العنوان إنشاء فضائية إسلامية هادفة.. ضرورة
الكاتب خضير جعفر
تاريخ النشر الثلاثاء 07-سبتمبر-1999
مشاهدات 73
نشر في العدد 1366
نشر في الصفحة 1366
الثلاثاء 07-سبتمبر-1999
الفضائيات التي غزت البيوت مخترقة جدران التحصين الأسري وانفتحت عليها فئات اجتماعية متعددة من خلال حواراتها مع المشاهدين وعلى الهواء الطلق، قد حولت التلفاز إلى منبر حر يطرح فيه الرأي والرأي الآخر، وإذا ما استثنينا بعض اللقطات الهابطة وانحياز بعض مقدمي البرامج بدوافع خلفياتهم الثقافية والأيديولوجية أو غيرها، فإن نافذة في جدران الحصار قد فتحت للإسلاميين وصار بإمكانهم الإطلالة من خلالها على العالم- ولو بحدود - ولذلك فإن الكثيرين من رواد العمل الإسلامي لا يتوجسون خيفة من تلك الحوارات ولا يشعرون بالقلق من أي محاور لأن الإسلام بذاته يمد محاوريه بأسباب القوة ويمدهم بخزين معرفي يحمل الآخر على احترام الطرح الإسلامي وتبني أفكاره -لو أحسنا العرض والأداء- ولذلك فليس لدينا ما نخشاه.
لكن خشيتنا تكمن - وكما يحدث فعلًا- من غياب أو تغييب الرأي الإسلامي الصائب جراء تجاهل الفضائيات أصحاب الرؤية السليمة والحجر على المختصين من دعاة الإسلام، وذلك عندما يعمد بعض القنوات الفضائية إلى دعوة من لم يستوعبوا الخط الإسلامي الأصيل والإتيان بأناس يحملون الإسلام تبعات تشددهم وإصر آرائهم ورؤاهم الشخصية المفتقرة إلى أدلة التوثيق والاطمئنان والموضوعية تحت تأثير فهمهم الجاحد للنصوص والمتمنع، تنطعًا عن تقسم عطر السماحة لروح الدين واستنشاق عبير الشريعة وروحيتها السهلة السمحة.
أو بسبب تعنت بعض المتعصرنين الساعين للوي عنق النص الشرعي باتجاه رؤى غير منضبطة بحدود الله وأحكامه، وبالتالي قهر المشاهد على مواجهة إنفاق الحيرة الموصدة على إفراط الطرف الأول وتفريط الطرف الثاني وكلاهما ينأيان عن جادة الإسلام ولا يمثلان صفاء ولا يحكيان نقاء كما لا ينهضان طرحًا حضاريًا عقلانيًا مقنعًا لإنسان نهايات القرن العشرين وبدايات القرن القادم على حد سواء.
إذ إن الكثير مما يطرح من أفكار ورؤى ملونة باللون الإسلامي على السنة من استدرجتهم رغبات تحت عنوان تعريف الفكر الإسلامي أو تخريفه عبر التضبيب على صورته الحضارية المشرقة والتعكير لقيمة الإنسانية الخيرة وبالتالي فليس أمام جيل الشباب ممن يشق عليهم تشخيص خطأ أو صوابية ما يطرح إلا أحد سبيلين فإما أن يخطف أبصارهم بريق الشاشة الصغيرة فيقعوا تحت تأثير أفكار خاطئة ما أنزل الله بها من سلطان من خلال عملية تلقي مفتقرة لأدوات التمحيص أو أن ينفروا من الفكر الإسلامي ويتعاملوا معه بسلبية. لأنه لم يكن عمليًا ولا واقعيًا ولا مقنعًا ذلك الذي يمليه عليهم هذا المتطرف المحرف وذلك المفرط المخرف.
وقد لا تقتصر الآثار السلبية لهذه الظاهرة المرضية على جيل الشباب المسلم وإنما تتسع وتتعداه لتشمل حتى غير المسلمين من أولئك الباحثين عن النور ممن أضناهم الضياع في دهاليز ظلام الجاهلية الحديثة ممن نطمح أن نخطب ودهم عندما نخاطبهم بلغة الإسلام الهادية التي ما عرضت على عاقل فأبي.
إن قائمة حاشدة بأسئلة حائرة في أذهان الشباب تنتظر بشغف من يجيب عنها بوضوح وعمق وبشكل مباشر، كما أن أضواء وأجواء الصحوة الإسلامية المعاصرة وما رافقها من جدل أنكت فضولًا متميزًا لدى الكثيرين لمقاربة الظاهرة الإسلامية المتنامية واستنطاق أهلها ودعاتها وولد رغبة جامحة لدى الناشئة المتابعة كل حوار حولها قد لا يقل عن حرص أعداء الإسلام على فهم عناصر القوة والضعف في هذا المارد الجديد الذي انطلق مؤخرًا عملاقًا يلتهم المسافات ويهدد حصون قلاعهم ومصالحهم وينذر بنسف بنيانهم المادي العتيد ويتحداهم بقوة استفزت كل وجودهم واستنفرت كل قواهم لرصده ومواجهة رياح تغييره وتأثيره بكل الوسائل والسبل.
ولذلك فإن اهتمامًا حقيقيًا بالإسلام ومشروعه والقائمين عليه يستقطب الأعداء والأصدقاء على حد سواء. كما أن منطقة فراغ واسعة يجهل فيها الكثيرون حقيقة هذا الدين وهذه المنطقة تفرض نفسها على الواقع بإلحاح ليملأها الخطأ، إن لم يبادر لملئها الصحيح الأصيل من خلال حضوره متسلحًا بقوة المنطق وحجة الدليل.
إن هذه الحالة تستحث كل الذين يعنيهم أمر الإسلام والدعوة الإسلامية إلى المسارعة نحو إنشاء فضائية إسلامية داعية تستجيب المطالب الجيل الجديد، وهي تتبنى خطابًا إسلاميًا يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وينتهج خطأ وسطيًا واتجاهًا إيجابيًا يمثل كل ألوان الطيف الإسلامي المقبولة، مع استحضار دائم لروح التسامح الإسلامي البناء.
إن أكداسًا من الورق تلقي بضاعتها في السوق الثقافية لعالمنا الإسلامي ويخشى عليها من كساد حقيقي، لأنها لم تعد قادرة على مناقشة ما يعرض في هذه السوق، من إثارة وسرعة وحركة وصور ملونة وحدث بكر حديث لذلك فإن استنزافًا للجهود وتبديدًا لرؤوس أموال كبرى في دائرة الإعلام التقليدي، لا تغطي حاجة الجيل ولا تستأثر باهتمامه كما ينبغي، إنما تمثل خسائر كبرى العمل الإسلامي والعاملين في سبيله، وتفترض أن يوجه بعضها وجهة أخرى تكون أكثر نفعًا، ولذلك فإن ما لدى المسلمين من مال وفكر وفن وطاقات إسلامية ضخمة هي مواد خام قابلة للتصنيع في دنيا الإنتاج والتوليد وبإمكانها ملء مناطق فراغ لا تسدها غير فضائية إسلامية واعية وسطية النهج، عصرية الطرح أصيلة الفهم والاتجاه، وأحسب أن مفرداتها متوافرة وتمثل حبات مسبحة ثمينة بحاجة إلى من ينظمها عقدًا في خيط توحد متين لتدخل بها القرن الحادي والعشرين، ونحن مسلحون بأليات راقية، وأدوات للترقية والتقدم، وخشيتنا ألا نواكب الزمن فلا تلحق بأهله إلا بعد حين تتحول معه الفضائيات نفسها إلى وسائل إعلام متخلفة في عالم تتسارع فيه الخطى لاختزال الزمان والمكان واحتواء الإنسان.
فلتشعل شمعة ولا نكتف بلعن الظلام ولنتسلح بأدوات العصر قربة إلى الله تعالى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل