العنوان في مجرى الأحداث «نظام» يمشي على يديه ويفكّر برجليه!
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر الجمعة 06-يناير-2012
مشاهدات 55
نشر في العدد 1983
نشر في الصفحة 13
الجمعة 06-يناير-2012
نعم.. لم يتمتع نظام بمنظومة من الخُبْث والدّهاء في صناعة الحدث وتوجيهه لصالحه مثلما يتمتع النظام السوري.. فقد أتحف ذلك النظام العالم على امتداد تسعة أشهر - عُمْر الثورة السورية التي تفجرت في 15/3/2011م - بباقة من الحِيَل والألاعيب التي تفوّق فيها على نفسه إعدادًا وإخراجًا، بما يؤهّله لنَيْل أفضل جائزة عالمية في «قتل القتيل والمشي في جنازته».. والظهور على المسرح بحالة تقطّع نياط القلوب من البراءة والوطنية، وحِفظ أمن الوطن، والحرص على سلامة الشعب!!
وقد تابعنا تلك البراعة في إخراج عمليات
قمع المتظاهرين وقتلهم وسحلهم، وحشرهم خلف القضبان في مسالخ بشرية، وسط حديث مكثف
وتحليلات من كهنة النظام عن أن العملية برمتها لا تعدو أن تكون تصديًا من الجيش
الباسل! لفلول من الإرهابيين وهم قلة يعكّرون صفو الوطن، ويعطّلون مسيرة التقدم،
وغيرها من شعارات و«أكليشهات» الأنظمة القمعية المتخلفة التي سمعناها كثيرًا من «قذافي»
ليبيا و «صالح» اليمن و «مبارك» مصر، و «بن علي» تونس، وغيرهم.. لكن الذي ثبت بعد
عشرة أشهر أن تلك القِلّة التي تعكّر صفو الوطن هم أكثر من ستة آلاف شهيد، وضعْفهم
على الأقل من الجرحى، وأربعة أضعافهم على الأقل من المعتقلين، وأكثر من مليون مشرّد..
هل هذه قلّة؟! كيف تكون الكثرة إذًا؟! أليس ذلك نظامًا «منكوسًا».. يفكّر برجَليه
ويمشي على يديه؟!
وعندما يواصل الحديث عن إرهاب وجماعات
إرهابية وخارجين عن القانون دون قدرة على ضبط الأمن وضبط هذه الجماعات الإرهابية -وفق
زعمه- وتحقيق الاستقرار بالبلد على مدى عشرة أشهر، ألا يكون بذلك قد قدّم شهادة
عدم صلاحيته، وشهادة على فشله، ودليلًا على وجوب ترك تلك السلطة التي يتشبث بها؟!
وعندما يستقبل بعثة مراقبي الجامعة
العربية التي لا تسمن ولا تغني من جوع بأضخم إنفجارين، راح ضحيتهما من راح من
الشعب السوري، فتلك العوبة مكشوفة وبالية من ألاعيب السنوات الغابرة.. لقد أراد أن
يُوجد لنفسه مبررًا لجرائمه، وأن يلقي في روع البعثة أنه يكابد إرهابًا عاليًا من
أجل شعبه، لكنه أثبت أنه فاشل في حفظ أمن بلاده، وأثبت أنه يفكر برجليه ويمشي على
يديه، ولو كان نظامًا يحترم نفسه لاستقال على الأقل.
لقد ظلّت رسائل النظام السوري للعالم
وللجامعة العربية تؤكد أنه ضحية مؤامرة على صموده أمام العدو الصهيوني وممانعته،
وحاول البعض تصديقه، وتباطأت الجامعة العربية في التعامل مع جرائمه، ومنحته مُهلًا
عديدة كانت بمثابة غطاء الحملة الموت التي يصفّي بها الشعب السوري.. كانت رسالة
ذلك النظام للجامعة وللعالم أنه ضحية، بينما كانت رسالته الواضحة للشعب السوري «الضحية
الحقيقية» مزيدًا من التصفية والقتل، وكلما أخذت الجامعة خطوة من خطواتها البطيئة
حيال حقن دماء الشعب، ردّ عليها النظام المجرم بمزيد من المجازر كمًا ونوعًا، وما
نتابعه يوميًا من صور ومشاهد وأرقام الضحايا يشيب له الولدان، ومَن يراجع سجلّات
القتل اليومي منذ بدء ثورة الشعب السوري سيجد أنها تحركت من معدل خمسة عشر شهيدًا
يوميًا في بدايات الثورة إلى عشرين ثم ثلاثين شهيدًا يوميًا عندما تدخلت الجامعة
العربية وجمّدت عضوية سورية فيها، ثم تزايد العدد عندما قبل النظام -مرغمًا- بعثة
مراقبة الجامعة، حيث أستقبلها بأكثر من مائة ضحية.. والرسالة هنا واضحة، «أن تدخّل
الجامعة العربية لن يُوقف المجازر، بل يزيدها عددًا ودماًء ولن يحمي الشعب السوري،
بل يزيد من محنته».
والنظام في كل الأحوال يواصل خبراته
المتراكمة -عبر ستين عامًا- في إخراج مجازره على أنها موجهة إليه هو وليست من صنع
يديه!! والجامعة توقفت عند هذا الحد بل وتجمّدت للأسف الشديد، وذلك يعيد الحديث
بقوة عن هشاشة النظام العربي، وبؤس قدرة الجامعة العربية، ولا يتحمل أمين الجامعة
ولا طاقمها شيئًا في هذا الصدد، فإنما هم يديرون مؤسسة هي صدى للحكومات والنظم
العربية التي ينضح بؤسها وهشاشتها على تلك الجامعة.. ومن يتأمل في تعامل النظام
السوري الجهنمي مع تلك الجامعة، يدرك بسهولة كيف يتلاعب بها، ويمارس عليها ألاعيب
الحواة، وهي عاجزة عن كبْحه، لأن نظامها الأساسي وقوانينها تجعل من تلك الجامعة
خادمًا للنظام العربي، وقد آن الأوان لأن تكون تلك الجامعة خادمة للشعوب أولًا،
وتملك من القوة والقوانين ما يجعلها تنحاز للشعوب إن ثارت على حكوماتها.. ولكن ذلك
يظل في طي الأمال والأحلام، لأن ذلك مرتبط بإصلاح النظام العربي جُملة، وهي خطوة
تحتاج لسنوات، وتحتاج لتضحيات من الشعوب تنوء بها الجبال.. لكن جسارة الشعوب باتت
أقوى من أي عائق، وذلك واضح من تسابُق الشعوب نحو الموت في سبيل حريّتها واقتلاع
الأنظمة الاستبدادية من جذورها بما يفُوق أي تصوّر وأي حد.
إن النظام السوري السائر على يديه يسير في طريقه الغارق في الدماء وهو لا يلوي على شيء، ولا يعرف إلى أين يتجه وإلى أي نقطة ينتهي لأنه يفكر بقدميه فقط، ويظن أنه أذكى أنظمة الأرض.. لكن يديه ورجليه تقودانه إلى حتفه الرهيب ونهايته المأساوية التي ستكون حديث الدنيا كلها إن شاء الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل