; «هولاكو»، والراية المقدَّسة (3-4) | مجلة المجتمع

العنوان «هولاكو»، والراية المقدَّسة (3-4)

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 04-أبريل-1995

مشاهدات 68

نشر في العدد 1144

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 04-أبريل-1995

معالم على الطريق

قال لي صديقي: أيقظتنا بالحقيقة المُرَّة، ولفتنا إلى العِلَّةِ المُهلِكَة، ثم دغدغت عواطفنا بالأماني الخُلب والوعود الحسان، والحال كما هو الحال، ذهب الظالمون والباغون، وجاء السفاحون والجزارون، وذهبت البسمة، وجاءت اللوعة، وولَّت الفرحة، وذرفت الدمعة وتغير الحال، وبَعُدَ المنال:

تَغَيَّرتِ البلادُ ومَنْ عليها *** فَوَجْهُ الأرض مُغْبَــرٌ قَبيــح

تغيَّر كلُّ ذي لـونٍ وطعـم  *** وقلّ بشاشةُ الوجهِ الصّبيح

 أفلا ترى أن «هولاكو» قد عاد من جديد ليعمل عمله في الأمة؟ أفلا تراه يجلس على أكوام الجماجم كل يوم، ويحصد الأرواح كل ساعة، ويقطع الأوصال كل برهة ويشرب الدماء صباح مساء؟ أفلا تراه يشرب الأنخاب على الأجساد الشابة ويشنف الأسماع بانين الفتية الهلكى؟ أفلا تراه يلتهم الأرواح، ويقضم النفوس، ويطحن العظام، ويأكل الأكباد، ويهضم القلوب، ويبعثر الأحشاء بِنَهَمٍ لم يسبق له مثيل، ووحشية لم تجرِ لها سابقة، حتى عند «هولاكو» التتار أو جنكيز المغول، ألم تره وما ترضي نهمته المئات أو الألوف، وما ترد جوعته الحشود أو الجموع تتضارب الأقوال، وتتناقل الأخبار، بما لا يصدق من كثرة الهول، وما لا يعقل من عظم الفجيعة، ثلاثون ألفًا، أربعون ألفًا، هذا ما يعلنون، أم تراه مضروبًا في عشرة مما يقولون؟ الله أعلم بما يوعون أو ما يضمرون، أفلا ترى الوجوم مجللا بالسواد؟ والعيون ملفعة بالضباب، والديار محزمة بالخراب، والظلم باقيًا لم يحطم قيده أحدٌ، والبغي عاتيًا لم يغير بأسه قلم، والخطب هادرًا لم يكسر موجه جهاد أو جلاد؟ واستمر الظلم حتى صار طبيعة، واستقر الخسف حتى صار قانونًا.

لقد كان فينا الظلم فوضى فهُذِّبت *** حواشيه حتى بات ظلمًا مُنظَّما

ألم تر الثكالى يقطعهن البكاء على أولادهن الصَّرعي، وأزواجهن القتلى، وأولادهن اليتامى، ألم تر الأمة تأكل -من الهَمِّ- بعضها من الحقد، وتقتل نفسها وتتفطر روحها من الغيظ، والكل يجيش نفسه للثأر، ويعد نفسه للانتقام، ويدَّخر قواه للطوفان، فترضع الأطفال المرارة والحُزن، ويُطعم الأشبال اللوعة والانتقام، وينهض الجميع، للتشفي لرد الصاع صاعين.

نَمْ يا صغيري.. لا تشتكي المرارة والمحن، فلسوف أرضعك الجراح مع اللبن حتى أنال على يديك مُنى وهبت له الحياة، يا من رأى الدنيا ولكن لن يرى فيها أباه.

سَتَمُرّ أعوام طوال في الأنين وفي العذاب، وأراك يا ولدي قوي الخطو، موفور الشباب، تأوي إلى أم محطمة مغضنه الإهاب، وهناك تسألني كثيرًا عن أبيك وكيف غاب، هذا سؤالٌ يا صغيري قد أعد له الجواب.

فلئن حييت فسوف أسرده عليك، أو مت فأنظر من يَسرِ به إليك، فإذا عرفت جريمة الجاني وما اقترفت يداه، فانثر على قبري وقبر أبيك شيئا من دماه.

غَدَكَ الذي كنا نؤمل أن يُصاغ من الورود، نسجوه من نار ومن ظلم تَدَجَّجَ بالبرود، مات الأَبِيّ ولم نسمع بصوتٍ قد بكاه، وسعوا إلى الشاكي الحزين فألجموا بالرعب فاه.

فقلت: نعم يا صديقي، لا تخف، فهو مشهد من قصة حمراء في أرض خصيبة، كتبت وقائعها على جدر مضرجة رهيبة، قد شادها الطغيان أكفانا لعزتنا السليبة، مشت الكتيبة تنشر الأهوال في إثر الكتيبة، والناس في صمت وقد عقدت لسانهم المصيبة، أنا يا صديقي مؤمن بأن هذا البغي ليس له حدود، وأن هذا النحس قد شق الخدود، وأن أرباب الدنايا يولغون أفواههم وأسنانهم وأظفارهم بدم الضحايا، وأن المؤامرة واسعة المدى تلف بالصمتِ الرهيب سبعون ألفًا؛ لا بل يزيد ويزيد، لا يُسمَعُ البارود في أجسادهم، بل ولا حصد المدافع من قريبٍ أو بعيدٍ سبعون ألفا لو كانوا كلابًا أو حميرًا لضَجَّتِ الدنيا، فضلًا عن نقابات الحمير والأذن الغربية، يطربها بل يسعدها هذا النسف المبيد، والسمع العربي والحس العربي في «يوبيله الفضي» يمرح على نغمات الجراح، ويرقص على جسد الحمى المستباح، والمسلمون منظمون في منظمة عليَّة تطرح التأييد والتبريك لإزهاق أرواح زكية، وأشم رائحة البخور مباركا للأيدي الدنية.

لكن يا صديقي أين «هولاكو» القديم وأين أضرابه بل أين خدامه من رهط العبيد؟ لم يصمدوا أمام أمتنا طويلًا، بل طواهم العزم الحديد، وتنادت الفرسان في عين جالوت بالنصر المبين، وولت جيوش الظلام وقد هلك العبيد.

يا صديقي. هذا ليس زمن الأغبياء، ولا عصر الجهالة والطغاة، وقد قامت الأمة في كل اتجاه يا صديقي، هذي علامات «النصر حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا»، هذا هو آخر ما في الجعبة، فما هلك طغاة الأخدود إلا بعد أن نَصَبُوا الأخاديد، وما باد فرعون إلا بعد أن ذبح كل وليد، وما جاء طوفان نوح إلا بعد أن عم الكفر وطم، وما هلك قوم لوط إلا بعد أن انتشر الفساد وعمّ، ولكن يا صديقي أين عزمك ومددك، وعونك وقسمك في بناء أمتك ورفعة غدك المأمول؟ حتى يطلع الإصباح وينبسق الفلاح ويغرد مؤذن النجاح.

لكن إذا انتصر الضياء ومزقت *** بيد الجموع شريعة القرصان

فلسوف يذكرني، ويكبر همتي *** من كان في بلدي حليف هوان

وإلى لقاء تحت ظل عدالة *** قدسية الأحكام والميزان

ويومها ستحمل الراية المقدسة مجلجل الصوت بذلك النداء الحبيب قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا، فهل تصدق يا عزيزي؟!!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

137

الثلاثاء 31-مارس-1970

نهايَة دَولَة الشعَراء

نشر في العدد 52

102

الثلاثاء 23-مارس-1971

لعقلك وقلبك

نشر في العدد 2106

0

السبت 01-أبريل-2017

هل تعلم أن..؟