; «هيكل» والحل الإسلامي (1 من 2) | مجلة المجتمع

العنوان «هيكل» والحل الإسلامي (1 من 2)

الكاتب منير شفيق

تاريخ النشر الثلاثاء 04-أغسطس-1998

مشاهدات 61

نشر في العدد 1311

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 04-أغسطس-1998

أجرى الأستاذ محمد حسنين هيكل مقابلة مع جريدة السفير اللبنانية، ونشرتها الدستور الأردنية على عددين بتاريخ ۱۷ و 18/7/1998م، وقد وردت في المقابلة مجموعة آراء، وبعضها بمنزلة الأحكام في عدة قضايا أساسية مطروحة على الساحة الفكرية العربية، ولعلها جميعاً تستحق أن تناقش، لكن يمكن التوقف هنا عند بعض ما ورد فيها حول ما أسماه محاوره - في جريدة السفير ورد عليه - الإسلام السياسي»، وقد تصدر واجهة المقابلة بإبراز جواب الأستاذ هيكل، إذ قال: الإسلام السياسي ليس هو الحل ولكنه الهداية، أما نص الجواب فيتناول الإسلام عموماً. وذلك بإجابته عن السؤال لاء حين سئل ليس في رأيك أن الإسلام هو الحل؟»، قائلاً: إن الإسلام ينير أمامي المشهد الذي أراه وخياري الإنساني، ويضرب مثلاً على - النقد - العملة.. وهذه العملة في النهاية مربوطة بقرار من صندوق النقد الدولي، لا تقل لي: الإسلام، فالإسلام لم يدخل في هذا الموضوع الإسلام أعطاني قيماً حياتية قيماً اخلاقية، أعطاني حق الاختيار الإنساني، لكن ليس لديه وليس بمقدوره أن يعطي مشروعاً سياسياً ولم يحدث ذلك في الماضي، ولو دخلنا في التاريخ لا نجد هناك مشروعاً سياسياً وإلا ... قل لي كيف يحدث أن الخلفاء الراشدين قتلوا كلهم إلا واحداً منهم؛ لأنه بقي ثلاث سنوات؟ كيف تفسر أنه في عصر الإشعاع الذي تتحدث عنه أن الأمويين - سادة مكة في التجارة - هم الذين أخذوا سلطة الدولة الإسلامية فيما بعد، حرام أن تُحّمِّلَ الإسلام كل هذا.

ويرى أن المجال الوحيد الذي يمكن للتيار الإسلامي أن يعطي فيه، إنما هو المقاومة في جنوبي لبنان وفلسطين أما ما عدا ذلك فالتيار الإسلامي من المحيط إلى الخليج لا يفعل عملاً إيجابياً إلا على جبهة واحدة، وفي مهمة بالتحديد، أي المقاومة في جنوبي لبنان وفلسطين، أما الإخوان المسلمون في مصر فليس عندهم ما يعطونه لأنه ليس لديهم تصور للمستقبل.

يعطي الأستاذ حسنين هيكل هذا الحكم الأخير وكان قبل فقرات في المقابلة نفسها قد سئل ما تصوركم الوضع العرب في القرن الحادي والعشرين، وكان جوابه بالحرف الواحد: "القرن المستقبل يصعب جداً استشراف أفاقه، لكن أستطيع أن أنظر إلى السنوات الثلاث أو الأربع المقبلة ولا أحد يملك ترفاً يجعله ينظر إلى قرن".

وهكذا من جهة، أو فيما يتعلق بكل الناس القرن المقبل يصعب استشراف آفاقه ولا أحد يملك ذلك الترف ويحدد إمكان النظر إلى سنوات ثلاث أو أربع قادمة، ومع ذلك فجريمة التيار الإسلامي أنه لا يملك تصوراً للمستقبل»، وشرط التصور للمستقبل هو استشراف افاقه وامتلاك ترف النظر إلى قرن أو نصف قرن أو على الأقل أكثر من ثلاث وأربع سنوات.

هنا يلحظ كيف يجلد التيار الإسلامي بتهمة عدم امتلاك تصور للمستقبل، بينما يحسم حسنين هيكل أن استشراف المستقبل صعب جِدًّا، بل هو ترف لا يملكه أحد!.

وبالمناسبة كثيرون يرددون هذا النقد بعبارات مختلفة لكنها واحدة في الجوهر فالبعض يقول: «ليس عند التيارات الإسلامية برنامج وآخرون يقولون ليس عندهم مشروع سياسي»، أو «مشروع حضاري والبعض الآخر ليس لديهم تصور للمستقبل»، ناهيك عن مطالبتهم بإعطاء حلول لمشاكل التنمية والبطالة والفقر، ويجب أن تكون هذه الحلول فورية ومضمونة مثل الدواء الشافي للمريض وإلا يكون الإسلام غير قادر على الحل، ولا يجدي اتخاذه مرجعية في حل المشكلات المعاصرة.

لو طرحت كل هذه الطلبات على أي حركة سياسية وبهذا القدر من التشديد على أهمية البرنامج والمشروع، واستبصار المستقبل، أو على أي حكومة لوقع التعجيز، خصوصاً إذا كان المطلوب برنامجاً قابلاً للتطبيق وسيحقق أهدافه حقاً، فقد ظن الكثيرون أنهم إذا صاغوا برنامجاً على الطريقة الشيوعية المألوفة أو التروتسكية فسيتميزون على كبريات الحركات الشعبية التي تقود التعجيز، بل سينتزعون الراية منها، لكن كل التجارب التي حسبت أن المشكلة تحل بالبرنامج بقيت هامشية ومعزولة، وهي تلوك مثل هذه المقولات، وإنه لعجب ألا يتذكر الأستاذ حسنين هيكل كم اتهمت الناصرية منذ ولادتها بالعفوية والافتقار للبرنامج العلمي، وكم انتقدت بسبب عدم تسلحها بالنظرية العلمية»، و«الرؤية المستقبلية»، و«التجريبية»، بل لا يتذكر كيف كان البرنامج» أو «الدستور» يتغير في أقل من بضع سنين؟

إذا كان الأمر كذلك، لماذا لا يُعامل التيار الإسلامي من حيث حركته الواقعية وما يطرح من سياسات ضمن المعيار الذي يطبق على التيارات الأخرى؟ فالتغيير والنهوض ومشروع المستقبل، بل المستقبل نفسه يتحقق عبر مسيرة معقدة متعرجة ويخرج من محصلة، ولا يأتي وفقاً لتخطيط هندسي مسبق كما يحدث لعمارة تبنى من حديد وحجر وأسمنت، فالتيار أو التيارات التي تخوض غمار التغيير والنهوض ومشروع المستقبل تتأسس وتنطلق عبر قواعد ونظريات عامة، أو عبر خطوط عريضة وإذا وضعت برامج تفصيلية فهي محددة، وانية إلى حد بعيد كما يحدث بالنسبة إلى البرامج الانتخابية التي تتقدم بها الأحزاب والتيارات والأفراد، وثمة تراث متراكم الآن من البرامج الانتخابية، التي هي برامج سياسية في جوهرها طرحتها أطراف التيارات الإسلامية في الكثير من البلدان خصوصاً في السنوات العشر الأخيرة.

ومن هنا إذا كان الحديث عن خطوط عامة عريضة المشروع المستقبل أو للنهوض، فلا أحد يستطيع أن يزايد على التيار الإسلامي أو ينكر على المرجعية الإسلامية امتلاك ذلك وبأعلى قدر من الدقة والصدقية، وإذا كان الكلام على برامج المرحلة راهنة أو قريبة جِدًّا، فجعبة الحركات الإسلامية التي خاضت الانتخابات في كل البلدان غنية وغنية جِدًّا في ذلك. 

الرابط المختصر :