; إيران والأقليات المسلمة في أوروبا | مجلة المجتمع

العنوان إيران والأقليات المسلمة في أوروبا

الكاتب عبد الرحمن الناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 25-مارس-1986

مشاهدات 57

نشر في العدد 760

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 25-مارس-1986

  • النشاط الإيراني بين المسلمين من شأنه أن يضر بالدعوة الإسلامية في أوروبا
  • النشاطات الإيرانية بين المسلمين في أوروبا ترتبط بإصرار إيران على استمرار الحرب في الخليج

مما قد يثير دهشة القارئ أن تكون الكتابة في مثل هذا الموضوع متزامنة مع ما تشهده ساحة الخليج من معارك شرسة بين القوات العراقية والإيرانية نتيجة للهجوم المباغت الذي شنته القوات الإيرانية في منتصف الشهر الجاري محاولة من خلاله احتلال أراض عراقية. وكان من الممكن أن تؤجل الكتابة في هذا الموضوع إلى حين إلا أن ما دفعنا وبإلحاح إلى التعجيل في تناول هذا الموضوع هو ما نعتقده بوجود ارتباط بشكل أو بآخر بينه وبين ما يدور على الحدود العراقية الإيرانية.. بالإضافة إلى أن شدة خطورته لم تعد تسمح بتأجيل تناوله ولتحذير من يعنيهم الأمر في العالم الإسلامي.

النشاط الإيراني بين الأقليات المسلمة

من المعروف أن الأقليات المسلمة في أوروبا تتكون في معظمها من المسلمين العرب والأتراك.. وهذا يعني أنهم يعيشون وحدة فكرية وعقدية واحدة، ورغم الظروف الصعبة التي عاشتها تلك الأقليات سواء على الصعيد الثقافي أو الاجتماعي أو الاقتصادي.. والتي كان لها تأثير كبير على مدى التزامها بالشريعة الإسلامية في حياتها.. إلا أن هذه الأقليات تمكنت من أن تحافظ على انتمائها العقدي وتتمسك به.. واستمر حالها على هذا النحو إلا أن ظهرت الجمهورية الإيرانية عام 1979 ويومها منحت الجمهورية الجديدة كل التأييد اعتمادًا على ما طرحته من شعارات إسلامية، كانت في معظمها بعيدة عن أية دلالات طائفية.. ولكن بعد أن تم للقيادة الإيرانية الجديدة السيطرة على كامل إيران وتثبيت سلطتها المطلقة لوحظ تحول ذلك الطرح النظري إلى واقع معاكس تمامًا ظهر وبشكل ملموس من خلال النشاط الذي تقوم به السفارات والمراكز الإيرانية في أوروبا بين الأقليات المسلمة المتواجدة هناك.

فقد تحولت السفارات والقنصليات الإيرانية في أوروبا الى مركز لنشر عقيدتهم في أوساط المسلمين المقيمين في أوروبا، وتؤكد على ذلك عشرات بل مئات وآلاف الكتيبات والمنشورات الخاصة بالفكر الشيعي وتوزيع هذه الكتيبات على المسلمين الأوروبيين في أماكن تجمعهم وخاصة عند أبواب المساجد، أو في البريد أو من خلال وسائل أخرى، والغريب في هذا النشاط أنه بدأ يستغل بعض الخلافات بين العاملين في الحركة الإسلامية لشن حملة تشهير في الحركة في محاولة إقناع تلك الأقليات المسلمة بأن منهج التشيع على الطريقة الإيرانية هو المنهج الذي يجب أن يعتقده المسلمون، مع أن من يطبع مثل هذه المنشورات يعلم تمامًا أن خلافات الحركة الإسلامية هي خلافات في أسلوب العمل السياسي أو خلافات تتعلق بأسلوب العمل الحركي.. ولا تصل أبدًا إلى القضايا العقدية بينما تقف الخلافات داخل حركتهم على النقيض من ذلك تمامًا حيث تتعدى القضايا السياسية والحركية إلى الخلاف العقدي.. والسفارات والمراكز الإيرانية في أوروبا تعلم هذه الحقيقة قبل غيرها، ولهذا فإن استغلالها لمثل هذه الخلافات السياسية أو الحركية داخل الحركة الإسلامية أمر يدل على العبث بعقول الناس.

وحتى المراكز الثقافية والمكتبات تبدو وكأنها أقيمت من أجل نشر دعوة التشيع الإيراني بين الأقلية المسلمة في أوروبا، فبالإضافة إلى ما تحتويه هذه المكتبات من كتب ونشرات حول الثورة الإيرانية ومنهجها العقائدي.. نجد أن القائمين على هذه المكتبات ينظمون دروسًا وندوات تتعلق في معظمها بالقضية العقدية، فعلى سبيل المثال نجد أن مكتبة المطالعة الحرة في باريس الواقعة بمنطقة باب إيطاليا تنظم محاضرات عقائدية في فكر الثورة الإيرانية أيام الخميس والسبت من كل أسبوع توزع خلالها المجلات والكتيبات والتسجيلات الصوتية.. ويدعى إلى حضور هذه المحاضرات المسلمون كوسيلة من وسائل نشر المنهج الشيعي على الطريقة الإيرانية.

المساجد والنشاط الإيراني

ولم تقتصر النشاطات الإيرانية على وسائل النشر والمكتبات.. بل امتدت إلى مساجد المسلمين حيث بدأت المراكز الإيرانية بدفع بعض الشباب الذين غررت بهم وجعلتهم عملاء للمنهجية الإيرانية إلى بعض مساجد المسلمين للاتصال بالمصلين وخاصة أيام الجمع حيث يتواجد عدد كبير من المسلمين في صلاة الجمعة، في محاولة لجذبهم نحو اعتناق المنهجية الإيرانية، وغالبًا ما تؤدي مثل هذه الاتصالات إلى وقوع مصادمات وفتنة داخل المسجد كما حدث في مدينة أورليان القريبة من العاصمة الفرنسية باريس، حيث تجمع عدد من أولئك الشباب الذين تم الإيقاع بهم من أمثال إبراهيم جلال وفاروق العزوري الذين يحملون الجنسية المغربية وحاولوا من خلال أحاديثهم التي واجهوا بها المصلين عقب صلاة الجمعة أن يقنعوهم بأن فكر الثورة الإيرانية هو الفكر الإسلامي الصحيح، وأن الواجب يفرض على المسلمين اتباع هذا الفكر.. وكان من الطبيعي أن تتولد فتنة داخل المسجد هرب على أثرها إبراهيم جلال وفاروق العزوري.

وما حدث في مسجد مدينة أورليان الفرنسية ممكن أن يحدث في مساجد أخرى طالما تسيطر على عقلية القائمين على السفارات والمراكز الإيرانية في أوروبا، قضية دفع المسلمين باتجاه فكر الثورة الإيرانية.

الآثار السيئة للنشاط الإيراني

إن النشاطات الإيرانية بين الأغلبية المسلمة في أوروبا من شأنها إذا استمرت على النحو الذي ذكرناه أن يترتب عليها آثار في غاية السوء ربما تنعكس على العلاقات بين المسلمين وبين إيران، فالواضح تمامًا أن الخلافات الناشئة بين المسلمين في أوروبا سوف يكون لها تأثير سيء على صورة الإسلام ككل وإذا ما تفاقمت هذه الخلافات إلى حد المواجهة بين المسلمين وبين اتباع المنهجية الإيرانية كما حدث في مدينة أورليان الفرنسية فإن المجتمعات الأوروبية سوف تنظر إلى المسلمين نظرة سيئة قد لا تشجع على انتشار الإسلام في البلاد الأوروبية.

وبالإضافة إلى ذلك فإن الانقسام بين المسلمين سوف تزداد خطورته إذا ما تبين أن دور السفارات الإيرانية بين المسلمين يتحدد في دفعهم نحو اعتناق الفكر الإيراني والمنهجية الإيرانية، وهذا الانقسام لن يكون محصورًا في أوروبا كما هو ملاحظ الآن، وخاصة في فرنسا، إنما ستمتد آثاره السلبية إلى العالم الإسلامي، ومن هنا نفهم كيف أن السلك الدبلوماسي الإيراني الخارجي لا يضع بين أفراده من يعتنق مذهب أهل السنة، وهذا بحد ذاته دليل على خطة منظمة من جانب السلطات الإيرانية لتحويل السفارات والمراكز الإيرانية في الخارج إلى ما يشبه المؤسسات الخاصة بنشر المنهجية الإيرانية بين المسلمين. وكان يمكننا أن نفهم وربما نقدر أن تتوجه هذه النشاطات إلى الأوروبيين في محاولة لجذبهم نحو اعتناق الدين الإسلامي حيث يتوفر الاستعداد النفسي لدى الأوروبيين لقبول العقيدة الإسلامية، ولكن إيران وضعت إمكانياتها في خدمة تصدير فكرها ليس للشعوب الأوروبية ولكن للمسلمين سواء أولئك الذين يقيمون في أوروبا أو في العالم الإسلامي.

ومن هنا يمكننا أن نفهم العلاقة التي أشرنا إليها في مقدمة الموضوع بين النشاط الإيراني في أوروبا وبين الحرب التي تصر إيران على استمرارها للوصول إلى نظام حكم في العراق يعتمد في حكمه على الأسلوب الإيراني والمنهجية الإيرانية.

الرابط المختصر :