; نقاط: المسكوت عنه في الإعلام المنحاز | مجلة المجتمع

العنوان نقاط: المسكوت عنه في الإعلام المنحاز

الكاتب أحمد عز الدين

تاريخ النشر الثلاثاء 07-مارس-2000

مشاهدات 69

نشر في العدد 1391

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 07-مارس-2000

منذ الانتخابات البرلمانية الملغاة في الجزائر عام ۱۹۹۲م والنغمة السائدة أن الإسلاميين على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم إنما يسعون لاستخدام الديمقراطية والتعددية والانتخابات حصان طروادة... يركبونه ليوصلهم إلى الحكم ثم يحرقونه.. أي يلغون التعددية والانتخابات ولا يسمحون لغيرهم باستلام السلطة.

ذلك السيناريو لم يحدث بالطبع لا في الجزائر، ولا في غيرها، بل العكس هو الذي حصل حيث ألغى الجيش الانتخابات «مخافة أن يصل إلى الحكم من يلغي الانتخابات»، فأصبحت الجزائر مخافة الدكتاتورية المتوهمة في دكتاتورية حقيقية، ومخافة الاستبداد المزعوم في استبداد محتوم، وقد باء بإثم ذلك جنرالات الجيش ومن وافقهم.

والمعتاد في الإعلام التبريري المنحاز لتلك القرارات الاستبدادية أن يلتقط حادثة حقيقية أو وهمية ثم يضخمها ويجعل من حبتها قبة، ثم يأخذ في تكرار تلك الحادثة حتى يصدقها الناس وهذا منهج عام للعلمانيين، وهو منهج غير علمي البتة، وأذكر أنه فيما يتعلق بالجزائر ظل هؤلاء يستشهدون بمقولة صدرت من أحد خطباء المساجد غير المعروفين والذي لا يمثل الجبهة الإسلامية للإنقاذ ولا غيرها.. ولكن مقولته إن جبهة الإنقاذ ستلغي العمل بالديمقراطية بعد تسلم الحكم، طبقت أجواز الفضاء لأنها لاقت هوى عند الإعلام المنحاز فيما ذهبت أدراج الرياح كل التأكيدات التي صدرت من زعماء الجبهة المسؤولين وتجاهلها الجميع، ثم إن الموقف المزعوم المنسوب إلى جبهة الإنقاذ جرى تعميمه على كل الحركات الإسلامية وألغيت تمامًا كل الفوارق الواضحة والمعروفة بين الإنقاذ وغيرها، وهكذا أخذت الحركات الإسلامية في العالم أجمع بكلمة نطق بها شخص واحد في الجزائر وسكت الإعلام المنحاز عن كل قول يخالف هواه.

وقريب من ذلك قيل عن إيران وعن سيطرة «المتشددين» على السلطة فيها، لأكثر من عشرين عامًا، وأن الملالي لا يسمحون لمعارض أن ينيس ببنت شفة... لكن هذا الإعلام نفسه لم يشرح لنا كيف نما تيار الإصلاح في إيران حتى وصل إلى رئاسة الدولة، ثم إلى أغلبية مجلس الشورى ترى هل كان يمكن أن يتم ذلك في ظل نظام قهري استبدادي؟ كيف قبل المحافظون بتسليم السلطة لغيرهم دون إراقة دماء؟ وماذا لو قارنا موقفهم بموقف شاه إيران السابق رضا بهلوي الذي لم يغادر البلاد إلا بعد أن أريقت انهار من الدماء، وأزهقت أرواح لا يعلم بها إلا الذي خلقها؟ ألا تعد تلك «حسنة»، للمتشددين ينبغي ذكرها؟ بالطبع، فإن الأمر ليس كذلك في عرف الإعلام المنحاز وإنما المطلوب أن يظهر المحافظون على أنهم نالوا هزيمة قاسية، وأن الإيرانيين قد نجحوا في النهاية في التخلص من التشدد.

وفي طريق الوصول إلى تلك المعاني يستخدم الإعلام المنحاز مصطلحات يتم تحميمها حتى يحار المرء في إيجاد بديل عنها يكون محايدًا أو متوازنًا، فكلمة الإصلاحيين تحمل معاني إيجابية، ومن ينطق بها لا يكون محايدًا، وإنما يكون منحازًا لهذا التيار، ومع ذلك فهو مضطر لذلك، حيث لا توجد كلمة بديلة تعطي المعنى نفسه ويفهمها الآخرون.

وقريب من ذلك، الحملة التي شنها الإعلام المنحاز على جماعة الإخوان المسلمين في مصر حين خرج أو أخرج عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة أو اليدين على أكثر تقدير من الجماعة قبل أربع سنوات تقريبًا.

فقد أبرز الإعلام الأمر على أن «الشباب»، قد خرج من الجماعة -على الرغم من أن أعمار أكثرهم حينذاك كانت قد جاوزت الأربعين- وجرى تعميم الحالة لتشمل كل الشباب، وكأنه لم يعد داخل الإخوان سوى الشيوخ والمسنين، وحين جرى اعتقال عشرين نقابيًا في القضية الأخيرة التي تتداولها المحكمة العسكرية هذه الأيام.. سكت الإعلام المنحاز عن النقطة التي سبق أن أثارها.. فكل المعتقلين تقريبًا ينتمون إلى الشريحة العمرية نفسها التي تنتمي إليها الفئة الأولى.. لكن وجود عشرين شخصًا على الأقل... والرقم بالطبع أضعاف ذلك أضعافًا كثيرة، مع الإخوان لا يعد دليلًا مقنعًا للإعلام المنحاز، بينما خروج بضعة أشخاص هو الدليل.

وعلى الخط ذاته تجاهل الإعلام المنحاز موجات الاعتقال المستمرة لطلاب الجامعات -وهم الذين يمثلون الشباب حقيقة- على الرغم من أن وجود هؤلاء وأضعاف مثلهم لم يتعرضوا للاعتقال يدحض الأفكار الزائفة التي يحاول الإعلام المنحاز ترويجها.

وعلى هذا المنوال يمكن ذكر عشرات الأمثلة.. ولكن هل يكف هذا الإعلام عن انحيازه نرجو ذلك، وإن كان الواقع يقول: إنه إنما وجد من أجل هذه الرسالة المنحازة بكل أسف.

الرابط المختصر :