العنوان .. ومنهج أمثل للخطابة الناجحة
الكاتب د. وصفي عاشور أبو زيد
تاريخ النشر السبت 31-يناير-2004
مشاهدات 58
نشر في العدد 1587
نشر في الصفحة 55
السبت 31-يناير-2004
بديهي أن الخطابة من الركائز الأساسية والوسائل المهمة في الدعوة إلى الله تعالى؛ فهي اللقاء الأسبوعي الذي يحتشد فيه المسلمون ليسمعوا داعية إلى الله يذكرهم به ويعلمهم دينه.
فالخطابة في الإسلام تمثل مظهر الحياة التي تجعل القيم النبيلة، والمثل الرفيعة، والأخلاق الفاضلة تصل من قلب إلى قلب، وتثب من فكر إلى فكر، فتنعش الروح وتجدد الإيمان، فلا غرو أن تكون بذلك من شعائر الإسلام.
ومن المؤسف حقًا أن المنابر أصبحت في عصرنا الحاضر تحمل فوقها ساعة الجمعة بعض أشباه الخطباء الذين فرغوا الخطابة من محتواها، وأبعدوها عن أداء أماناتها وإبلاغ رسالتها. فلا يرقى أكثرهم أن يقرأ آية من كتاب الله، ويعطيها حقها ومستحقها، أو يروي حديثًا صحيحًا بنصه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو يصوغ عبارة صحيحة من ناحية اللغة، فما أصدق ما قال أديب العربية والإسلام مصطفى صادق الرافعي: «ألا ليت المنابر الإسلامية لا يخطب عليها إلا رجال فيهم أرواح المدافع، لا رجال في أيديهم سيوف من خشب».([1])
وهذا الحديث ليس موجها لهؤلاء الذين اتخذوا من الخطابة مهنة يتكسبون من ورائها، فساحة المسجد أولى بهم من مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما هو موجه إلى فاقهي دور الخطابة، ومدركي أثرها وتأثيرها في المجتمع.
بين أيدينا حديث من جوامع الكلم، وخطبة تعتبر وثيقة من وثائق الإسلام، ومثلًا أعلى لكل داعية، ونموذجًا للخطبة الناجحة يحتذيه الخطيب الناجح.
إنها خطبة حجة الوداع- ونحن نعيش الآن أيام الحج- التي ألقاها أفصح العرب طرًا محمد بن عبد الله- ﷺ- في جموع بلغت عشرات الآلاف.
بعد أن حمد الله وأثنى عليه قال([2]): «أيها الناس: اسمعوا قولي، فإن لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا، أيها الناس: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وإن كل ربا موضوع، ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون. قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله، وأن كل دم كان في الجاهلية موضوع، وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان مسترضعًا في بني ليث فقتلته هذيل، فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية.
أما بعد: أيها الناس فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدًا، ولكنه أن يُطع فيما سوى ذلك، فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم، سوی فاحذروه على دينكم.
أيها الناس: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ (التوبة: ۳۷) ويحرموا ما أحل الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية، ورجب مضر([3]) الذي بين جمادى وشعبان.
أما بعد أيها الناس: فإن لكم على نسائكم حقًا، ولهن عليكم حقًا، لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، وعليهن ألا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع، وتضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيرًا فإنهن عندكم عوان([4])، لا يملكن لأنفسهن شيئًا، وإنكم إنما أخذتموهم بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمات الله، فاعقلوا أيها الناس قولي فإني قد بلغت، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا بعدي أبدًا، أمرًا بينا، كتاب الله وسنة نبيه.
أيها الناس: اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمن أنفسكم، اللهم هل بلغت؟
فذُكر لي أن الناس قالوا: اللهم نعم، فقال رسول الله- ﷺ- اللهم اشهد.
قال ابن إسحاق: كان الرجل الذي يصرخ في الناس بقول رسول الله ﷺ وهو ربيعة بن أمية بن خلف... انتهى ما أردته.
وفي الخطبة من الدروس والعبر ما لو أدركه الدعاة والخطباء لأدت الخطابة رسالتها أحسن ما يكون الأداء.. من أهم هذا الدروس:
أولًا: الإخلاص والحرص على هداية الناس:
فالإخلاص هو مدار الأمر كله- بعد الفقه الكامل لمعنى الخطابة- إذ به يصل الكلام إلى القلوب، فيتمثله الناس واقعًا عمليًّا في حياتهم، وبغيره لا يتعدى الكلام الآذان، ولو ملك الخطيب ناصية البيان وقوة الحجة ونصاعة البرهان.
وقد قال ابن عطاء الله في حكمه الشهيرة: «الأعمال صور قائمة، وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها».
من هنا وجدنا الإخلاص متمثلًا في رسول الله- ﷺ- وهو يصيح في هذا الجمع الحاشد: «أيها الناس: اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدًا».
إن الذي يعيش الموقف مع هذا الجمهور يشعر أن النبي مع الأمة بمثابة الأب مع أبنائه، يريد ألا يدعهم في آخر لقاء بهم قبل أن يُلقي في آذانهم آخر ما لديه من نصح وحب وإرشاد. وهذا من تمام حرص النبي- على قومه وإخلاصه لهم: «كان يحس أن هذا الركب سينطلق في بيداء الحياة وحده، فهو يصرخ به كما يصرخ الوالد بابنه الذي انطلق به القطار، يوصيه الرشد، ويذكره بما ينفعه أبدًا».([5])
فألقى النبي صلى الله عليه وسلم هذا البيان الجامع الذي هو خلاصة رسالته التي ظل ثلاثًا وعشرين سنة يجاهد من أجل إرسائها في الواقع، وعقدها في قلوب الأمة. أفلم تكن تغني ثلاث وعشرون سنة عن هذا البيان الأخير؟ ولكن النبي الرؤوف الرحيم يريد أن يضع البصمات الأخيرة، والمبادئ الكلية، وأهداف الرسالة وخلاصتها قبل أن يلحق بالرفيق الأعلى؛ لتظل هذه التوجيهات، وتلك الصيحات حاضرة في أذهانهم ترددها آذانهم بعد رسول الله أبد الآبدين.
والحق أن الإخلاص والحرص على هداية الناس منهج الأنبياء جميعًا، فكم تكرر في القرآن الكريم على لسان الأنبياء: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (الشعراء:108)، ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (هود: 26)، ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (الأنعام: ۹۰)، ﴿ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ، بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (يس: 26- 27)، وغير ذلك.
ولعل أبرز ما في رسول الله- صلى الله عليه وسلم- هو الحرص على هداية القوم، وخوفه على مصيرهم، فكم قال: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون»، وحين جاءه ملك الجبال وهو في الطائف رد عليه قائلًا: «لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئًا»، وقبل هذا كله قرر الله عنه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ (التوبة: 128).
وفي هؤلاء الأنبياء جميعًا أسوة للدعاة إلى الله الذين يواجهون المجتمع، ويمسكون بزمام الجماهير إلى الله تعالى.
الإخلاص.. براعة الاستهلال وحسن الاستدلال وربطها الدنيا بالدين.. أهم مقومات الخطبة الناحجة
ثانيًا: جذب الجمهور وتهيئته من أول الخطبة:
وقد أطلق النبي صلى الله عليه وسلم في البداية عبارته الفاجعة: «لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدًا»، وهنا تشرئب الأعناق، وتتطاول الرقاب، وتترقب الآذان ما يُلقى من وعظ، ومن إرشاد.
فهناك من الخطباء من يجعل من الخطبة وسيلة لإنامة الجمهور، فيذهب فريق من الناس للجمعة ليستكمل ساعات نومه، فإذا ما سمع الإقامة صلى مع المصلين وركع مع الراكعين، فلم ينتفع بموعظة، ولم يخشع في صلاة.
إن وسائل الجذب وبراعة الاستهلال أول الخطبة- ليتهيأ الناس للكلام- لا حصر لها، يملكها الخطيب اللبيب من خلال الواقع الذي يموج بأحداث يعيشها الناس، ومن خلال القضايا المثارة في المجتمع التي ينبغي أن يكون الخطيب على دراية كاملة بها.
ولم يكن هذا الدرس المهم في بداية خطبة النبي فقط، إنما تخلل مواضع كثيرة منها، فكم قال: «أيها الناس»، وقال: «اسمعوا قولي واعقلوه»، وقال: «فاعقلوا أيها الناس قولي»، ثم يرمي بالتبعة على كاهلهم حتى يتنبهوا لخطورة الكلام حين قال: «فإني قد بلغت»، وفي النهاية: «اللهم اشهد». والقرآن الكريم يعلمنا هذا الأسلوب في كثير من سوره: فمرة يبدأ السورة بذكر شيء، ثم يستفهم عنه، ثم يعظم من شأنه: ﴿ٱلۡحَآقَّةُ، مَا ٱلۡحَآقَّةُ، وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡحَآقَّةُ﴾ (الحاقة: 1- 3)، وقوله: ﴿الْقَارِعَةُ، مَا الْقَارِعَةُ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ (القارعة: 1- 3)، ومرة يفاجأ الناس بوقائع مرهبة، وأحداث مرعبة: ﴿إذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ، وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ (التكوير: 1- 3)، ومرة أخرى يثير تساؤلًا، ثم يجيب عنه: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ (النبأ: 1-2)، ومرة يبدأ بقسم- والقسم يشير إلى أهمية ما بعده- مثل قوله: ﴿نٓۚ وَٱلۡقَلَمِ وَمَا يَسۡطُرُونَ﴾ (القلم: 1)، إلى آخر هذه الوسائل المثيرة للعقل والوجدان معًا.
والخطيب الحاذق هو الذي يتعلم من هذا الكلام المعجز؛ فيوظف أحداث عصره في ذلك، ثم يستهدي الشفاء والدواء من كلام الله ورسوله.
ثالثًا: التركيز على المتفق عليه وترك المختلف فيه:
فلا ينبغي بحال أن تثار قضايا الخلاف على المنبر في حضور هذا التجمع أو في أي تجمع؛ لئلا يُحدث ذلك اضطرابًا واختلافًا وجدلًا بين الناس، وما لأجل هذا جعلت المنابر، إنما جعلت لتثبيت أركان التوحيد، وتقرير شعائر الإسلام، وتوضيح مبادئه الكلية ومقاصده العامة.
هناك نوع من الخطباء- لا ينقصهم الإخلاص بقدر ما ينقصهم حسن الفهم وعمق التجربة- يصعدون المنابر، وليتهم لا يصعدون، من أجل إثارة هذه القضايا التي لم ينته الخلاف فيه أزلًا، ولن ينتهي الخلاف فيها أبدًا ويقيمونها مقام أصول الإسلام، ويحسبون أنهم يحسنون صنعًا، فينقسم الناس إلى طوائف يتراشقون ويتشاحنون، وليتهم شغلوا أنفسهم بالمتفق عليه- وهو كثير- أو بقضايا واقعهم المخزي المرير.
إن المتأمل في خطبة الوداع لا يجد فيها إلا أصول الإسلام العامة ومبادئه الكلية التي لا يختلف فيها اثنان. من يختلف في حرمة دم المسلم وماله وعرضه، وأداء الأمانة؟ أو من يشك في حرمة الربا؟ أو من ينكر حقوق المرأة التي قررها الإسلام؟ أو من يماري في أن الرابطة العليا هي أخوة الإسلام؟ بل من يتكلم في كلمة النبي الجامعة: «تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا، أمرًا بينا، كتاب الله وسنة نبيه».
وإذا كان هذا هو آخر ما يريد نبي الرحمة أن يطبعه في أذهان الأمة، فإن من يثير كلامًا في تجمعات الناس وجمعهم يخالف فحواه هذه التعاليم يعد مخالفًا لهدي النبي- ﷺ- في خطبه.
يقول السيد رشيد رضا معلقًا على الخطبة: إن النبي- ﷺ-: «هدم فيها قواعد الشرك والجاهلية، وقرر قواعد الإسلام، وأمر أن يبلغ الشاهد الغائب، ونعى إليهم نفسه وأشهد الله تعالى المؤمنين أنه قد بلغ الدعوة».([6]) وللسيد رشيد رضا نفسه قاعدة ذهبية طبقت شهرتها الآفاق حتى صارت علمًا يُهتدى به، ليت دعاة الأمة وفصائل الصحوة فيها يأخذونها جدًا ويمثلونها حقًا، قال، وما أحسن ما قال: «نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه»، وكم نوه بها أستاذنا القرضاوي في كتاباته وأحاديثه، إن إثارة مثل هذه القضايا في تجمعات الناس وجمعهم ليعد نوعًا من السفه الذي يجب أن يترفع عنه الدعاة الذين أقامهم الله مقام الأنبياء؛ ليضيئوا
ظلمات الأرض بنور السماء.
رابعًا: شمول الخطبة أمور الدنيا والآخرة:
من الخطباء من يجعل شغله الشاغل وهمه الأكبر الحديث عن عذاب القبر، وعذاب النار، وسخط الله وعقابه، وقضايا الآخرة عمومًا، ويعد الحديث عن شؤون الدنيا أمرًا لا ينبغي أن يكون موضوع خطبة، أو يحسبه رجسًا من عمل الشيطان يجب على الخطباء أن يجتنبوه، فإن الخطبة- بزعمهم- تقوم على الوعظ الذي يشمل التخويف والترهيب وحسب، وما نحن بصدده أكبر دحض لهذا، وإن أطول آية في كتاب الله تعالج أمرًا دنيويًّا.
إن النبي ﷺ في خطبته هذه لم يركز على أمور الآخرة- على أهميتها- بقدر ما ركز على شؤون الدنيا، فقد ذكرهم النبي ﷺ أنهم سيلقون ربهم فيسألهم عن أعمالهم، ثم بين لهم سبل غواية الشيطان وحذرهم منه، لا تكاد الخطبة تذكر من أمور الآخرة شيئًا سوى ذلك، أما بقيتها فتعالج شؤون الحياة الدنيا، فإن صلاح الآخرة مرهون بإصلاح الدنيا، والذين لا يبنون دنياهم يهدمون آخرتهم.
بينما قرر النبي ﷺ من أمور الدنيا الكثير والكثير، من ذلك:
حرمة الأموال والدماء والأعراض؛ وهذا يمثل مفرق الطريق بين نظام الإسلام والنظم الأخرى من شيوعية ورأسمالية وغيرها.
حرمة الربا: وهو النظام الذي يسحق الفقراء، ويجعل المجتمع طبقيًّا.
العدل والمساواة وحقن الدماء: حيث وضع النبي الربا، وأول ربا وضعه هو ربا عمه العباس بن عبد المطلب، ووضع دماء الجاهلية، وأول دم وضعه دم ابن ابن عمه، ابن ربيعة بن الحارث.
حق الرجل على المرأة وحق المرأة على الرجل: اللذان يبلوران أسس العلاقة التي تقوم عليها كبرى لبنات المجتمع المسلم.
حق المسلم على أخيه المسلم: وهو بيان أن الرابطة العليا في الأمة هي رابطة العقيدة. ([7])
هل ترك النبي من أنواع العلاقات شيئًا؟!! لقد ذكر علاقة المسلم بنفسه: عندما حذر من الشيطان، وأوصانا بمجاهدته.
وذكر علاقة المسلم بربه: عندما تحدث عن لقائنا بالله وسؤاله لنا.
وذكر علاقة السلم بأسرته: عندما ذكر حقوق النساء، وأوصى بهن خيرًا.
وذكر علاقة المسلم بمجتمعه الكبير: عندما قرر حرمة الدماء والأموال والأعراض وأمر بأداء الأمانة.
وذكر علاقة المسلم بمجتمعه الأكبر: وهي الأخوة التي تنتظمها العقيدة؛ لتكون الرابطة العليا في الأمة.
إن الخطابة التي تقتصر على أمور الآخرة، والترهيب، وتهمل شؤون الدنيا تبعث على اليأس والقنوط، وتجعل الناس في حالة من السأمة والملل والإعراض، ما لم تشتمل على قضايا تلمس واقع الناس، وتعالج مشكلاتهم، «وبهذا لا يجيء الكلام على المنابر إلا حيًّا بحياة الوقت، فيصبح الخطيب ينتظره الناس في كل جمعة انتظار الشيء الجديد، ومن ثم يستطيع المنبر أن يكون بينه وبين الحياة عمل».([8])
إن كل نبي من الأنبياء أرسله الله ليعالج مرضًا واقعيًّا موجودًا في حياة الناس، وذلك باستهداء الوحي الذي ينزله الله عليه، مع الدعوة إلى عبادة الله وتوحيده قبل كل شيء. وهكذا المجددون والمصلحون يبعثهم الله بعد انقطاع من الزمن؛ ليجددوا ويحيوا معالم الإسلام التي انطمست وماتت - أو تكاد - في ضمير الأمة.
خامسًا: الاقتباس من القرآن والسير معه:
وهذه لا يتقنها أشباه الخطباء، إنما يقدر عليها أولو العزم منهم، الذين استظهروا كتاب الله قراءة وحفظًا وتفسيرًا وتدبرًا، وقبل ذلك حازوا ثقافة اللغة والأدب.
إن النبي صلى الله عليه وسلم ضمن خطبته معاني وآيات قرآنية كثيرة، وكيف لا وهو أفصح من نطق بالضاد؟ من ذلك: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: 279)، ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ (التوبة: ٣٧)، ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (النساء: ١٩)، «ولا تهجروهن في المضاجع ولا تضربوهن»،([9]) وغير ذلك.
وكيف يكون داعية إلى الله من لا يفقه كلام الله قراءة وحفظًا، فضلًا عن إدراك أسراره ومقاصده؟ فالقرآن لم يدع أمرًا من شؤون الدنيا والآخرة إلا تحدث فيه، والخطبة التي تخلو من كلام الله ينقصها الكثير.
الخطيب الذي يصلح للتحدث عن الإسلام.. رجل خبير بالحياة وعللها.. مكين في الوحي الأعلى
إن «الخطيب الذي يصلح للتحدث عن الإسلام رجل خبير بالحياة وعللها، مكين في الوحي الأعلى».([10])
قد يتحدث الخطيب عن معنى رائع أو فكرة مهمة، لكن المعاني والأفكار وحدها لا تكفي ما لم يكن لها لباس حسن، وكساء أخاذ، والقرآن الكريم قد تحدى العرب جميعًا، وأخرس الأولين والآخرين في فصاحته وبيانه.
يقول الداعية الكبير الشيخ محمد الغزالي: «لا تسمي خطابة إسلامية هذه الكلمات الميتة التي يسمعها الناس في بعض المساجد، ثم يخرجون وهم لا يدرون ماذا قال خطيبهم؛ لأنه لم يصل أحدًا منهم بروح القرآن، ولا أنعش قلبًا بمعانيه، ولا علق بصرًا بأغراضه. ([11])
وبجانب الاقتباس من القرآن يليق للخطيب أيضًا أن يسير مع القرآن؛ فهناك قضايا ركز عليها القرآن، وأطال الحديث عنها في غير موضع، وهناك قضايا ذكرها في موضع أو موضعين، وبين هذه وتلك تفاوت ونسبية في عرض القرآن للقضايا، والخطيب الناجح هو الذي يسير مع القرآن حيث سار، فيولي ما اهتم به القرآن اهتمامه الأكبر؛ لأن القرآن لا يركز على أمر إلا إذا كان له أثره الكبير في معاش الناس ومعادهم.
سادسًا: على الداعية البلاغ وليس عليه النتائج:
وهذا أمر حسمه القرآن مع الرسول ﷺ إذ قال له: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (آل عمران: ۱۲۹)، ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ (البقرة: ۲۷۲)، و﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (القصص: ٥٦)، و﴿إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ (فاطر: 23)، و﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ (آل عمران: ۲۰)، إلى آخر هذه الآيات التي تحسم الأمر بوضوح لا لبس معه، ولا شبهة فيه.
وفي خطبة النبي ﷺ يلقي التبعة عليهم- بعد أن بلغ ما عليه- أنهم سيلقون ربهم، ويسألهم عن أعمالهم، وكم تكرر في خطبته الجامعة: «اللهم هل بلغت؟»، فتردد الجماهير: «اللهم اشهد».
وهذا - بالطبع - لا يتنافى مع شعور الداعية بالأسف والحزن على ما به قومه من ضلالة، وأنهم على غير الصراط المستقيم، فقد كان- صلوات الله عليه- أوضح مثل لذلك، حتى أنزل الله عليه يواسيه ويخفف عنه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (الكهف:6) وقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء: 3)
يسير الداعية بهذا الحرص على قومه، ويرجو الله أن يهديهم، لكنه لا يقنط ولا ييأس إن استجابت له قلة، أو لم يستجب له أحد، فلقد مكث نوح- عليه السلام- في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وما آمن معه إلا قليل، المهم أنه أدى ما عليه، وبلغ ما أناط الله بعنقه، وأشهد الله وأشهدهم على ذلك، كما فعل مؤمن آل فرعون، وقد سلك مع قومه كل سبيل ثم قال في النهاية: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (غافر: ٤٤).
وها هو النبي صلى الله عليه وسلم، بعد أن بدأ الإسلام بشخصه في مكة وهو شاخص ببصره إلى السماء، وجبريل يناديه: «أنت رسول الله وأنا جبريل»- ها هو يُسدل عليه الستار في نفس المكان قريبًا من غار حراء، وقد احتشدت حوله عشرات الآلاف ليعلن فيهم إتمام المهمة، وتبليغ الرسالة، وإكمال الدين، من أجل ذلك كان السؤال: «ألا هل بلغت؟» فيجيبون: «اللهم نعم»، فيرفع يديه لرب السماء قائلًا: «اللهم اشهد».
-----------------------------------
الهوامش
[1]) ) وحي القلم 1/25, دار ابن زيدون, بيروت, بدون تاريخ, وانظر معني السيف الخشبي في: «قصة الأيدي المتوضئة» الوحي: 2/245
[2]) )السيرة النبوية لابن هشام: 6/8-11, دار الجبل, بيروت, ط أولى, 1411هـ
[3]) )إنما قال النبي ذلك؛ لأن ربيعة كانت تُحرم رمضان وتسميه رجبًا, فبين أنه رجب مضر لا رجب ربيعة, وأنه الذي بين جمادى وشعبان
[4]) )عوان: جمع عانيه, وهي الأسيرة
[5]) ) فقه السيرة للشيخ العزالي, 505 بتخريج الشيخ الألباني, دار الدعوة, ط ثانية, بدون تاريخ
[6]) ) خلاصة السيرة المحمدية, 66, المكتب الإسلامي, بيروت, ط رابعة, 1405هـ
[7]) ) ذكر الأستاذ منير الغضبان عشرة مبادئ تضمنتها الخطبة عمومًا, راجع المنهج الحركي للسيرة النبوية, 3/200- 201, مكتبة المنار, ط سادسة, 1411هـ
[8]) ) وحي القلم: 2/ 247
[9]) ) إشارة إلى الآية 34 من سورة النساء
[10]) ) مع الله, دراسات في الدعوة والدعاء: للشيخ الغزالي: 273, دار الكتب الإسلامية, ط سادسة, 1405هـ
[11]) ) السابق: 272