العنوان إندونيسيا تحت ظلال الحكم العسكري
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أغسطس-1992
مشاهدات 73
نشر في العدد 1012
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 18-أغسطس-1992
· الديمقراطية الإندونيسية: واجهة للحكم العسكري
جاكرتا - خاص للمجتمع - من فتحي الدين جعفر
أصبح الانتخاب العام سمة بارزة وعملًا روتينيًا في الدول التي اتخذت الديمقراطية شِرعة ومنهاجًا لها، وقد تختلف اللعبة الانتخابية بين دولة وأخرى حسب دهاء لاعبيها. ومن تلك الدول إندونيسيا، وهي أكبر البلدان الإسلامية، وأعظم تجمع سكاني إسلامي في العالم؛ حيث يقطن فيها حوالي مائة وستين مليونًا من المسلمين. والديمقراطية المطبقة فيها فريدة بنوعها، وتختلف كثيرًا عن الديمقراطية في الدول الأوروبية والأمريكية، وتسمى بالديمقراطية البانتشاسيلا «Demokrasi Pancasila»، ولها خمسة مبادئ:
1. المبدأ الأول: الإله المتفرد.
2. المبدأ الثاني: الإنسان العادل المهذب.
3. المبدأ الثالث: الاتحاد القومي الوطني.
4. المبدأ الرابع: سيادة الرعية المحكومين. يحكمهم مجلس الشعب – مجلس الشورى.
5. المبدأ الخامس: العدالة الاجتماعية لكل المواطنين.
والمبادئ الخمسة وليدة الأفكار والمعتقدات المختلفة من الأفكار اليونانية، والباطنية، والبوذية، والهندوكية، وبعض تعاليم الإسلام. ومن العجيب أن حماة الديمقراطية البانتشاسيلا سواء كانوا يُسمون مسلمين أم غيرهم لم يصلوا إلى صيغة يتفقون عليها في تفسير تلك المبادئ الخمسة.
وكل يحاول تفسيرها وفق رغباته ومصالحه الذاتية والحزبية. ومن الأسف الشديد أن كثيرًا ممن سموا أنفسهم رجال الدعوة والحركة يشتركون في خوض هذه الخلافات التفسيرية حول المبادئ الخمسة، وحاولوا تفسيرها حسب تعاليم الإسلام، ورفعوا شريعة الإسلام الكاملة بها رغم أنها ليست من الإسلام في شيء.
الديمقراطية سلاح فتاك لاغتيال مبادئ الإسلام
حينما ننظر إلى ممارسات الحياة الدينية والاجتماعية في المجتمع الإندونيسي نجد أن الديمقراطية البانتشاسيلا التي تعترف أن الإسلام من الأديان الرسمية، والتي ترددها أفواه الديمقراطيين صباحًا ومساءً من رجال الحكومة الحالية - لم تكن أكثر من سلاح فتاك، اُستخدم لاغتيال مبادئ الإسلام والشعب المسلم، فأصبحت الديمقراطية البانتشاسيلا أداة الضرب الذين يقولون الحق حقًا والمنكر منكرًا، علاوة على اتهامهم بعدة ألقاب مستوردة من الغرب الحاقد كالأصوليين، والإرهابيين، والمتطرفين، وأعداء الديمقراطية، وغيرها من الألقاب تبريرًا لقتلهم، أو سجنهم، ومن جحد بها وكفر.
أما الانتخابات العامة التي تكون من سمات الحياة الديمقراطية التي تضمن لكل مواطن حريته في مزاولة الحياة الدينية والاجتماعية وتُعقَد في كل خمس سنوات ما هي إلا ثياب تغطي المظالم والمنكرات التي ارتكبها الديمقراطيون. وحتى في أيام الحملات الانتخابية الماضية، فالأفواه لم تزل مكممة، والأقلام لم تزل مقيدة، فلا يجوز لأحد أن يتكلم عن الحكومة سوى بالخير والحمد بما اجتازته من تطور للبلاد وتقدمها، أما المظالم التي ارتكبتها الحكومة فلا مجال للحديث عنها.
إن الوضع الحقيقي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الجاري في البلاد يكون بيد العسكر الديمقراطيين كما يقولون، وهم الذين يديرون سير الحياة كما يشاؤون، فيذهبون بالبلاد والعباد حيثما يريدون، فأصبحت الفئة القليلة الخاصة هي التي تسيطر على خيرات البلاد المتراكمة، وهم أبناء الرئيس والمقربون منه من الصينيين اللاجئين والنصارى الحاقدين.
خريطة القوى السياسية المتصارعة
لكي يتضح لنا مدى الصراع المستمر بين القوى والأحزاب السياسية والعسكرية في إندونيسيا من أجل السيطرة على السلطة مستعملة كل الطرق على حساب المسلمين، فلا بد لنا أن نرى خريطة القوى السياسية الموجودة في الساحة مع أساليب سياستها ونشاطها، ثم ننظر إلى الوضع الحقيقي الحالي، وأين يقف المسلمون الذين يبلغ عددهم (160) مليونًا، وكيف أصبحوا ضحايا المعركة الشرسة الدائرة بين القوى والأحزاب المتنافسة التي تحاول دائمًا بأقصى جهدها تنحية القوى والأحزاب الإسلامية، ومسحها من حيّز الوجود.
1. العسكريون
ويتخذ الحزب الحاكم، حزب التنمية والبناء «GOLKAR» ثوبًا له لتكون الفرصة أكثر في إدارة البلاد؛ وذلك لأنه في بلد يحكمه النظام الديمقراطي لا يجوز للعسكر التحكم المباشر، فقاموا بالسيطرة على الحزب الحاكم، وبذلك استطاعوا خداع البسطاء من أبناء البلاد. لقد فاز حزب التنمية والبناء في الانتخابات العامة الخمسة؛ أي منذ تسلمها قيادة الدولة بعد عملية الانقلاب على الرئيس الأول، سوكارنو سنة 1966، بالتعاون مع جهاز المخابرات الأمريكية (CIA).
ومنذ ذلك الحين تغير اتجاه الدولة من الشرق الشيوعي إلى الغرب العلماني الرأسمالي الليبرالي. أما أيديولوجية العسكر وحزب التنمية والبناء فإنها تقوم على أساس الوطنية والعلمانية والباطنية وعداوتها للإسلام شديدة، وتعتبر من أكبر العقبات التي تقف في طريق الدعوة الإسلامية والصحوة الإسلامية الملموسة.
ويتوقع المراقبون أن العسكرية مع حزبها الحاكم ستظل تسيطر على السلطة لمدة لا يعلمها إلا الله؛ وذلك لأنها لا تزال قوية، وتستطيع قيادة مسار الصراع السياسي في البلاد، وإن كانت هناك محاولات لا بأس بها من أجل تنحيتها، وإرجاع البلاد إلى الحياة المدنية، ولكن يبدو أن تلك المحاولات ستخفق ولن تنجح؛ لأنها لا تملك قوة عسكرية ولا شعبية، وإنما تقتصر على المثقفين والمتقاعدين من العسكريين والشعب.
2. مجموعة الخمسين
يعني هنا خمسون شخصًا بارزًا في المجتمع من الساسة والعسكر الذين لم يقتنعوا بزعامة سوهارتو. وهذه المجموعة من الرجال البارزين اتفقوا منذ سنوات من أجل معارضة وإسقاط سوهارتو؛ لأنهم يرون أنه كذلك قد خرج وانحرف عن الديمقراطية البانتشاسيلا والقانون سنة 1945. وقد اتفق هؤلاء على استرجاع الحياة الديمقراطية السلسة كما يظنون بالإضافة إلى بعض الرجال المسلمين البارزين الذين لهم مشاكل قديمة مع الحكومة أمثال الدكتور محمد ناصر زعيم الحزب المشيومي السابق، والدكتور أنوهاريونو وغيرهما من رجال المشيومي.
ولكن هذه المجموعة ينقصهم كذلك التأثير الشعبي والدعم الاجتماعي، وأصواتهم محدودة في أوساط المثقفين والمتعلمين.
3. الحزب الديمقراطي الإندونيسي (PDI)
أما أيديولوجية هذا الحزب واتجاهه الفكري فهو علماني وطني؛ لذا تجد الأحزاب اليسارية أو بقايا الشيوعية والنصرانية وغيرها من الأفكار والمعتقدات الباطلة مكانًا لها فيه بعد أن منعت الحكومة العسكرية تعدد الأحزاب، إضافة إلى ضعف المسلمين في تفهيم مجتمعهم نحو الإسلام، وخاصة عندما خلت الساحة من الأحزاب الإسلامية السياسية والمؤسسات الدعوية الفعالة.
وكان الحزب الديمقراطي صغيرًا، ولم يكن له أي ثقل في المجتمع الإندونيسي، والآن أصبح له تأثير في الأوساط المختلفة، واستطاع معارضة الرئيس سوهارتو بصراحة، بل اتهم الحزب الحاكم بتزوير نتيجة الانتخاب العام الذي انعقد في الشهر الماضي.
ويحاول الحزب الديمقراطي بأقصى جهده إسقاط سوهارتو باتهامه بأنه سارق وناهب لأموال الدولة وقاتل للديمقراطية.
والنصرانية لها تأثير قوي في الحزب الديمقراطي، وكذلك أبناء الرئيس السابق سوكارنو ومحبوه من الشيوعيين، والحزب الديمقراطي هو التيار الأحمر أو التحالف النصراني الشيوعي.
4. حزب الاتحاد للتنمية «PPP»
كان هذا الحزب يتخذ الإسلام أساسًا له ولكل أنشطته، وأهدافه إسلامية، وكان أيضًا مكان التجمع للأحزاب والمؤسسات الإسلامية بعد أن منعت حكومة سوهارتو تعدد الأحزاب سنة 1971م، ولكن تحول الحزب من أهدافه ومناهجه إلى الأهداف والمناهج الوطنية عام 1977م. وتحويل حزب الاتحاد من الإسلام إلى الوطنية يعود إلى المؤامرات التي حيكت ضده من قبل سوهارتو ورجاله وضعف رجال الحزب في التعامل السياسي الإسلامي، وعدم إحاطتهم بالمتطلبات الحديثة، وقلة فهم اللعبة السياسية في هذا الزمان، علاوة على عدم الاهتمام ببناء الكوادر، فاستطاع سوهارتو تخريب هذا الحزب من الداخل، ومنذ ذلك الوقت بدأ الشارع العام يتركه وخاصة المسلمون الواعون، فلم يكن له تأثير قوي في المجتمع ولو كانوا رجال الحزب لا يتركون اسم الإسلام في أيام الانتخابات من أجل الكراسي، وبعد حصولهم على الكراسي في مجلس الشعب أو مجلس النواب يتركون المسلمين الذين يساندونهم.
خاتمة: أمل في الصحوة الإسلامية
ومن خلال تلك القوى المتنافسة -وكلها تحارب الإسلام والمسلمين بطريق مباشر أم غير مباشر- تترعرع الصحوة الإسلامية من جديد؛ حيث إنه فجر جديد يطلع في الأفق لينير للمسلمين طريقهم الصحيح بعد أن ضلوا حقبة من الزمن، وذاقوا ويلات الطواغيت، وجَور الأديان، والصحوة الإسلامية -بفضل الله- تنمو وتكبر طبيعية حسب قاموس الله في التاريخ البشري وفي الكون المتناسق، وهي تظهر بين يدي الناس بثوبها الإسلامي الأصيل لم يتعرف عليه كثير من الناس من قبل، اللهم إلا من تعرف على شمولية الإسلام ومدى فعاليته في حل الأزمات الإنسانية الحديثة، وكذلك من له بصيرة أو قلب لرؤية حقائق التاريخ ووقائع الناس اليوم التعسة والمليئة بكل الأزمات. وعندما تمعن النظر إلى هذه المظاهر الدالة على وجود التغيرات الفكرية والسلوكية لدى المسلمين، وخاصة شبابهم فإننا على يقين أن المستقبل -إن شاء الله- لهذا الدين القويم، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. والله أكبر، والنصر للإسلام والمسلمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل