; إنصافًا لعلماء اليمن: وتعقيبا على الأستاذ فهمي هويدي: حول الوحدة اليمنية ومشروع الدستور: إنها لا تعمي الأبصار!! | مجلة المجتمع

العنوان إنصافًا لعلماء اليمن: وتعقيبا على الأستاذ فهمي هويدي: حول الوحدة اليمنية ومشروع الدستور: إنها لا تعمي الأبصار!!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 08-مايو-1990

مشاهدات 59

نشر في العدد 965

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 08-مايو-1990

  • ألم يقرأ الأستاذ هويدي ما قاله غورباتشوف في البرويسترويكا عن الخطأ الذي وقعت فيه الحكومات الشيوعية عندما عاملت المرأة كالرجل؟!

لأن الوحدة اليمنية حدث غير عادي بكل المقاييس، وعلى كل المستويات محليًّا وغربيًّا، وإسلاميًّا بل ودوليًّا، فقد احتلت مركز الصدارة في وسائل الإعلام المحلية والعربية، متابعة لأخبارها، ومراقبة لتطوراتها، وملاحقة لما يجد كل يوم من نتائج اللقاءات الوحدوية سواء على مستوى القيادة في الشطرين أو على مستوى اللجان الوزارية، والوحدوية المشتركة، وتحليلًا وتقييمًا للقوى السياسية ذات التأثير في الساحة اليمنية، مواقفها وآرائها، وتفاعلها مع الخطوات الوحدوية.. بل إنه حتى الإعلام العالمي لم يستطع تجاوزها، وإغفالها، ولو بمجرد الإشارة إليها أو التنويه بها، كحدث غير عادي، وخطوة جادة وممكنة التحقق- وسواء كان ذلك كيدًا لها أو إشادة بها..

حول مشروع دستور الوحدة

ولعل النقاش والحوار حول «مشروع دستور دولة الوحدة» قد نال النصيب الأوفر والأوفى من ذلك الاهتمام كله، على اعتبار أن «الوحدة» لا خلاف بين اليمنين عليها، ولا شك عندهم في تحققها، فهي حلمهم الطويل، وهم يعيشون هذه الأيام فرحة تحقق هذا الحلم، وهي أسمى هدف يسعى له كل يمني مهما كان حظه من الوعي، والثقافة، وبغض النظر عن اختلاف وجهة نظره، وآرائه مع غيره من اليمنيين فإنه يلتقي معهم جميعًا في نفس الهم.. الوحدة.. لا يشك في ذلك إلا إنسان لا معرفة له البتة باليمن واليمنيين!

ومن أمثلة ذلك الاهتمام الإعلامي ما كتبه الأستاذ فهمي هويدي- الصحفي المصري المعروف- في مقالاته الثلاث والتي نشرها في الأهرام، على مدار ثلاثة أسابيع متتالية.. وكلها تدور حول ما يجري في اليمن، وفي حدود الإطار الذي أشرنا إليه.

مقالات هويدي

وقد تيسر لي أن أقرأ بإمعان ما كتبه الأستاذ محمود فهمي هويدي في مقالاته الثلاث، إلا انني لاحظت أن الأستاذ قد أصاب في الأولى، وأخطأ في الثانية وكرر نفس الخطأ في الثالثة، والتي كانت عبارة عن تكرار ركيك لفظًا ومعنى لما كتبه في مقالته الثانية، ولعل صوابه في المقالة الأولى جاء من كونها مجرد مقالة وصفية، مع شيء من التحليل للوضع في اليمن في الفترة الأخيرة، وللقوى السياسية المؤثرة في الساحة، والأستاذ هويدي مجيد في هذا اللون من الكتابة خاصة إذا توفرت له- الأسباب والمقومات.

إلا أنه لما حشر نفسه في غير ما يجيد، مع فقر في خلفيات الموضوع وضعف زاده في العلوم الشرعية والقانونية، فقد وقع في أخطاء، وزلات، كنا نربأ بمثله أن يتورط فيها، احترامًا لنفسه، ولقارئه على السواء! مع أنه كان الأولى به أن يعرف قدر نفسه، وإمكاناته فيلزم حده، فيحمد على ما فعل. ولكن ما هو الموضوع الذي تعرض له؟ ولم يكن أهلًا للخوض فيه وما هي الأخطاء والزلات التي وقع فيها؟ ذلك ما سنعرض له فيما يلي:

التباس في الفهم.. مع شدة وضوح في المعني المطروح:

ولعل من المفيد قبل الخوض في التفاصيل أن أشير إلى انه قد أدهشني جدًّا، بل صدمني بعنف ما ذهب إليه الكاتب في تفسيره وتحليله لكلام علماء اليمن وملاحظاتهم حول «مشروع دستور دولة الوحدة» دولة المستقبل، دولة اليمن الكبرى... إذ إنني لم أجد مسوغًا أو مبررًا واحدًا لما ذهب إليه الكاتب الفاضل في تعليقه وملاحظاته التي ختم بها مقالته الثانية.

ولا أخفي على القارئ الكريم أنني ظننت ابتداء أن الرجل قد غرر به، فأعطي معلومات مغلوطة، أو غير دقيقة عن موقف العلماء فيما ذهبوا إليه- خاصة وأن له تجربة سابقة- عندما كتب عن اليمن- متأثرًا ببعض ما سمعه من ذوي التوجه العلماني الذين رافقوه في زيارته لليمن في العام الفائت، فجاءت مقالته تلك محشوة بما هو حق وباطل، وبما هو حقيقة وبما لا يزيد عن كونه محض زيف، لذلك فإنني هذه المرة ذهبت كل مذهب في التعلل للأستاذ، وفي البحث عن مبرر للمزلق الخطير الذي انزلق فيه.. فقال ما قاله في تمهيده لمقالته الثانية في الأهرام الصادرة بتاريخ 13/3/1990 إلا أن ما زاد من دهشتي وحيرتي، أنني كنت كلما تابعت قراءة موضوعه تبين لي بأن الرجل، تلقى معلوماته عن الموضوع من مصادره، إذ إنني رأيته قد اطلع على ما كتبه العلماء في بيان ملاحظاتهم على «مشروع دستور دولة الوحدة».. وعجبت أشد العجب، إذ كيف لمثل هذا الأستاذ أن يلتبس عليه الفهم في مسائل وضحها العلماء بأجلى بيان، فأضحت في مثل وضوح الشمس في رابعة النهار.. لقد قلت لنفسي: إنه لو صدر مثل ذلك الكلام عن غير الأستاذ هويدي.. ممن يكنون العداء للإسلام، أو يكيدون له، لهان الأمر، وانجلى الخطب، ولتعلل الإنسان بالقول، بأن أمثال هؤلاء وأولئك لا يرجى من ورائهم سوى ذلك أو أشد منه قليلًا.. أما أن يصدر مثل ذلك الكلام الذي أقل ما فيه أنه تنقصه الكياسة، ويخلو من اللباقة من مثل الأستاذ فهمي هويدي، فإن ذلك يدعو لمزيد من الأسى، والحسرة، ويوجب التعقيب والنصح والتذكير.

تساؤلات صريحة ومخلصة

وأنا إلى الآن لا أدري كيف خان الأستاذ هويدي التعبير وهو ذو الخبرة الطويلة في الكتابة الصحفية، بل كيف لم يحالفه التوفيق في إدراك مقصد العلماء مع وضوحه وجلائه، وعلميته؟ وإذا كان ذلك غريبًا، فإن الأمر الأكثر غرابة، هو أنني لا أدري- أيضًا- كيف ساغ له أن يدعي بأن علماء اليمن ينطبق عليهم ما زعمه في بداية مقالته مما نربأ بأنفسنا عن إعادته؟ ولكن أقل ما يقال فيه أنه تعامل ينقصه الأدب الإسلامي في التعامل والتخاطب مع ورثة الأنبياء من علماء هذه الأمة!

