القول بوقوع الطلاق، يمكن أن يدخله ما هو غريب في بابه، كمن قال لزوجته: إن صمت رمضان أو صليت العصر، فأنت طالق، أو قوله إن لم أكن صادقًا فزوجتي طالق.
تكبيرة الإحرام:
السؤال: كثير من المصلين إذا دخلوا المسجد والإمام في الركوع يكبرون وهم في حال ركوعهم؛ لأنه إذا كبروا وهم واقفون ربما تفوتهم الركعة مع الإمام، فهل هذا جائز؟
الجواب: تكبيرة الإحرام لا يؤديها المصلي وهو في حال انحنائه للركوع، ولا بد أن يؤديها وهو قائم، فإن أداها وهو في حال الانحناء للركوع لم تصح صلاته إذا كانت صلاة فريضة، وتصح في صلاة الناقلة لأنها تصح من جلوس.
نظرة المرأة للرجال في التليفزيون:
السؤال: هل يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجال في التليفزيون في التمثيليات والمسرحيات؟
الجواب: إذا أمنت الفتنة فيجوز لها أن تنظر إلى الرجال فيما عدا بين السرة والركبة، ومستند ذلك حديث عائشة -رضي الله عنها-: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد» (رواه البخاري 366/9، ومسلم 609/2)، وبهذا قال الحنفية والحنابلة، وقيده المالكية بالوجه والأطراف عند أمن الفتنة.
وأما مستند من قال إنه لا يجوز لها النظر مطلقًا ولو لم يكن عورة فحديث مختلف في صحته، وهو ما روي عن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت كنت عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم، وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب فقال -صلى الله عليه وسلم-: «احتجبا منه»، فقلنا: يا رسول الله أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه؟» (أخرجه أبو داود 361/4)، وقال عنه ابن حجر في فتح الباري (١١/ ٥٥٠ حديث مختلف في صحته).
میزان الزواج:
السؤال: فتاة تريد الزواج من شاب تقدم لها، وعلمت أنه قد وقع في خطأ في حياته، وارتكب جريمة الزنا، فهل يجوز لها أن تتزوجه؟
الجواب: الأولى أن يتزوج العفيف العفيفة، وأن تتزوج العفيفة العفيف ممن لم يرتكب مثل هذه الجريمة، وهي من الكبائر لكن من حيث الجواز فلا مانع من ذلك إذا رغبت هي بالزواج منه، فالزنا لا يحرم الزاني على العفيفة، ولا الزانية على العفيف، وعلى الزاني والزانية التوبة إلى الله والعزم على عدم العودة، وإن كانت المرأة هي الزانية فينبغي للزوج أن يحتاط لدينه، ولا يقدم على الدخول حتى تستبرأ، ويتأكد من خلوها من الحمل.
وأما قوله -تبارك وتعالى-: ﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة النور: ٣)، فمعناها أن الزاني لا يليق به أن يتزوج العفيفة الشريفة، إنما ينكح مثله أو أخس منه كالبغي الفاجرة، أو المشركة الوثنية، والزانية لا يليق أن يتزوج بها المؤمن العفيف، إنما يتزوجها من هو مثلها أو أخس منها، كالزاني الخبيث، أو المشرك الكافر، فإن النفوس الطاهرة تأبى الزواج بالفواجر الفاسقات.
قال الإمام فخر الدين الرازي: «من أحسن ما قيل في تفسير هذه الآية أن الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنا والفسق، لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء»، وإنما يرغب في فاسقة خبيثة مثله، أو في مشركة، والفاسقة الخبيثة لا يرغب في نكاحها الصلحاء من الرجال وينفرون عنها، وإنما يرغب فيها من هو من جنسها من الفسقة والمشركين، وهذا في الأعم الأغلب كما يقال: لا يفعل الخير إلا الرجل التقي، وقد يفعل بعض الخير من ليس بتقي فكذا هنا» (التفسير الكبير 150/23 عن صفوة التفاسير للشيخ محمد علي الصابوني 326/2).
الخلع:
السؤال: امرأة طلبت من زوجها أن يطلقها، فقال لها: تنازلي عن مؤخر الصداق، وهو مبلغ كبير، فإذا تنازلت عنه طلقتك، هل يصح هذا الطلب، وهل يقع الطلاق في هذه الحال، وهو لم يتلفظ بكلمة الطلاق؟
الجواب: إذا تم هذا الاتفاق بينهما فهذا هو الخلع، وهو أن يقول: خالعتك على مبلغ كذا، ولا بد أن يقول: خالعتك أو أبرأتك، أو طلقتك أو أطلقك بشرط أن تدفعي لي المبلغ الفلاني، فلا يستطيع مراجعتها ولو في العدة، ولا بد من عقد جديد ومهر ورضاها، ولا يشترط لوقوع الخلع أن تدفع له مالًا نقدًا، بل يمكن أن يقع إذا أسقطت عنه مالها عليه من دين مثل مؤخر الصداق، فإذا وافقت الزوجة على إسقاط مؤخر الصداق على أن يطلقها، وقبل ذلك فهذا خلع صحيح، وتقع الفرقة بينهما.
والخلع مشروع لتخليص الزوجة من زوج تبغضه وتكره العيش معه، وهو يريد ما أنفقه عليها أو بعضه، قال -تعالى-: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ﴾ (سورة البقرة: ٢٢٩).
التصرف في هدايا المولود:
السؤال: ما حكم الهدايا التي تعطى من أجل المولود، وقد تكون أحيانًا أموالًا، أو لعبًا، أو ذهبًا، أو غير ذلك، هل يجوز للأم أو الأب أن يتصرف بها؟
الجواب: هذه الهدايا على اختلاف أنواعها إذا قدمت للمولود فهي ملك له، لأنه أهل للتملك، وهو ما نسميه في الفقه أهلية الوجوب الكاملة، فهذا الطفل عنده أهلية وجوب فيصلح لأن تجب الحقوق له أو عليه.
ولذلك فإذا أتلف شيئًا يغرم، وإذا أتلف له شيء يعوض عنه، وتجب على الصغير نفقة نفسه إذا كان عنده مال فينفق منه وليه عليه من مثل الطعام والكسوة إلى غير ذلك، فإن لم يكن له مال فنفقته على أبيه وهذا باتفاق الفقهاء، وتجب زكاة المال إذا توافرت شروطها، وغير ذلك من الأمور، ومن جانب آخر إذا أوصى له إنسان فإنه يستحقه وكذلك الوقف، بل إن هذا يصح للجنين، فيجوز أن يوصي شخص للجنين وهذا باتفاق الفقهاء، كما يجوز الوقف عليه عند الحنفية والمالكية، وإذا وهب الطفل شيئًا، أو تصدق عليه إنسان بشيء فإن ذلك يدخل في ذمته ويملكها، وكذلك الإرث حق خالص له لا يجوز التصرف فيه.
وعلى ذلك فهذه الهدايا التي قدمت للمولود، فإنها تكون ملكًا خالصًا له، وينبغي أن تحفظ له، ولا بأس بأن تباع وخاصة إذا لم تعد تفيده، وثمنها يكون ملكًا له.
وإذا دخل شيء في ذمة الطفل فإن الأب وهو الولي يتصرف في هذا المال لمصلحة الصغير، فينمي هذا المال ويستثمره سواء كان عقارًا أو منقولًا، وتعتبر تصرفات الأب صحيحة إذا كان فيها مصلحة للصغير، أما إذا كانت ضارة ضررًا محضًا فإنها تبطل، فلا يجوز مثلًا أن يتصرف أو يهب أو يوصي من أموال الصغير؛ لأن في ذلك ضررًا محضًا له.
وهذا كله في الأمور التي توهب للطفل وتكون ذات قيمة، أما إن كانت شيئًا تافهًا فهذا مما يتساهل فيه، والعرف هو الذي يحدد ما كان تافهًا أو غير تافه، فهدية بقيمة خمسين دينارًا مثلًا تعتبر ذات قيمة، وهدية دون ذلك قد تعتبر في بعض البلاد ذات قيمة عالية، وقد تعتبر غير ذات قيمة، وينبغي على كل حال أن ينظر إلى كل ما يهدى للطفل على اعتبار أنه حقه وملكه، ولا يتصرف الأبوان لمصلحتهم إلا بما هو تافه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل