; من أوراق أخصائية اجتماعية | مجلة المجتمع

العنوان من أوراق أخصائية اجتماعية

الكاتب نادية البراك

تاريخ النشر الثلاثاء 10-أغسطس-1993

مشاهدات 16

نشر في العدد 1061

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 10-أغسطس-1993

لم أتوقع في يوم من الأيام أن أتلقى أي شكوى بشأن الطالبة (ص. ف) البالغة من العمر أربعة عشر عامًا، فهي فتاة مؤدبة متفوقة في دراستها، هادئة إلى حد كبير، ولم يحدث أن اشتكت منها إحدى المدرسات يومًا ما. لكن ما حدث يوم الاثنين الماضي غير رأيي في تلك الطالبة! كنت مشغولة بكتابة بعض التقارير حين دخلت مكتبي ولية أمر إحدى الطالبات، سيدة تبدو رزينة ومحترمة في حديثها ومظهرها.

قالت الأم: «أنا والدة الطالبة د. ي». أهلًا وسهلًا بك.. تفضلي. جلست الأم وهي تقول: «الحقيقة إنني لم أعتد على الحضور للمدرسة لأقل سلبية تصدر من ابنتي، وأنا أعتبر دور المدرسة مكملًا لدور البيت، وكلي ثقة أنكم حريصون على أخلاق الطالبات كحرصنا تمامًا». قلت لها وأنا أبتسم: شكرًا لك على حسن ظنك. صمتت قليلًا ثم قالت: «ما دعاني للحضور اليوم هو في الحقيقة أمر ضايقني جدًا وسبب لي همًا كبيرًا وكلي ثقة أنك مهتمة للأمر مثلي تمامًا».

أثار اهتمامي ما ذكرته الأم فقلت لها: «ما الذي أقلقك يا سيدتي خاصة وابنتك هادئة متفوقة.. الكل يشهد لها بالخلق الطيب؟». تنهدت الأم مهمومة وقالت: «ذلك كان ظني بها حتى عهد قريب». لم أفهم ماذا تقصدين؟ بدأ الارتباك عليها وكثير من الإحراج ثم تشجعت وقالت: «طبعًا.. الأمر سيظل سرًا بيننا». طبعًا.. طبعًا.. اعتبري ابنتي مثل ابنتك، كوني على ثقة من ذلك، وأنك ولا شك حريصة على سمعتها. بلا شك.. بلا شك. صمتت برهة ثم قالت: «اكتشفت منذ أيام أن ابنتي على علاقة بطالب في الثانوية القريبة من مدرستكم».

لاحت الدهشة في عيني وأنا أسألها: «ابنتك؟! إنها أصغر من أن تفكر في مثل هذه الأمور». هزت رأسها وهي تقول: «هذا ما اعتقدته أنا أيضًا، حتى اتضحت لي الحقيقة، لقد صدمت وجزعت ولست أدري ماذا أقول. أخفيت الأمر عن والدها بالطبع، ورأيت أن أتصرف بحكمة، لذلك واجهتها بصراحة ولم تنكر، اعترفت بسهولة. ابنتي لا تزال صغيرة لا تعرف الخبث، وقد ذكرت لي أن قدوتها في هذا الأمر صديقتها الطالبة (ص. ف)».

دهشت من جديد حين سمعت اسم الطالبة «ص»، فمعرفتي بها لا تجعلني أشك بها بتاتًا، لذا سألت الأم: «هل أنت متأكدة؟!». قالت: «كل التأكيد، وبإمكانك سؤال ابنتي عن هذا الأمر. ما أريده منك هو أن تحاولي إضعاف هذه الصداقة بينهما، وسأعمل من جانبي لتحقيق ذلك، فلست أحب لابنتي أن تكون صديقة مثل تلك الفتاة». قلت ساهمة: «لكن.. آه لو تعرفين.. الطالبة (ص) طالبة هادئة جدًا وخلوقة.. لو رأيتها لن تتوقعي منها ذلك بتاتًا». هزت الأم رأسها في ريبة: «لكن هذا ما حدث». «يجوز الدنيا مليئة بالمفاجآت، على أية حال، كوني على ثقة إنني سأعمل ما بجهدي لإيجاد حل للمشكلة، إن سلوك الطالبة (ص) يهمني جدًا مثلها مثل ابنتك تمامًا».

- «لقد تعبت في تربيتي لابنتي كثيرًا».

وحتى والدة الطالبة (ص) إني أعرفها جيدًا، وهي امرأة متدينة حريصة على أخلاق ابنتها إلى أبعد الحدود.

- ما الذي حدث إذن؟

تنهدت وقلت: «رغم كل ما نبذله يا سيدتي، سيظل الأبناء بحاجة إلى رقابة مستمرة من الآباء والأمهات على السواء، فتن الحياة كثيرة، وأصدقاء السوء عامل مهم من عوامل فساد الأخلاق».

-  صدقت.

انصرفت الأم وجعلت أفكر في الأمر غير مصدقة، إن من يرى الطالبة (ص) البريئة في شكلها وعمرها ويعرف أسرتها لا يتصور أن ذلك التصرف يصدر منها بتاتًا، لكن هذا ما حدث!

كان لابد من مواجهة سريعة وصريحة مع الطالبة، ويا لدهشتي حين استدعيتها لمكتبي، فلم تنكر، واعترفت لي أنها على علاقة مع العديد من الشباب!

تفرست فيها مدهوشة، هل صحيح ما أسمعه؟! إنها تعترف بكل هدوء وبرود، من يصدق؟! هذه الطفلة ذات الأربعة عشر عامًا!

- أنتِ يا (ص)!

- أجل، أنا يا أبله.

- لكنك نشأت في أسرة محترمة، والدك رجل معروف بصلاحه، وأمك.

ابتسمت في سذاجتها وقاطعتني قائلة:

- لهذا السبب أريد أن أنتقم منهم.

- تنتقمين؟!

- أجل، أريد أن ألوث سمعة الأسرة المحترمة!

- لماذا؟ لماذا؟

- أريد أن أنتقم من أبي المتزمت الذي يحرمني من كل شيء باسم الدين، لا نزهة، لا زيارة.. إنني وإخوتي وأمي لا نكاد نغادر بيتنا مطلقا، هو مشغول عنا طوال الوقت، وفي الوقت نفسه لا يسمح لنا بالخروج والنزهة إلا في النادر جدًّا، كل شيء نحن محرومون منه.

سألتها:

- باسم الدين؟

أجابت:

- ليس دائما.. أحيانا باسم الدين وأحيانا أخرى لأنه مشغول أو لا يريد لنا أن نخرج، نحن لم نطالبه بأن يأخذنا للمسارح أو السينما ولكن حتى الزيارات العائلية يمنعها، اللهم إلا في النادر.

- قلت لها: ربما لديه أسباب و...

- أبدا.. هو يحب التزمت فقط لا غير. حتى أمي المسكينة يمنعها من الخروج للسبب نفسه، لقد أنشأت هذه العلاقات للتشفي والانتقام منه فقط، لا غير.

حاولت مساعدة الطالبة (ص) عن طريق توجيه شيء من النصح لوالدها دون أن أطلعه على حقيقة الأمر، لكنه كان ينصت لي ساخرًا ولم يبق في مكتبي أكثر من خمس دقائق.. حاولت أن أفاتح الأم بطريقة غير مباشرة، لكن المسكينة بدت لي بلا حول ولا قوة!

استمرت (ص) في سلوكها الانتقامي الغريب من والدها غير عابئة بالنصح والتهديد، حتى انتقلت من مدرستنا إلى مدرسة أخرى وانقطعت عني أخبارها.

هذه قصة تمثل كيفية جناية الآباء على الأبناء دون قصد منهم لذلك، إنهم يفسدون أخلاق أبنائهم في الوقت الذي يعتقدون فيه أنهم أشد الناس محافظة عليها.

لقد خسر ذلك الأب ابنته بتزمته الشديد الذي لم يأمر به دين ولا عرف ظنًّا منه أنه بمنعها من الخروج من البيت يحافظ على أخلاقها، وما عرف أن الكبت يولد الانفجار، إن ابنته وباقي إخوتها مازالوا صغارا وبحاجة إلى شيء من الترفيه النظيف الذي لا يتعارض مع تعاليم ديننا الحنيف.

اقرأ أيضًا 

المجتمع الأسري

الرابط المختصر :