فهل نعتذر للأستاذ ونقول بأنه أُتي من قبل الاستعجال في قراءة وسماع ما قالوه وكتبوه، ومن ثم الكتابة حوله- وبعجلة أيضًا- فوقع فيما حذر منه العقلاء من القديم في الحكمة الشائعة «إن في العجلة الندامة». ولكن أما كان الأجدر به، والأولى له، والأسلم لدينه، والأوجب في حق إخوانه ألا يتسرع في تسجيل رأيه وملاحظاته، حوله، حتى لا يقع في مثل الزلات التي وقع فيها؟ أم نعتذر له ثانية- فنقول- إن انشغالاته الكثيرة والتزاماته أمام رؤساء تحرير الصحف والمجلات التي يكتب لها أكثر من مقالة أسبوعيًّا، إلى جانب مشاركاته العديدة في الندوات والملتقيات والتي تعقد بين الحين والآخر وفي بلدان مختلفة مما يضطره لكثرة السفر والترحال وبالتالي فلم يعد لديه الوقت الكافي للتأمل والتدبر قليلًا فيما يقرأ أو يكتب! إنه لو كان الموضوع، غير الذي أشرنا إليه لهان الأمر، ولكان غض الطرف عنه أولى، والتجاوز عن زلته أجدى- كما فعلنا معه فيما مضى- وفيما سبق الإشارة إليه.. أما أن يقع فيما وقع فيه، وهو يعقب على موضوع خطير مثل هذا، قد يؤثر إبداء الرأي فيه وحوله- قليلًا أو كثيرًا- سلبًا أو إيجابًا- في مستقبل شعب مؤمن عريق في إيمانه، وأمة مشهود لها «بالفقه والحكمة» وبلدة طيبة مثل اليمن واليمنيين! فذلك ما لا يجوز تجاوزه، والسكوت عنه!

ونعود للتساؤل: أما كان الأجدر به وهو الكاتب اللبيب أن يعطي الموضوع حقه من الدراسة الواعية المتأنية، وتقليب وجوه النظر، فيكون قد أسدى معروفًا لشعب اليمن واحترم عقول قرائه، أولًا، وحتى يكون لرأيه وزن وثقل، ولا يصبح مجرد كلام صحفي فيه الكثير من الهفوات، والسقطات، وتعتريه الركاكة والسطحية ثانيًّا.. على أننا لو حاولنا أن نتتبع عثراته، وسقطاته، في مقالاته تلك لطال بنا المقام ولكننا لن نتعرض إلا لما نراه ذا أثر سيئ على سمعة الأستاذ، وأثر سلبي على بعض قرائه، ممن يثقون به، ويتابعون كتاباته، ويعجبون بأسلوبه.

مزالق وسقطات هويدي

أولًا: مع أن الأستاذ قد أورد مآخذ العلماء على ما في «مشروع دستور دولة الوحدة» من ثغرات.. وهي تسع نقاط- أوردها مختصرة اختصارًا مخلًّا في معظم الأحيان.. ولعل عذره ضيق المساحة لمقاله الأسبوعي.. أقول مع أنه قد سردها- مما أفادنا في تصويبه- وبيان مزالقه.. إلا أنه قد جانب الصواب عندما عقب عليها، مع أن القارئ المسلم الواعي للإسلام سيكفيه ما أورده الأستاذ من كلام العلماء.. ليقتنع بما قالوه وخاصة أنهم في بيان رأيهم في الثغرات قد أشفعوها بالدلائل، والتفاسير العلمية من الكتاب والسنة، بالإضافة إلى استنادهم إلى الدستور الدائم لليمن- والذي حاكموا إليه بصورة رئيسية- باعتباره إسلامي الصبغة لفظًا ومعنى- مشروع دستور دولة الوحدة- ويستغرب الإنسان عندما يلاحظ أن الأستاذ هويدي قد وقف عاجزًا، عن إعلان رأيه بشجاعة أدبية بتأييد العلماء فيما ذهبوا إليه، والوقوف بجانبهم إبراء لذمته، وخدمة لدينه وإرضاء لربه، وموافقة لنداء ضميره، وإحسانًا لشعب اليمن الذي أكرمه عندما زار صنعاء! أو قل- بأضعف الإيمان- أما كان من الأجدى للأستاذ أن يبدي رأيه المخالف ولكن بأدب، ولباقة، مؤيدًا بأدلته من كتاب الله وسنة رسوله- مرجع كل مسلم- وأقوال العلماء المتقدمين منهم والمتأخرين.. لا أن يتعامل مع مآخذ العلماء بتلك الصورة التي أقل ما يقال عنها أنها خالية من الأدب في مخاطبة إخوان له، فضلًا عن علماء مجاهدين، لهم مكانتهم، والمشهود لهم بالمقدرة العلمية، والعمل الدائب والمستمر لخدمة دينهم، وبيان محاسنه وأحكامه للناس في صدق وأخلاق وشجاعة، وذلك ما دفعهم لبيان ما في مشروع دستور دولة الوحدة من ثغرات، مع علمهم أن ذلك- على الأقل- قد يغضب بعض الفئات، وقد يجلب عليهم سخط البعض الآخر، وعدم استجابة آخرين.. ولكنها الاستجابة لأمر الله الذي أمر العلماء بعدم كتمان العلم!

كلام العلماء وادعاءات هويدي

فعلي سبيل المثال

كيف تأتى للأستاذ أن يقول في ملاحظاته على مآخذ العلماء: «إنهم باسم الغيرة على الدين قدموا الإسلام وكأنهم ضد المساواة، وضد الحرية، وضد المرأة» مع أنه قد أورد في مقالته المأخذ السابع للعلماء على مشروع الدستور، والذي يقول العلماء فيه بأن في مشروع الدستور ثغرة فيها «تهديد للدماء والأعراض والحريات العامة». ثم قالوا تبريرًا لهذا الادعاء كما نقله عنهم الأستاذ «فدستور اليمن الحالي- ويقصدون به الدستور الدائم- ينص على كافة الحريات في حدود الشريعة والقانون، وأن للدماء والأعراض حرمتها، لكن مشروع الدستور لم يشر إلى ذلك، فأصبحت الدماء والأعراض والأموال مهددة»!

ثم أضافوا بأن «المشروع نص على أن القانون يحدد الحالات التي يحرم فيها المواطن من حريته! وعقبوا على ذلك بقولهم «وذلك ما يفتح الباب للعدوان على حريات الناس بالقانون!» فهل يصح لعاقل يملك حدًّا أدنى من المعرفة بالإسلام أن يوافق الأستاذ هويدي فيما ذهب إليه من أن العلماء قدموا الإسلام وكأنه ضد الحرية مثلًا!

بل هل يجوز لإنسان يملك قدرًا ولو يسيرًا من التمييز أن يفتري على العلماء كما فعل الأستاذ- بعد ذلك من «أنهم شغلوا أنفسهم بالعقائد والضمائر والأخلاق وما قد يوصف بأنه حقوق الله، بينما لم تحتل حقوق الناس في خطابهم حظًّا يذكر»! أي تناقض، بل أي جرأة هذه التي يملكها بعض الناس، وهل يظن الأستاذ هويدي بأن كل القراء لا يفهمون ما يقرأون، أو لا قدرة لديهم على التمييز بين كلام العلماء، وادعاءات بعض الصحفيين غير الحصيفة!

وليت الأستاذ اكتفى بذلك ولكنه واصل ادعاءاته التي تفتقد إلى الحد الأدنى من العلمية قائلًا: «الأمر الذي غيب الحرية «الشورى» والديمقراطية، والعدل- مثلًا عن محاور مناقشتهم» ونحن نعجب جدًّا لقوله هذا! إذ إنه قد نقل المأخذ الثامن لعلماء اليمن، والذي يقولون فيه بأن من ثغرات مشروع الدستور أن فيه «تهديد للشعب بالاستعباد في حالة الطوارئ» ثم قالوا تأييدًا لمأخذهم هذا «فقد أعطى المشروع الدستور مجلس الرئاسة الحق في إعلان الطوارئ.. وفي ظلها- حالة الطوارئ- يتمكن الحكام- والكلام ما زال للعلماء- من الظلم، والجور، واستعباد شعوبهم بينما الدستور الحالي يجعل الشريعة الإسلامية هي الحاكمة في كل الأحوال، الطوارئ وغيرها- مما يمثل ضمانًا يحمي الناس».

فهل يصح عقلًا ومنطقًا وهذا كلام العلماء يؤكد المرة تلو الأخرى على حرية الشعب، وحمايته، والعدل معه، واحترام حقه في الاحتكام للشريعة.. أن يزعم إنسان بأنهم حصروا أنفسهم في الكلام عن «حقوق الله!» بينما لم تحتل «حقوق الناس» في خطابهم حظًّا يذكر.. سبحان الله وصدق عندما قال في كتابه ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور (الحج:46).

ثم على افتراض بأنهم شغلوا أنفسهم بالكلام عن «حقوق الله».. أفلا يستحقون على ذلك الشكر، والتأييد بدل التعنيف والتأنيب! أم أن حقوق الله لا مكان لها لدى الأستاذ! ثم -أيضًا- كيف غاب عن الأستاذ ما تفعله الحكومات بشعوبها في ظل قوانين وحالات الطوارئ.. أم لأن الأستاذ يعيش معظم حياته خارج مصر فهو لا يدري ما يعانيه الشعب المصري في ظل قانون الطوارئ الذي يكاد يصبح حالة دائمة لا حالة طوارئ تزول بزوال أسبابها والتي يفترض فيها أنها «طارئة ووقتية» وليست دائمة، ومستمرة! أم أن الأستاذ يحب لشعب اليمن -الأبي- ما يحبه لشعب مصر! ثم هل صحيح بأن علماء اليمن قدموا الإسلام- في كتيب «الثغرات» وكأنه ضد المرأة -مثلًا- وقد قالوا في مأخذهم التاسع أن من ثغرات مشروع الدستور أنه «ألغى الأحكام الخاصة بالنساء» فبينما نص الدستور الحالي «على أن للنساء من الحقوق أو عليهن من الواجبات ما تكفله الشريعة، وينص عليه القانون»، فهل في هذا الكلام ما يشم منه بأنه ضد المرأة، أو أن العلماء أساءوا للإسلام وقدموه على أنه أو كأنه ضد المرأة.. سبحانك ربي هذا بهتان عظيم! أم أن الأستاذ قد أغضبه قولهم بعد ذلك مباشرة «وقد ألغى المشروع ذلك وقرر المساواة بين الرجل والمرأة»! ونحن نسأل: ماذا يريد فهمي هويدي أكثر من ذلك، أكثر مما قررته الشريعة الإلهية.. أم أن الأستاذ أو غيره أعدل من الله وشريعته! أو أكثر إنصافًا للمرأة من خالقها ونبيها الكريم! وهل ظلمت المرأة إلا يوم أن رفضت ما كفلته الشريعة لها من حقوق؟! واستجابت لإغراءات شياطين الإنس، ممن ادعوا الغيرة عليها، والحرص على مصالحها، والمطالبة بحقوقها، فحولوها إلى سلعة تباع وتشترى، وتعرض نفسها رخيصة يشتريها كل من يملك مالًا ساعة أو بعض ساعة بقريشات قليلة! على حد تعبير الشاعر اليمني عبدالفتاح جمال: «بعد أن صوروهن عرايا في المجلات الكبيرة

فوق جدران الملاهي للدعاية والرذيلة

فرحوا لما رأوها تعرض الحب ذليلة..

كل من يملك مالًا يشتريها ساعة

أو بضع ساعة بقريشات قليلة»!

كأني بالأستاذ غير مقتنع بما قرره الله في كتابه ورسوله- صلى الله عليه وسلم- في سنته من الاختلاف في الحقوق، والواجبات بين الرجال والنساء.. فأغضبه مأخذ العلماء على مشروع الدستور عندما قرر المساواة بين الرجل والمرأة! مسايرة لزخرف القول «المساواة!». ثم هل من مصلحة المرأة أن تتساوى مع الرجل في الحقوق والواجبات!

إن واقع الأمم التي استجابت لإغراء كلمة المساواة تتمنى اليوم لو أنها لم تفعل! إن المرأة في الغرب، ترفع عقيرتها: وتطالب بالعودة لممارستها وظيفتها التي خلقها الخالق لها.. ألم يقرأ الأستاذ هويدي ما قاله غورباتشوف في البرويسترويكا.. عن الخطأ الذي وقعت فيها الحكومات الشيوعية السابقة عندما عاملت المرأة كالرجل؛ لقد نتج عن ذلك تحطم الأسرة، وفساد الشباب وانحرافهم، فأصبحوا غير مؤهلين لحمل مسؤولياتهم، بل فسدت حياة المجتمع وتأخر إلى الوراء.. ونعيد تساؤلنا: أيكون البشر أعدل من الله؟! تعالى الله عما يقول بعض الناس علوًّا كبيرًا!

ثانيًّا: ادعاء آخر تنقصه الحصافة

ثم إنني أتساءل عمن صوغ للأستاذ هويدي أن يقول في تطاول وادعاء تنقصه الحصافة وعدم الإنصاف «بأن العلماء قد قاموا بمحاكمة وثيقة بالغة الأهمية كمشروع الدستور دون أن يكونوا مسلّمين بالحد الأدنى من المعرفة المطلوبة لمباشرة تلك المحاكمة» سبحان الله! هل لدى الأستاذ مستند أو إشارة من علم تؤيد صحة ما ذهب إليه، عندما سطر هذا الكلام؟! وهل امتحن أولئك الأعلام من العلماء؟! ومن هو حتى يصدر ضدهم هذا الحكم- قليل الأدب؟! ترى من يظن فهمي هويدي نفسه حتى يجهل العلماء؟! أم أنه أضحى آية الله جديد! -اكتسب هذا اللقب لكثرة مجالسته لآيات الله وهو يعد لكتابه المعروف «إيران من الداخل» فاعتاد أنه العارف الوحيد وأنه هو الذي يحق له المناقشة والمحاكمة مادامت الصحف العلمانية تفتح له صدر صفحاتها.. «أما غيره فجهلة»، ومعرضون للخطأ ولا يملكون حدًّا أدنى من المعرفة! ألم يدر بخلده وهو يسطر هذا الكلام الخالي من الأدب- أنه يتطاول على علماء أفذاذ، ومجاهدين أفنوا حياتهم في الدعوة لتحكيم شرع الله، وبيان مزاياه لأبناء شعبهم.. ومؤلفاتهم في هذا الباب تشهد لهم بذلك! ترى لو قال الأستاذ هذا الكلام في حضور بعض طلبة العلم الشرعي، أكان يظن نفسه سينجو من فضحه، وبيان ما يتمتع به من ضحالة، وفقر مدقع في فهم الشريعة.. هل نسي أنه لا يزيد عن كونه صحفيًّا لا يملك الأهلية لمناقشة مثل هذا الأمر البالغ الأهمية! أم غره أن صحف ومجلات وندوات العلمانيين وحكوماتهم تفتح له الباب على مصراعيه ليقول ما يريد مادام يطعن في دعاة الإسلام، وعلماء الأمة المخلصين، ويشكك في علمهم وقدراتهم- ولو أحيانًا- خاصة وهو يتحدث باسم الإسلام! ثم هل كان يظن أن مثل تلك الصحف والمجلات والندوات تفسح له صدرها لو أنه التزم الجادة دائمًا، وأخذ بالأحوط لدينه ونفسه وأمته! ثم ألم يسعه أن يتسامح معهم، وأن يتواضع قليلًا، فيعترف لهم بشيء ولو قليل مما أضفاه على آيات الله في إيران وحججها.. الذي قال عنهم- يومًا- إنهم ذكروه بجيل الصحابة! ترى ماذا كان سيقول عنهم فهمي هويدي لو لم يقدر الله لهم بالانتصار على الشاه! بل يا ترى هل كان سيقول ما قاله على علماء اليمن لو أنهم كانوا في مواقع السلطة مثلًا.. إن نظرته إليهم ستختلف حتمًا!

ثالثًا: شاهد آخر على تحامله

وأخيرًا: لقد أضاف الأستاذ هويدي شاهدًا دامغًا على أنه تحامل على علماء اليمن، ورماهم بما هم بريئون منه.. أو على الأقل جره تسرعه وعدم تأنيه -الى ذلك- عندما قال في نهاية العبارة السالفة.. بأنهم طالبوا الدستور بما لا ينبغي أن يكون فيه، وفهموا مصطلحاته على غير وجهها الصحيح! مع أننا قد لاحظنا أن العلماء وقد أوردوا مأخذهم على مشروع الدستور فيما أسموه «بالثغرات».. وأنهم في كل ثغرة قد حاكموا المشروع- إلى الدستور الدائم لليمن نفسه.. إلى جانب استدلالهم بالكتاب والسنة- وبأنهم لم يطالبوا مشروع الدستور بأكثر مما جاء في الدستور الدائم.. فكيف جاز للأستاذ أن يقول بأنهم طالبوه بما لا ينبغي أن يكون فيه! هل نقول إن الأستاذ لم يقرأ العبارة إنما كتبها هكذا.. أم نقول إنه عدم التوفيق الذي يصاحب كل متطاول أو متحامل على العلماء، ويسعى للانتقاص من علمهم ومكانتهم! ليس ذلك فحسب ولكن عبارة الأستاذ توحي بأنه المسلح الوحيد بالمعرفة اللازمة والمطلوبة لمحاكمة مثل هذا الشأن الخطير في الوقت الذي يفتقد مثل هذه القدرة علماء اليمن! وبأنه الذي يفهم مصطلحات الدستور على وجهها الصحيح أما هم فلا! ولذلك فقد وصلوا إلى نتائج خاطئة وخطيرة فظلموا أنفسهم وغيرهم على حد تعبيره! إن أقل ما يمكن قوله هنا: إن الأستاذ قد تجاوز حده بشكل لا يحسد عليه! وإن الإنسان لا يملك أمام هذا الشطط إلا أن يدعو الله أن يبصر الأستاذ بمواطن الضعف في نفسه.. وأن يجنبه «مرض» الغرور، وأن يحميه من مغبة اتباع الهوى وأن يقيه شر الإعجاب برأيه..

خاتمة:

وعلى كل حال فإن هفوات وسقطات الأستاذ فهمي هويدي، والتي نحسبها جاءت- في معظمها- على الأقل نتيجة التسرع، والاغترار الزائد بالنفس، كثيرة.. ولكننا سنكتفي بالتعليق والتعقيب على ما مر من النقاط ففيه الكفاية كما نعتقد لبيان من الذي أساء للإسلام.. وغير المتسلح بالمعرفة، والذي أخطأ في فهم الدين، ولم ينجح في التعامل مع الدنيا، ثم دخل في قلب اللعبة السياسية بطريق الغلط، فأساء للاثنين: الدنيا والآخرة!

ونسأل الله لنا وللأستاذ الثبات على الحق، وحسن الختام.. وندعو الأستاذ للقراءة الواعية المتأنية، وعدم التسرع في إطلاق الأحكام، وإلصاق التهم، وأن يخفف من التزاماته لصحف ومجلات العلمانيين والدول الظالمة لشعوبها.. وأن يتخصص في أمر من أمور الدين أو الحياة حتى يجيده، فيفيد نفسه والآخرين.. بدلًا من الدخول في كل باب، والكتابة عن كل شيء ونذكره بأن عصر الجاحظ.. وابن المقفع.. مضى عليه قرون ونحن نعيش في عصر التخصص- كما يعرف ذلك فيما نعتقد.. ونؤكد على أننا ما قلنا هذا الذي سجلناه إلا حرصًا منا على الأستاذ.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 246

119

الثلاثاء 22-أبريل-1975

بريد المجتمع (246)

نشر في العدد 1663

73

السبت 06-أغسطس-2005

رأي القارئ- العدد 1663