العنوان إياكم وهجران القرآن الكريم
الكاتب د. سعد المرصفي
تاريخ النشر الجمعة 07-سبتمبر-2012
مشاهدات 93
نشر في العدد 2017
نشر في الصفحة 49
الجمعة 07-سبتمبر-2012
رسالة الأخوة
من الثابت أن قواعد المنهج الإلهي استقرت في الحياة، وتبينت خطوطه ومعالمه ﴿ لَيَهْلِك مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لسميع عليمٌ (٤٢)﴾ (الأنفال)، منهج لا غموض فيه ولا إبهام.. إنما هو الضلال عن علم والانحراف عن عمد، والالتواء عن قصد والتقصير عن إصرار.
ولقد نبتت على أرض البيان شتى العلوم ولن يكون عسيرا أن نبصر معالم المنهج القرآني في الحياة.. وإنا لواجدون ذلك من خلال الصورة الواضحة للشخصية الإسلامية التي حملت أمانة هذه الهداية.. وكلما قامت الأدلة في منهج السير في هذا الطريق، قامت الحجة على ضرورة الاستمساك بالمنهج الرباني كما حدده القرآن الكريم، سلوكا وقوة، ومنهجًا وحكماً.
إذا كنا قد حرصنا خلال شهر رمضان المبارك على العيش في رحاب القرآن الكريم تأملا وتدبراً وتلاوة آناء الليل وأطراف النهار، وتزودنا روحيا وإيمانيا، فقد مضى الشهر الفضيل، نسأل الله تعالى أن يبلغنا هذه المناسبة الكريمة أزمنة طويلة، وأعواما مديدة، لكن علينا أن ندرك أن هذا الشهر اكتسب هذه المكانة لدى المسلمين بنزول القرآن فيه، وما ينبغي أن تقتصر صحبتا لكتاب الله تعالى على شهر رمضان دون سائر الشهور فالمسلمون يجب أن يكونوا عباداً ربانيين لا رمضانيين.
ولابد أن ندرك أن القرآن الكريم لا يمنح كنوزه لمن يستكثر به لمجرد المعرفة، إنما يمنح لمن يقبل عليه بروح المعرفة المنشئة للعمل... والمسلم الذي يرجو الله واليوم الآخر، عليه أن يعيش حياته في رحاب كتاب الله.. ولو وفق لتطايرت من نفسه الحجب، ولأدرك قيمة الحياة في هذا الهدى.. ولكانت الدنيا كلها وسيلة لا غاية.. وإذا به يحيا في سلطان الحق، ويتركز وجوده في قلبه وروحه، فيغدو لأمر الله ونهيه واقع في قرارة نفسه يبلغ القمة.. وتلك حالة يمكن كسبها بعرض الروح والقلب على كتاب الله.
يروي أحمد وغيره بسند صحيح عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لله أهلين من الناس، فقيل: من أهل الله منهم؟ قال: «أهل القرآن هم أهل الله وخاصته » وهنا نبصر أنصار الحق ودعاته، وجنده وحماته .. أصحاب البصائر والأبصار.. الذين يتطلعون إلى آفاق النور والإخاء، والإيثار والفداء، والبذل والعطاء، والحب والنقاء والود والصفاء، ليعيشوا في هذه الرحاب الرفافة الندى والظلال.
ما أحوجنا أن نعيش في رحاب القرآن الكريم حكما ونهجا وكتابا هاديا ومرشدا وملهما في رمضان وفي سائر الشهور، لقد أبصرنا الخير في المصحف الهادي ومنهجه وتيقنا أن ما عداه خسران مبين.
إننا عانينا ونعاني من ويلات البعد عن كتاب الله، والإسلام منا قريب.. ونعاني من حرب مستعرة ضد الإسلام، والإسلام في متناول أيدينا لو نشاء.. فأية صفقة خاسرة تلك التي نستبدل فيها الذي هو أدنى بالذي هو خير؟، وأية صفقة خاسرة، تلك التي نشتري فيها الضلالة بالهدى؟
إننا نملك إنقاذ أنفسنا والبشرية من ويلات المادية الطاغية وحربها المشبوبة في شتى الصور والألوان.. بيد أنا لا نملك ذلك قبل أن ننقذ أنفسنا، وقبل أن نفيء إلى رحاب هذا القرآن الكريم الذي يهدي إلى صراط مستقيم مع فطرة النفس ونواميسها التي تحكمها وفطرة الكون ونواميسه التي تصرفه، ولا تلتبس فيه الحقائق والاتجاهات والغايات.
إنه منذ لحظة نزول الوحي بهذا الكتاب العظيم عاش الذين استقرت في أرواحهم هذه الحقيقة في كنف الله ورعايته المباشرة الظاهرة.. عاشوا يتطلعون إلى الحق في كل أمرهم، كبيره وصغيره.. يحسون ويتحركون ويتوقعون أن ينزل عليهم من الله وحي يردهم عن الخطأ، ويقودهم إلى الصواب.. ويحدثهم بما في نفوسهم، ويفصل في أمرهم، كانت فترة عجيبة حقا.. استمرت فيها هذه الصلة الظاهرة المباشرة فترة لا يتصور حقيقتها إلا الذين عاشوها وشهدوا أحداثها، وأحسوا رحمة الله تنقل خطاهم في الطريق.
وتلك مسافة هائلة لا تقاس بأي مقياس من مقاييس الأرض.. مسافة في الضمير، لا تعدلها مسافة في الكون الظاهر، ولا يماثلها بعد بين الأجرام والعوالم.. مسافة بين التلقي من الأرض والتلقي من الوحي، بين الاستمداد من الهوى والاستمداد من الوحي.. بين الجاهلية والإسلام، والذين عاشوا هذه الفترة، وذاقوا حلاوة الاتصال.. هم الذين عرفوا مذاقها ، وشعروا بقيمتها، وأحسوا وقع فقدانها حين انتقل الرسول إلى ربه.
يروي مسلم عن أنس قال: قال أبوبكر كافة، بعد وفاة رسول الله ﷺ لعمر: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله يزورها ، فلما انتهينا إليها بكت، فقالا لها : ما يبكيك؟ ما عند الله خير الرسول الله ، فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله ، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها.
لقد ظلت آثار هذه الفترة تعمل في حياة البشر منذ تلك اللحظة.. وهي كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فهل يواصل المسلمون إقبالهم على كتاب الله تلاوة وتدبراً وعملًا بأوامره ونواهيه؟ نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل