; حماس.. إنجازات المشروع الجهادي ومفردات الخطاب السياسي | مجلة المجتمع

العنوان حماس.. إنجازات المشروع الجهادي ومفردات الخطاب السياسي

الكاتب عبد الرحمن فرحانة

تاريخ النشر الثلاثاء 24-يونيو-1997

مشاهدات 63

نشر في العدد 1255

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 24-يونيو-1997

يقول المعلق الصهيوني زئيف شيف تعقيبًا على الاختراق الاستخباري الذي حققته وحدة الشيخ تميم العدناني التابعة لكتائب القسام وذلك بتمكنها من اصطياد رجل الاستخبارات الصهيوني الكابتن حاييم نحماني وتصفيته في شقته في القدس . يقول شيف: «تواجه إسرائيل للمرة الأولى كيانًا أيديولوجيًا يلتزم بمبادئه مهما كانت الظروف والضغوط قاسية» تعبر القناعة الآنفة للمعلق الصهيوني عن مدى رسوخ مفهوم عقائدية الرؤيا السياسية لدى حماس في العقل الصهيوني وعن جدلية العلاقة بين الدين والسياسة في خطها العام، وما يتبع ذلك من تصادم حتمي ودائم بين المشروعين الإسلامي والصهيوني.

وأي جولة استعراضية لميثاق حماس يمكن التوقف من خلالها عند محطات بارزة تنبئ بمثل هذه الرؤيا، ففي الباب الأول من ميثاق الحركة يتجلى هذا المفهوم بأوضح صوره حيث تقول مادته الأولى: «حركة المقاومة الإسلامية الإسلام منهجها، منه تستمد أفكارها ومفاهيمها وتصوراتها عن الكون والحياة والإنسان وإليه تحتكم في كل تصرفاتها ..» وحول العلاقة بالأرض التي هي من صلب القضية تقول المادة الحادية عشرة من الباب الثالث: «تعتقد حركة المقاومة الإسلامية أن أرض فلسطين أرض وقف إسلامي على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة، لا يصح التفريط بها أو بجزء منها أو التنازل عن جزء منها ..»، ومن تشابك هذه المفردات الأيديولوجية تشكلت إستراتيجية حماس وانتظمت على شكل مثلث تقف على رؤوسه العناوين التالية: الدين - الأرض – الجهاد، وتكدست جميع المفردات التفصيلية في المشروع الجهادي لحماس حول هذه العناصر الثلاثة، وفي هذا السياق كان الدين هو المحور الأساسي للمشروع ومثلث الأرض النطاق الجغرافي للصراع، وشكلت فعاليات الجهاد الآلية المقدسة للتفاعل بين العنصرين الأولين في إطار ثابت و مقبول إسلاميًا، تلك الآلية الحيوية - الجهاد - التي حققت لحماس شرعيتها السياسية محليًا وإقليميًا ودوليًا، فعلى المستوى الدولي غدت حماس لاعبًا فاعلًا على الساحة السياسية وإن لم تتمكن من جني كافة مكاسبها، بسبب عدم توافر العنوان الجغرافي البعيد عن تأثير العدو الصهيوني وغياب النصير الإقليمي لمشروعها، ولكن لا يمكن لأي طرف أن يتغاضى عن الإنجازات التي تحققت لحماس في المضمار الجهادي، فالتطور النوعي لمستوى العمليات مكنها من ضرب العمق الصهيوني عبر سلسلة من العمليات الاستشهادية التي هزت المجتمع الصهيوني في فلسطين.

وحول الصورة النفسية التي خلفتها هذه العمليات الجهادية نستنطق بعض التصريحات الصادرة من داخل هذا الكيان لتحكي هي بنفسها عن مدى نجاح الفعل الجهادي لحماس على هذا الصعيد، وفي هذا السياق يقول «باراك» رئيس الأركان السابق وعضو حزب العمل الحالي: «يتعين ألا نخدع الرأي العام ونخدع أنفسنا، ليس هناك أي إجراء من شأنه إزالة الإرهاب تمامًا .. إن التعزيزات التي نرسلها إلى المناطق تزيد من قوتنا وأمننا، لكن هؤلاء الجنود هم في المقابل هدف للمخربين وهناك جنود يفقدون أعصابهم بعد ثلاثين ساعة من العمل المتواصل دون نوم»، وعلى مستوى المواطن العادي ترسم كلمات إحدى المستوطنات في مستوطنة برديس حنا صورة أخرى للفزع الصهيوني في تصريح لصحيفة هأارتس: «إننا لا نشعر بالأمان في قريتنا ولا في أي مكان في البلاد، والأولاد أيضًا لا يشعرون بالأمان، لقد عدنا للوضع الذي كنا نعيشه في سنوات الأربعينيات..»، ويمكن رصد تأثير العمليات الجهادية حتي في العمود الفقري للجهاز الأمني حيث يقول أحد ضباط الشاباك معربا عن مدى حنقه من هذه العمليات وفي مواجهة أحد معتقلي حماس الذي أصيب بنزيف في وجهه من جراء التعذيب «إن دمكم خبيث ويجب أن تموتوا فأنتم لا تستحقون الحياة وعلاجكم إثم لا يغفره الله»، وكلمات هذا المحقق تجسيد لروح الصراع وتعبير عن مدى تأججه بما ينفي حالة التعايش المزعومة بينهما وما يتبعه من تعطيل للمشروع الاستسلامي المطروح ووصلت حالة التوتر الأمني إلى حد الاعتراف بالعجز وعلى لسان أحد رجال الآلة الإعلامية الصهيونية يقول الصحفي تسفي غيلات «الموضوع يتعلق بأناس يملؤهم الحماس الديني إنك تستطيع أن تحول من تشاء إلى عبد بالعطايا ... والمال.. والنساء ولكن كيف ستغري إنسانًا يرى في عالمنا مجرد ممر وليس مقرًا، فهو سيحصل على كل المنح كمجاهد في سبيل الله، ولا عجب أن يتفاخر أعضاء حماس برجالهم».

ورغم أن الرسالة الجهادية تستهلك جهدًا ضخمًا من الحركة إلا أنها لم تعمل رسالتها الدعوية داخل المجتمع الفلسطيني عبر وسائل التربية الدينية والخيرية المختلفة لتحجيم مساحة العلمنة في بنيته وهذا ما ميزها عن تجربتي الثورة الفلسطينية الكبرى عام ١٩٣٦م وثورة العاصفة عام ١٩٦٤م، وبطبيعة الحال يجلي هذا التوجيه حقيقة اتساع إطار مشروعها بحيث تنتظم في مساحته كافة العناصر الرئيسة في إدارة الصراع: العنصر التربوي - العسكري - السياسي، وحول نجاحها في المضمار الخيري والمصداقية التي بنتها في هذا المجال يقول أحد المتبرعين الذي تبرع لإحدى الجمعيات الخيرية في غزة المتعاطفة مع حماس: «أعرف أن كل هذه الجمعيات تتبع حماس ورغم أني لا أحب حماس تبرعت بالمال لهذه المؤسسات الخيرية لأني أثق بأنها توزعها بأمانة»، ويقول متبرع آخر : «أنا مؤيد لفتح، لكن عندما يتعلق الأمر بالأعمال الخيرية، فلا تكون للسياسة علاقة بذلك التصدق بجزء من دخلي هو واجب ديني، وأعطي المال لأي شخص أثق بأنه سيستخدمه بأمانة».

مفردات الخطاب السياسي

فرض الواقع الجغرافي وإفرازاته الدولية والإقليمية على حركة المقاومة برنامجًا يختلف عن بقية الحركات الإسلامية في الوطن العربي والإسلامي، فتداعيات الساحة الفلسطينية ووجود الكيان الصهيوني فرضت على حماس أن تدمج في برنامجها حالتي السعي للتمكين والعمل للتحرير في إطار واحد ويخط متواز دون تقديم لأحدهما على الآخر، ومن هنا فقد طرحت حماس نفسها على أنها حركة تحرر وطني إسلامي يتضمن برنامجها مفردات الدعوة إلى الله في المجتمع الفلسطيني من خلال مؤسسات المجتمع المختلفة، بالإضافة إلى منازلة العدو الصهيوني وفق برنامج جهادي طويل النفس، فمحورا البرنامج الأساسيان أسلمة المجتمع وحركة التحرير يسيران بوتيرة واحدة وبخط متواز لا يخل بهذا التوازي سوى العاملين الفني والميداني، وفيما يلي استعراض موجز لأهم مفردات البرنامج والخطاب السياسيين للحركة.

على المستوى المحلي - فلسطينيًا - وفي الساحة الميدانية تعمل حماس بكل ما أوتيت من قوة لتفعيل العمل الجهادي وتأصيل اللون العقدي للصراع، لأن الحركة تعتبر هذا العنصر مبرر وجودها الأساسي، ولكنها تسير فيه وفق موازين خاصة، منها: حصره في النطاق الجغرافي الفلسطيني والامتناع عن مهاجمة أهداف العدو خارج هذه الساحة لكي لا تضطر لجرح سيادة أية دولة أخرى مما يؤدي لاتساع دائرة الاستعداء الدولي والإقليمي وتدفع الحركة المسيرة الجهادية وفق برنامج انتقائي على الصعيدين الجغرافي والزماني، بحيث تتجنب القيام بعمليات عسكرية في مناطق الحكم الذاتي منعًا للتصادم مع السلطة.

وقدمت حماس في هذا المجال درسًا بليغًا في ضبط النفس للحفاظ على الوحدة الوطنية لتفادي الاقتتال الأهلي الذي يأمله الصهاينة، واستعاضت عن ذلك بضرب العمق الصهيوني لخلخلة البنية الأمنية للمجتمع الصهيوني والحط من هيبة هذا الكيان و«سوبر مانيته» التي رسمها في العقل العربي طوال الفترة الماضية بانتصاراته الزائفة ومن جانب آخر لعبت الحالة السياسية أيضًا دورًا كبيرًا في تصعيد العمل الجهادي أو تخفيض وتيرته.

على صعيد الداخل آلية خاصة

وفي إطار الساحة المحلية ذاتها تتبنى حماس آلية خاصة على صعيد الحوار والمشاركة باتجاه السلطة الوطنية، فقد امتنعت عن المشاركة في انتخابات مجلس السلطة، لأن مشاركتها تضفي الشرعية السياسية على مشروع أوسلو، وفي الوقت نفسه أحجمت عن الوقوف في طريق سير هذه الانتخابات خوفًا من تصعيد وتيرة الاحتكاك أما على الصعيد الميداني فتمارس الحركة حوارًا فعالًا مع السلطة خاصة في المفاصل الميدانية التي يمكن أن تولد الانفجار بين الطرفين، وفي اتجاه آخر تكثف من فعالية مشاركاتها السياسية في إطار النقابات وكافة مؤسسات المجتمع المرئية لكي يتسنى لها تفعيل المعارضة ضد أوسلو وحتى تتجنب العزلة في الساحة المحلية.

ولأن الجذر الشعبي يشكل مخزونًا إستراتيجيًا أساسيًا للحركة، فقد عملت على تعميق الاتصال بهذا الجذر الحيوي من خلال مشاريع دعوية وخيرية لتحصينه وأسلمته ولشحن الوعي السياسي لديه، وتجييشه لرفض مشروع أوسلو الاستسلامي.

أما على المستوى الخارجي - إسلاميًا ودوليًا: فقد نظرت الحركة للشارع الإسلامي باعتباره المخزون الإستراتيجي الاحتياطي لها، لذلك تبنت آلية اتصال خاصة باتجاهه لاستقطاب كافة الحركات الإسلامية والوطنية في العالمين العربي والإسلامي لصالح مشروعها، ولمحاولة تقديم الصيغة الممكنة للمشروع البديل عن حالة الاستسلام الراهنة برغم اختلال موازين القوى وتمكنت حماس على هذا الصعيد من إعطاء صورة للعالم الإسلامي من خلال عملياتها الجهادية الجريئة ونموذج المقاومة الذي طرحته وما تضمنه من تحييد للآلة العسكرية الضخمة للعدو، بأن هناك مساحة ممكنة وهامشًا متوفرًا لميلاد مشروع رافض لواقع الاستسلام الحالي، بشرط توفر الإرادة الصلبة والعودة للذات والالتصاق المتين بهوية الأمة.

أما على صعيد الشتات الفلسطيني فقد طرحت حماس عدة مشاريع سياسية لتفعيل دور قوى الرفض الفلسطيني - الفصائل العشرة - في محاولة منها لتضخيم حجم الرفض الفلسطيني لإفشال مشروع أوسلو، ولسحب الشرعية من السلطة الفلسطينية، وفي اتجاه آخر لتجنب حالة العزلة السياسية في الساحة الفلسطينية الخارجية.

وطرحا لمشروعها في الأوساط السياسية الرسمية العربية، وبحثا عن العنوان الجغرافي الإقليمي سياسيًا اتصلت مع معظم الأنظمة العربية، ولكن بسبب الهيمنة الأمريكية وتردي الحالة السياسية العربية كانت إنجازاتها في هذا المضمار متواضعة.

وبالرغم من هذه النتيجة المتواضعة إقليميًا، إلا أن ذلك لم يفت في عضدها، فعلى محور آخر اتصلت الحركة عبر قنوات مختلفة مع عدة قوى دولية لشرح مواقفها وسياساتها، واستخدمت في هذا المجال خطابًا سياسيًا مرنًا تنتظم في إطاره مفردات وأدبيات السياسة الدولية كقرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي لتوفير الشرعية الدولية لخطابها السياسي، كما أنها على هذا الصعيد تجاوبت مع الواقع الدولي المفروض فخفضت من سقف خطابها السياسي من المدى الكلي إلى المستوى المرحلي كمطالبة الكيان الصهيوني بالانسحاب من الضفة وغزة كمرحلة أولية والموافقة على قيام الدولة الفلسطينية على أية أرض فلسطينية يتم تحريرها، بشرط التمسك بكافة الثوابت الإستراتيجية وعلى رأسها عدم الاعتراف بالعدو الصهيوني وبثبات الحدود الجغرافية لفلسطين من البحر حتى النهر.

مفاصل ثلاثة.

وعلى العموم يمكن تاريخيًا رصد ثلاثة مفاصل في مسيرة تطور مضمون الخطاب السياسي لحماس: بدايته تتمثل في بيانات الحركة التي كانت تصدر لإدارة  فعاليات الانتفاضة، وغلب على هذه المرحلة الصيغة العمومية والانشغال بالشأن المحلي إلى حد بعيد، وفي المفصل الثاني برزت مرحلة صدور الميثاق التي عبرت عن حالة الاقتراب من البرنامج السياسي ورسم الإستراتيجية العامة، وفي المفصل الثالث تجلت صيغة جديدة على إثر حادثة المبعدين، حيث برز منهج جديد اتبعته الحركة في مخاطبة المستوى الدولي والإقليمي واستطاعت من خلاله إدارة هذه الأزمة ببراعة سياسية بالغة، تحقق لها بسببه انتصار سياسي ممثل بعودة المبعدين إلى ديارهم وما تضمنه ذلك من تراجع للكيان الصهيوني عن قرار له هذا الحجم على المستوى الفلسطيني لأول مرة، وتصاعدت وتيرة النضوج في الخطاب السياسي بحيث أصبحت الحركة تنتج ثلاثة خطابات متمايزة: الأول للساحة الفلسطينية المحلية وتداعياتها، والثاني للعالم الإسلامي، والثالث للمستوى الدولي، وكلها تصدر بأنساق مختلفة في اللهجة السياسية إلا أنها تحمل نفس المضمون في إطارها العام، ولعل آخر انتصار يشير لمدى نضوج خطاب الحركة السياسي ونجاحها في إدارة الأزمات سياسيًا هو خروج رئيس مكتبها السياسي الدكتور موسى أبو مرزوق من سجنه في الولايات المتحدة، وتراجع الكيان الصهيوني عن المطالبة باعتقاله وما يحمله ذلك من معاني النصر السياسي للحركة في هذه الجولة.

الرابط المختصر :