; المجتمع التربوي (1252) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1252)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 03-يونيو-1997

مشاهدات 77

نشر في العدد 1252

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 03-يونيو-1997

وقفة تربوية

«وداعًا للحب»

أعجبت وتعجبت من الخبر الذي نشر في الصحف مؤخرًا عن تباري زوجات لرجل سعودي على التبرع بكلية لزوجهما المريض، ولم يحسم التنافس بينهما إلا القرعة، وقالت صحيفة «أراب نيوز» السعودية إن  إدارة المستشفى الذي يعالج فيه الزوج اضطرت إلى إجراء القرعة بين الزوجتين لتحسم هذا التنافس بينهما، وقد فازت الزوجة الثانية بالقرعة.

وسبب إعجابي بهاتين الزوجتين كونهما يشكلان الاستثناء من قطاع كبير من الزوجات المقترنات بزوج له أكثر من واحدة ويكنان لزوجهما هذه المحبة الغامرة التي دعتهما للتبرع بكليتاهما له، بينما الكثير من هذه الشريحة لا تصل إلى هذا المستوى من الحب.

وسبب تعجبي أن هاتين الزوجتين تجاوزتا مرحلة المجاملة، والكلام المعسول، إلى فداء الزوج لإنقاذ حياته، والتبرع بجزء من الجسد ليكون سببًا في شفائه، وهي تضحية قل أن توجد في مثل هذه الأيام، خاصة بين «الضرائر».

هذا الحب العملي من هاتين الزوجتين لزوجهما المريض لا يمكن حدوثه من فراغ، بل المؤكد أن هذه القلوب لم تلتف حول هذا الزوج إلا بسبب ما يقوم به هذا الزوج من صناعة أجواء المحبة والحب في هاتين الأسرتين، وما يقوم به من الواجب والعدالة بينهما.

الزواج الثاني بالرغم من شرعيته إلا أنه وللأسف الشديد يفشل في الكثير من الحالات في هذا العصر، والسبب الرئيسي وراء ذلك، ليس في  التشريع، بل في عدم اتباع  التشريع، والذي من أول أبجدياته «العدالة» بين الزوجتين في المعاملة والمبيت والنفقة، والصورة التي تحدث عندنا هي الظلم الصارخ للأولى، وهجرانها مع أبنائها، وقطع النفقة، فكيف يبقى حب في قلب هذه الإنسانة لذلك الرجل الظالم؟

أبو خلاد

تعال نؤمن ساعة 

الوصية الخالدة

التقوى وصية الله للأولين والآخرين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ (النساء: 131).

فالتقوى أصلح للعبد وأجمع للخير، وأعظم للأجر، وهي الجامعة لخيري الدنيا والآخرة، الكافية لجميع المهمات.

التقوى وصية النبي -صلى الله عليه وسلم- لأمته عن العرباض بن سارية: قال: صلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصبح فوعظنا موعظة بليغة زرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظة مودع، فقال أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبدًا حبشيًا، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»، وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها».

والتقوى هي وصية الرسل الكرام:

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ (الشعراء: 105- 106).

﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ (الشعراء: 123- 124).

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ (الشعراء: 141- 142).

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ (الشعراء: 160- 161).

﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ (الشعراء: 176- 177).

﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾ (الشعراء: 10- 11).

والتقوى وصية السلف الصالح رضوان الله عليهم، كان أبو بكر- رضي الله- عنه يقول في خطبته: أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله، ولما حضرته الوفاة، وعهد إلى عمر- رضي الله عنه- دعاه فوصاه بوصيته قائلًا: اتق الله يا عمر.

وكتب عمر -رضي الله عنه- إلى ابنه عبد الله: «أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله عز وجل، فإنه من اتقاه وقاه، واجعل التقوى نصب عينيك وجلاء قلبك».

وكتب عمر بن عبد العزيز إلى رجل: «أوصيك بتقوى الله عز وجل التي لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثيب إلا عليها، فإن الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل»، ولما ولي خطب فحمد الله وأثنى عليه وقال: «أوصيكم بتقوى الله عز وجل، فإن تقوى الله خلف من كل سعي، وليس من تقوى الله خلف»، وقال رجل لرجل أوصني، قال: أوصيك بتقوى الله، والإحسان، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وكتب رجل إلى أخيه أوصيك بتقوى الله، فإنها من أكرم ما أسررت وأزين ما أظهرت، وأفضل ما ادخرت.

ومن وصايا الرسول -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ بن جبل: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن».

والتقوى هي أجمل لباس يتزين به العبد: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ (الأعراف: 26).

إذا المرء لم يلبس ثيابًا من التقى ***تقلب عريانًا وإن كان كاسيًا 

وخير لباس المرء طاعة ربه***ولا خير فيمن كان لله عاصيًا 

والتقوى هي أفضل زاد يتزود به العبد، قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: 197).

وعن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ثلاث مهلكات، وثلاث منجيات، شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه، وثلاث منجيات: خشية الله في السر والعلانية، والقصد في الفقر والغنى، والعدل في الغضب والرضا».

إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل***خلوت ولكن قلب علي رقيب 

ولا تحسبن الله يفغل ساعة***ولا أن ما يخفى عليه يغيب.

محمد أبو سيدو

كلمة إلى الدعاة  

أنت أيها الداعية وقف لله تعالى

* ما أجمل أن يعيش الأخ الداعية حياته كلها لله تبارك وتعالى، ومن أجل الله عز وجل ومع الله عز وجل في كل هم ونفس، فمن كان همه إرضاء الله عز وجل في كل لحظة كانت حياته وقفًا لله تبارك وتعالى، ليس للشيطان ولا للدنيا ولا الهوى، ولا لنفسه حتى نصيب، بل كلها «أي حياته» لله تبارك وتعالى خالصة، فنجد هذا الصنف من الدعاة له من التأثير الشيء الكبير، وانظر أخي في الله إلى نماذج عرفت كيف تؤصل هذا المعنى في نفوسها، فسمت وعلت وقادت البشرية.

* انتبه يا بني: يقول الإمام الشافعي منبهًا ابنه لأمر مهم، يا بني لو علمت أن الماء سينقص من مروءتي ما شربته إلا حارًا، سبحان الله لأنه رحمه لله عاش حياته كلها لله عز وجل، ولينتبه لأمر، ألا وهو قد يبدر من الأخ أيًا كان موقعه تصرف معين في لبسه، في كلامه في سلوكه... إلخ، فيعكس صورة سيئة عن دعوته وإسلامه، فلا يبدر منك أي تصرف إلا وهو موزون بميزان الشرع.

* أيها الأخ عش لفكرة: يقول صاحب الظلال سيد قطب -رحمه الله-: «إننا عندما نعيش لذواتنا فحسب تبدو لنا الحياة قصيرة ضئيلة تبدأ من حيث بدأنا نعي وتنتهي بانتهاء عمرنا المحدود، أما عندما نعيش لفكرة- الإسلام- تبدو الحياة طويلة عميقة تبدأ من حيث بدأت البشرية، وتمتد بعد مفارقتنا لوجه هذه الأرض»- أفراح الروح-، لعلمه رحمه الله بأن حامل الإسلام الحق يؤثر حتى وهو في قبره، ألا ترى دعاء أحد الأنبياء وهو يقول: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ (الشعراء: 84).

الجزاء من جنس العمل

1- يروى في كتاب الدرر الكامنة أن هناك رجلًا صالحًا يقال له أبو البركات يذكر أنه حين احتضر أخذ يتلو القرآن الكريم في سورة الرعد، فلما انتهى إلى قوله تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ (الرعد: 35) خرجت روحه.

2- يقول الإمام الذهبي- رحمه الله-: إنه عندما احتضر العالم الجليل شهاب الدين نادى تلاميذه وأصحابه، فأظهر لهم فرحًا وسرورًا وكرر كلمتي الشهادة، وقال لهم: ساعدوني وأنسوني، فإن للنفس انزعاجًا عند الفراق، وإذا رأيتموني مت مسلمًا فاشكروا لله عز وجل ربكم على الهداية لهذا الدين العظيم، ثم كرر الشهادتين نحو ثلاثين مرة ثم مات.

3- يقول عبد الله بن أبي الفرج حكي عن عتيق العمري «أحد الصالحين العباد» أنه أي عبد الله دخل عليه وهو وجماعة في ليلة وفاته، فقالوا له، أما تذكر الشهادة؟ فذكرها، ثم قال: لمثل هذا فليعمل العاملون وقضى بقية ليلته، ثم ذكر أحد أصدقائه أنه كانت آخر كلماته قبل وفاته الشهادتين، ثم قال: فزت ورب الكعبة، ثم قضى نحبه.

4- كان العالم الجليل الحسين بن محمد بن عبد الله الطيبي أحد شيوخ الإمام البخاري صاحب شرح كتاب المشكاة، وكان رحمه الله باذلًا منفقًا، وقد أتاه ورث عظيم من المال، فأنفقه في وجوه الخير، كان راجعًا يومًا من الأيام في حلقات التدريس، فدخل المسجد الذي بجانب منزله فصلى سنة الظهر، وجلس ينتظر الإمام لإقامة صلاة الجماعة، فمات وهو متوضئ متجه إلى القبلة منتظر صلاة الجماعة، فما أعظمها من خاتمة.

ختامًا لا يسعنا إلا أن نردد ما كان يردد التابعي الجليل سفيان الثوري:

يا نفس توبي فإن الموت قد حانا***وأعصي الهوى فالهوى ما زال فتانًا

في كل يوم لنا ميت نشيعه ***ننسى بمصرعه آثار موتانا

يا نفس مالي وللأموال أكنزها***خلفي وأخرج من دنياي عريانا

ما بالنا نتعامى عن مصارعنا ***ننسى بغفلتنا من ليس ينسانا

خالد يوسف الشطي

إلى أستاذي  مع التحية

إلى أخي المربي إلى من نور لي دربي... إلى من عرفني الخطا إلى ربي.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

يعجز اللسان أن أصف لك مقدار شكري وامتناني لما علمته لي من خير في ديني ودنياي، ولكن كل ما أملك هو الدعاء لك بظهر الغيب بأن يجزيك الله عز وجل عنًا خير الجزاء، وهذا أقل ما يجب أن أعمله، فإني دائمًا أتذكر قول الإمام الشافعي حيث يقول: «الحر من راعى وداد لحظة أو انتمى لمن أفاده لفظة»، فليس الحر من أنكر الجميل ولم يراع هذا الوداد، وليست هذه من شيماء المسلم.

أستاذي- لقد تلقفتني بقلب حنون في بداية مسيرتي الدعوية، فكنت لي بمثابة الأستاذ لتلميذه، والأب لابنه والشيخ لمريده، فكنت حريصًا أن أستفيد منك أكبر استفادة، وكنت أنت تبادلني نفس الشعور، فلم تبخل علي بوقتك أو نصحك وإرشادك لي، فعرفتني طريق الجادة الصحيحة لأسلكها، وحذرتني من أشواك الطريق وفتنه ومصاعبه، لتعينني على مواصلة الدرب مع إخواني الدعاة إلى الله، فكنت لي بمثابة الواقي الذي أتقي به مكائد الشيطان بعد حفظ الله ورعايته.

شيخي الفاضل كم أتذكر من الأيام الخوالي التي قضيناها وأنا أرى حرصك أن تكون لنا قدوة في أقوالك وأفعالك، فإذا حدثتنا عن الهمة رأينا فيك ما يشعل هممنا، وإذا تكلمت عن الالتزام بفرائض الله عز وجل ونوافله، كنت أنت السباق إليها، وإذا حثثتنا على حسب التعامل الأخوي أخجلتنا بتواضعك وتراحمك معنا، فكنت لنا نعم القدوة والمربي.

أخي وصديقك... نعم... أنت المربي وأنت الأخ والصديق، فلم يكن بيننا حاجز، فقد عودتنا أن نصارحك بمشاكلنا، فنجد الصدر الرحيب والدواء والبلسم الشافي الذي يعيننا على تخطيها، فكم من ضيق وقعنا به، فمددت لنا يد العون، ولم تبغ في ذلك إلا الأجر من الله عز وجل، وإذا أصاب أحدنا مكروه من مرض أو غيره، بادرت لزيارته ومؤازرته، وقد تمثلت بقول الشاعر:

يا من غدت نفسه نفسي فإن سلم *** سلمت وإن ألم قاسمته الألما

ما إن علمت الذي تشكوه من سقم  ***حتى وجدت بنفسي ذلك السقما

مربي الفاضل: علاقتنا الأخوية هي أسمي من أن تشوبها مصلحة دنيوية، فتنتهي بانقضاء هذه المصلحة، أو بتفرد الأجساد، ولكن هي باقية إلى قيام الساعة، فإذا تفرقت الأجساد تلاقت الأرواح، فكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف»، وأسأل الله أن يجمعنا جميعًا حول حوض رسوله الكريم «إخوانًا على سرر متقابلين» ولذلك أقل ما أملك أن أدعو لك بظهر الغيب، وستبقى ذكراك في القلوب، وسأظل أتذكر وأعمل بكل نصيحة قلتها لي، وبكل فعل صالح رأيته منك، وأسأل الله أن يكون ذلك في ميزان حسناتك، فمن دل على هدى كل له مثل أجر من عمله، لا ينقص ذلك من حسناتهم شيئًا، وجزاك الله خيرًا.

خالد علي الملا

مواقف حسن البنا من اليهود والصهاينة

بقلم: إبراهيم الكندري

ما إن قرأت كلمة خليل علي حيدر في جريدة «الوطن» يوم الأربعاء 21 /5/ 1997م والمعنونة بـ«حسن البنا.. واليهود»، حتى أحسست أنني أمام كارثة عقلية، لا أدري كيف خرجت إلى القلم ثم إلى الصحيفة، فنحن نعلم مسبقًا أن كتابات الرجل منذ بدأ الكتابة هي ضد الإخوان المسلمين وضد التوجه الإسلامي، وعلى كل فهذا رأيه، ولا نصادر على رأي إنسان، ولكن حبذا لو أوضح لنا دوافعه التي تعتمل في صدره، وكشف لنا مكنون ما في نفسه ليطلع عليه الناس ويكون صادقًا مع نفسه، وقد كان أسفنا دائمًا أن تطمس الحقائق لتربصات عدائية وانتصارات وهمية سعيًا إلى التشهير الذي ينقص من قدر الكاتب، فضلًا عن الوقوع في أغلاط وتجنيات على الحقيقة في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ونحن بدورنا لا نقصد إهانة أحد، أو دفاعًا عن إنسان، وإنما نريد إحقاقًا للحق، ولهذا كانت لنا هذه الكلمة في بيان هذا الخلط الفاضح فنقول:

أولًا: اعترض حيدر على قول الشيخ حسن البنا «إن عنصر بني إسرائيل الذين ذكروا في القرآن نسلوا من أصول كريمة»، مدللًا على قوله بأنهم انحدروا من يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وهذه أرومة كريمة لقول الرسول-صلى الله عليه وسلم- في يوسف عليه السلام «إنه الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، أربعة جدود كل منهم رسول»، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ (المائدة: 20)، وقال تعالى في شأن تفضيلهم على أهل زمانهم ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: 122)، فحين قال الشيخ البنا «إن كرم عنصر هذا الجنس ينتسب إلى هؤلاء» لم يقل إلا الحقيقة، وحين قال إنهم فضلوا على عالم زمانهم لم يقل إلا الصدق الذي ذكره القرآن وأبانت عنه سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال المفسرون في الآية السابقة: كرم الله بني إسرائيل بأشياء عن عالم زمانهم منها:

1- أنه جعل فيهم الأنبياء كلما هلك نبي قام فيهم نبي من لدن أبيهم إبراهيم إلى يعقوب إلى سليمان إلى عيسى عليه السلام.

2- جعلهم ملوكًا، أي كالملوك في تصرفهم في أنفسهم، وسلامتهم من العبودية التي كانت عليهم للقبط، وجعلهم سادة الأمم التي مروا بها.

3- ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ (المائدة: 20) ، فأتاهم الشريعة الصحيحة الواسعة الهدي المعصومة، وأيدهم بالنصر في طريقهم، وساق إليهم رزقهم المن والسلوى أربعين سنة، وتولى تربيتهم وتهذيب نفوسهم بواسطة رسله.

هذا ما قاله المفسرون في الآية عن بني إسرائيل، وعن فضل الله عليهم في طيب العنصر، وفي بعث الرسل فيهم، وفي إيتائهم ما لم يؤت أحدًا من العالمين، ومن تفضيلهم على عالم زمانهم وجعلهم كالملوك، «انظر تفسير ابن كثير، وتفسير الطبري، وتفسير التحرير والتنوير في الآيات»، ولكنهم بعد هذا التفضيل وهذا الإنعام، أساءوا إلى أنفسهم وإلى الناس بتوجيه هذه الأفضال والميزات إلى الإهلاك والإفساد، فغير الله ما بهم ولعنهم ومسخهم وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، وقد أشار الشيخ حسن إلى هذا، فقال: «ولكنهم قد أساءوا بعد هذا إلى أنفسهم وإلى الناس بتوجيه هذه الحيوية فيما بعد إلى ما لا ينفع، وكما كانت من مصدر تزكيتهم كانت أيضًا من مصدر غرورهم ونسيانهم المعنى الإنساني» ،فأي خطأ في ذلك؟

الخطأ الثاني الذي أخذه الباحث على الشيخ البنا، أنه قال: «إنهم ورثوا أقدم كتاب سماوي عرف الناس عنه شيئًا وهو التوراة»، ولا ندري هل في هذا شك عند الكاتب، أم أنه ينكر أن هناك توراة أنزلت على موسى عليه السلام؟، وقد تحدث القرآن عن التوراة في عشرين موضعًا من القرآن الكريم بلفظ التوراة في سبع سور منه، وأخبر عن طبيعتها فقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ (المائدة: 44)، ولكن اليهود الذين انحدروا بعد ذلك لم يستفيدوا منها ولم يحكموا بها وكفروا بتعاليمها ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ...﴾ الآية إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾ (المائدة: 45- 46)، هذه هي التوراة التي نزلت على موسى وكانت في الرعيل الأول، وهي غير المحرفة التي بين أيديهم الآن، والتي قال القرآن فيها: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (البقرة: 79)، فأين الخطأ إذن والتوراة فعلًا من أقدم الكتب السماوية التي ذكرها القرآن؟ هل تنكر معلومًا من الدين بالضرورة؟.

وأما عن اضطهاد اليهود زمن الفراعنة وزمن الوثنية العقائدية قبل موسى عليه السلام فهذا شيء ثابت في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص: 4)، وقد بعث الله موسى عليه السلام ليخلصهم من الظلم ومعه المعجزات التي أنجتهم من الظلم عندما أذن الله بذلك، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (القصص: 5- 6)، وقد كانت رسالة موسى عليه السلام في مصر مع فرعون مصر، هذه حقائق تاريخية لا يستطيع أحد إنكارها، وقد أثبتها القرآن الكريم، فأي بأس في هذا؟

والذي يظهر لي أن هناك اليوم موجة عمياء تحاول جاهدة أن تثير زوابع معينة، ينبغي أن يقف المراقب عندها بعض الوقت متأملًا، منها المحاولات المستميتة لتشويه العمل الإسلامي بكل الوسائل، ومنها على سبيل المثال الاتهام الذي نحن بصدده للشيخ البنا بأنه مدح اليهود لذكره الآيات القرآنية التي أسلفنا وشرحه لأقوال المفسرين فيها، والذي يعرفه القاصي والداني أن الشيخ البنا رحمه الله كان العدو الأول لليهود، وأنه هو الذي دخل بأكثر من عشرة آلاف متطوع إلى فلسطين لحرب الإنجليز واليهود مجتمعين لتحرير فلسطين رغم أنف الأنظمة الحاكمة المتخاذلة في ذلك الوقت، وقد فعل هؤلاء المجاهدون في اليهود الأفاعيل وكان ذلك مبعث تأليب الاستعمار عليه، وقتله فيما بعد.

لقد صاح حسن البنا في الشعوب الإسلامية صيحة الزلزال، وقام بالمظاهرات رغم المحاذير، وخرج من الأزهر بمظاهرة بلغت أكثر من نصف مليون في 4 ديسمبر 1947م تضم طلابًا وعمالًا ومهندسين وأطباء ومحامين، ووقف البنا فيهم خطيبًا فقال: «دماؤنا فداء فلسطين، أرواحنا فداء فلسطين، الويل لليهود»، ثم قال: «يا زعماء العرب: أنتم القادة، وهؤلاء الجنود قد وقفوا دماءهم للدفاع عن فلسطين، يا زعماء العرب: إن هذا الشباب ليس هازلًا، ولكنهم جادون بما عاهدوا الله ثم الوطن أن يموتوا من أجله، ونحن وإن كنا ينقصنا السلاح، فإننا سنستخلصه من أعدائنا ونقذف بهم في البحر... إلخ»، ثم وقف يخطب في المسلمين قائلًا: «لا سبيل إلى تحرير فلسطين وغيرها من بلاد المسلمين من الاحتلال ومن اليهود إلا الجهاد العسكري، ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة: 14).

ولقد أغضب البنا- رحمه الله- ما أقدمت عليه حكومة النقراشي من قبول الهدنة المؤقتة مع اليهود في فلسطين أثناء القتال، فقال- رحمه الله- للنقراشي: «إن فلسطين فيها عصابات يهودية صهيونية، ونحن مجاهدون إسلاميون، دع الفريقين يضرب بضعهم بعضًا، فإن انتصرنا فلمصر وللعرب، وإن متنا دخلنا الجنة، لأننا نحب الجنة، اتركونا في فلسطين نصارع اليهود الصهاينة، أنت من حقك كسياسي تحت الضغوط الدولية أن تقبل الهدنة كما تشاء، ولكن ليس من حقك أن تمنع مجاهدين عرب مسلمين أن يشتبكوا مع الصهاينة، الصهاينة عصابات ليست من فلسطين، ونحن لسنا من فلسطين، فليضرب الحق الباطل والله ناصرنا».

وقد أحس هذا الجهد المخلص أهل فلسطين والمخلصون في العالم الإسلامي فأرسل المفتي الأكبر أمين الحسيني- رئيس اللجنة العربية العليا، وأمين سرها السيد عوني عبد الهادي إلى الشيخ البنا برقيات العرفان التي جاء فيها: «الأخ المفضال الوطني الغيور الشيخ حسن البنا- مرشد الإخوان المسلمين- مصر- لا يسعنا إلا الإعراب عن شكرنا لجهادكم في قضية فلسطين، ونحن جميعًا والمسلمون وأهل فلسطين مقدرون لهذا الجهد.... إلخ».

وبعد.. أبعد هذا يتهم الشيخ بمدح اليهود؟ ولحساب من؟ أم أنه يراد تلويث سمعة أعداء اليهود حتى تتساوى الرؤوس ويكون الجميع في الهم شرق، ولا يظهر المهرولون من المجاهدين.

 رد من خمسة وجوه

بقلم: علي تني العجمي

الحقيقة أن الكاتب نقل نقلًا صحيحًا، غير أن تفسيره لهذا النقل يستدعي وقوفنا معه عدة وقفات علها تجلي الحق الذي ينبغي أن نتعصب له جميعًا، لأن الحق أبلج والباطل لجلج- كما قيل-، وقديمًا قال الإمام علي- كرم الله وجهه، ورضي الله عنه: «اعرف الحق تعرف أهله، ولا تعرف الحق بالرجال»، وإذا توافرت هذه النية لدى أي اثنين يختلفان حول مسألة ما فإن الخلاف يكون سائغًا ومثريًا، ولا شك أن الرد المنهجي الموضوعي المدعم بالأدلة والوثائق هو المطلوب لأن العواطف لا تحق حقًا، ولا تبطل باطلًا، كما أنها لا تجعل من الحق باطلًا ولا من الباطل حقًا، وهذا أوان الشرع في المقصود، وسنجعل الرد في بضع نقاط:

الوجه الأول: أن الأمة ينبغي أن تعتز بعد اعتزازها بكتاب الله عز وجل وسنة نبيها -صلى الله عليه وسلم- بمن أنجبتهم، من علماء لهم فضل عظيم في هذه الأمة، فهم ورثة الأنبياء ولا يعني ذلك بأي حال من الأحوال أن نتعصب لهم لأنه كما قال الإمام مالك- رحمه الله-: «كل يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر- يعني الرسول -صلى الله عليه وسلم»، ومع ذلك فإن أعداء الإسلام بمن فيهم الكثير من المستشرقين قد حاولوا النيل والطعن بعلماء وقادة الأمة الأفذاذ.

الوجه الثاني: أن هناك فرقًا واضحًا بين الرد على المخطئ إذا ثبت خطؤه- بأسلوب الحوار المتأدب- وبين تأويل الكلام إذا احتمل معنيين أحدهما حسن والآخر سيئًا، وهذه القاعدة قعدها سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حين قال: «لا تطنن بكلمة خرجت من في أخيك سوءًا وأنت تجد لها في الخير محملًا»، فإحسان الظن بالمسلم العامي واجب، فكيف بعلماء الأمة وقادتها؟ وإذا كان كلام البنا يحتمل المعنيين فإن عندنا قاعدة شرعية ينبغي الرجوع إليها وهي حمل المتشابه على المحكم، فإذا كان كلام البنا الذي ساقه الكاتب في شأن اليهود ويحتمل تشابهًا وإبهامًا فإن هناك نصًا محكمًا وإليك الدليل الوارد في المقال أعلاه، والذي جاء في كتاب «أحداث صنعت  التاريخ- رؤية من الداخل- الجزء الأول» ص 412.

فهل بعد هذا الوضوح من لبس؟ وأعتقد أن أي كلام محتمل يندب أمام هذا الكلام الواضح البين الذي نطق به الرجل على رؤوس الأشهاد بل وترجمه إلى واقع حقيقي تمثل في إرسال كتائب المتطوعين التي دوخت اليهود على أرض فلسطين وشهد بها الأعداء أنفسهم قبل الأصدقاء، حتى أن انتقام اليهود كان شرسًا جدًا من أي أسير يقع في أيديهم من المتطوعين لما يعتمل نفوسهم من حقد تجاه هذه الفئة، وأحيل الكاتب إلى الكتاب «الإخوان المسلمون في حرب فلسطين» للأستاذ كامل الشريف.

الوجه الثالث: أنه ينبغي التفريق بين عداوتنا لخصومنا وأعدائنا وبين إنصافهم في مواطن الإنصاف، وعدم إنكار السوابق التاريخية مع أن القرآن قد ذكرها، يقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: 8)، وقد كان اليهود- كما حكى عنهم القرآن- خير الأمم لقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: 47)، ولكن عندما غيروا وبدلوا استحقوا لعنة الله، كما قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (المائدة: 13)، وإذا كنا نكره اليهود لتبديلهم فإن ذلك لا يمنع من بيان حقيقة تاريخهم السابق وأنهم كانوا من سلالة أنبياء كرام كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد قال البنا: «وكما أن هذه الحيوية كانت مصدر تزكيتهم كانت أيضًا من مصدر غرورهم» فالرجل لم يمتدح اليهود بقدر ما كان يقرر واقعًا كان يعيشه اليهود باجتباء الله لهم، حتى اغتروا وبدلوا فأحلوا بأنفسهم غضب الله، وهنا نقرر قاعدة وهي أن وصف الواقع الذي يكون عليه الشيء لا يعني بالضرورة مدحه إن كان هذا الواقع إيجابيًا، ولا ذمة إن كان سلبيًا، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي هريرة- وقد جاءه الشيطان ثلاث ليالي متتالية عندما كان يحفظ مال الصدقة وعلمه آية الكرسي- وهذا ثابت في البخاري-: «صدقك وهو كذوب»، فهل كلمة «صدقك» التي قالها النبي صلى الله عليه وسلم عن الشيطان تعني مدحه؟ أم تعني تقرير الحال التي كان عليها عندما أخبر أبا هريرة بقراءة آية الكرسي؟ وإلا فلا يعقل أن يمتدح النبي -صلى الله عليه وسلم- الشيطان.

الوجه الرابع: هناك قاعدة علمية تقول: «إن لازم القول ليس بلازم»، ومقتضى هذه القاعدة أنه لا يلزم من ذكر الشخص أو الجنس بما فيه من خصال أن يكون ذلك تعبيرًا عن الموادة أو المحبة له، بل إن ذلك أقرب ما يكون إلى الإنصاف، ولو أطرحنا هذه القاعدة لوقعنا في حرج كبير، إذ أحيانًا يتحدث المتحدث بكلام لو أخذ بلازمه لكان ذلك مدعاة إلى فهم المخاطب خلاف ما يريده المتكلم، وهذا يقع في بعض الأحيان، وقد يقع ذلك أيضًا في الأفعال لذلك لم يعاقب النبي صلى الله عليه وسلم حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه بلازم فعله عندما أرسل إلى قريش يخبرهم بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فاتحًا ولو ألزمه بلازم فعله لعاقبه بتهمة الخيانة العسكرية غير أن الشبهة التي قامت عند حاطب وقبلها النبي صلى الله عليه وسلم قد صرفت لازم فعل حاطب عن انطباق العقوبة عليه، وأصبح لازم فعله غير لازم، ونقول: إن خطبة البنا التي مرت معنا أنفًا في قتال اليهود وإرساله المتطوعين لقتالهم قد صرفت عنه لازم قوله الذي نقله الكاتب- هذا إن سلمنا بصحة ما استنتجه الكاتب من كلام البنا بالفعل واعتبرناه مادحًا لليهود كما يزعم الناقل.

الوجه الخامس: هناك قاعدة تقول: «إن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال»، وما دام كلام البنا يحتمل أن لا يستدل به على ما أراده الكاتب علمنا أن الدليل لا يتناسب مع المدلل عليه، خصوصًا إذا ضممنا إلى هذه القاعدة  ما جاء في الوجه الثاني الذي ذكرناه أنفًا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

603

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية