الأحد 15-مارس-1992
· هل يشكل صدام حسين الخطر الأكبر على المنطقة؟
· زيارات بيكر للجمهوريات الإسلامية المستقلة كانت خوفًا من النفوذ الإيراني في وسط آسيا.
· خصصت إيران ربع عائداتها النفطية في السنة الماضية للنفقات الدفاعية.
عند بداية الثورة الإيرانية في مطلع الثمانينات، قام العالم ولم يقعد خوفًا من أن يتم تصدير هذه الثورة إلى بقية العالم، وعندئذ تجاهل العالم ما كان يهمس في الآذان من النزعات العدوانية العراقية. والآن من الممكن أن يحدث شيء مماثل بين الدولتين المتنافستين منذ قديم الزمان للسيطرة على منطقة الخليج، ولكن بشكل معكوس، ذلك أن الاهتمام الزائد على مكامن القوة التي يتشبث بها صدام حسين للبقاء على السلطة يصرفنا عن حقيقة أن القيادة الجماعية في إيران لم تتخل عن طموحاتها التبشيرية قط، كما أنها تسعى للحصول على المال الكافي لتحقيق هذه الطموحات.
وبالطبع فإن العالم سيكون مكانًا أطيب للعيش بدون صدام حسين، ولا غرو من أن ذلك سوف يحدث في يوم من الأيام، ذلك أن الحكومة الأمريكية بالتعاون مع وكالة الاستخبارات المركزية ما انفكت تحرض العراقيين على الإطاحة بصدام، ويبدو أن أمريكا وحلفاءها بدأوا يفقدون الصبر إزاء الرقصات التي يؤديها النظام العراقي أمام مفتشي الأمم المتحدة المبعوثين للإشراف على عمليتي اكتشاف وتدمير كل أسلحة الدمار الشامل لدى العراق.
ومن غير المعقول المجاملة مع نظام مثل النظام العراقي الذي يعمل كل ما في وسعه للتنصل من شروط وقف القتال في حرب الخليج، وبالعكس فإنه ينبغي التعامل معه بطريقة أكثر صرامة تبدأ من إرسال جنود لمرافقة المفتشين، بالإضافة إلى جنود المغاوير المختبئين والمستعدين للتحرك إذا ما تم منع المفتشين من دخول أي موقع، وبالمقابل فإنه يمكن الاستمرار أيضًا في التهديد بتدمير البنايات غير المعرضة للتفتيش، ذلك أن ليس من واجب العالم أن يجامل صدام حسين إطلاقًا.
ومن جانب آخر فإن التخلص من الرجل - وحتى لو كان ممكنًا - لا يشكل بالضرورة أهمية قصوى بالنسبة للحلفاء؛ فقد جلبت الحرب للعراق ويلات الفقر والتشتت والحزن، وكان وقف القتال الفرصة الوحيدة لحرمانها من أخطر أنواع أسلحتها بما فيها أسلحتها النووية، ولو تم ذلك فإن الديكتاتور العراقي لن يشكل خطرًا إلا على شعبه، بالطبع فإنه سيكون خطيرًا، وليس بنفس الخطورة التي ألفناها منه.
تنامي النفوذ الإيراني
إن مثل هذا التعامل الاقتحامي لا ينتظر إيران؛ فقد خرج النظام الإيراني من حرب الخليج وهو يشم رائحة الورود، فقد نجح في إقناع كلا الطرفين بأنه لم يقف ضد أي منهما، كما أنه أعاد علاقاته مع البلدان العربية في معسكر التحالف، وفوق كل شيء مع المملكة العربية السعودية، وفي نفس الوقت فإن النظام الإيراني أخذ يمد نفوذه في بلدان مؤيدة للعراق، وعلى وجه الخصوص السودان. وإدراكًا منها بنفوذ إيران المتنامي فقد اتفقت دول الخليج على أن تشمل الترتيبات الأمنية في المنطقة بندًا يمنع الدول العربية غير الخليجية من أمثال مصر أن تكون طرفًا في هذه الترتيبات، ثم إن حلم الشاه الكبير كان متمثلًا في أن تصبح إيران رجل الشرطة وحامي منطقة الخليج، وإن هذا الحلم ما زال قائمًا، بل ويراود الكثيرين في طهران.
وقد ساعد انهيار الاتحاد السوفيتي في تخفيف الضغط الذي كان قائمًا من الحدود الشمالية، ولم تُضع إيران وقتًا لإقامة علاقات مع الجمهوريات الإسلامية الجديدة، وفتح سفارات لديها، وكذلك عقد صفقات اقتصادية معها، ويقال بأن هذه الصفقات قد شملت عرض «شراء» علماء نوويين من الاتحاد السوفيتي القديم. وعندما انتبه جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكية لهذه التطورات بادر مسرعًا إلى هذه الجمهوريات للإسراع في فتح السفارات الأمريكية في محاولة لمواجهة أي تأثير إيراني مشؤوم.
إن النهج البراغماتي الذي انتهجه بعض القيادات الإيرانية منذ وفاة آية الله الخميني قد أكسب إيران اهتمام الدول المصدرة والمصرفيين على حد سواء، وعلى الرغم من أن إيران مثقلة بالديون الخارجية، ولكن لديها قائمة عريضة من طلبات لشراء احتياجاتها من البنية التحتية، وإن الدول الغربية تتنافس في بيع منتجاتها وتقديم القروض لإيران، طالما أن القروض الأجنبية لم تعد توصف بأنها حرام شرعًا.
إن كثيرًا من هذه الأمور تصب في قالب الخير، وإن قدرة إيران على إلحاق الضرر بالآخرين كانت أكبر عندما كانت الجمهوريات الإسلامية تجوس نادي دول الشرق الأوسط، من عند ذلك أصبحت عضوًا فيها، غير أن الحملة التبشيرية الإيرانية لم تنقطع بعد، حيث إن النظام تربطه علاقات جيدة بالزعماء الإسلاميين في السودان، مما أثار قلق مصر، كما أنه قد يتحمل مقدارًا وافرًا من تكاليف حملات الأصوليين الذين [سُرق] فوزهم في الانتخابات الأخيرة في الجزائر، والذين قد حرمهم تأييدهم للعراق أثناء حرب الخليج من المال السعودي، وعلى عكس عاداته في السنوات المنصرمة، فإن النظام الإيراني ترك باب الأصولية نصف مفتوح، كما أنه يقود جبهة الرفض المعارضة للمحادثات العربية الإسرائيلية.
وعلاوة على ذلك فإن إيران تبني قواتها المسلحة بسرعة، وطبقًا لما جاء في التقديرات فإنها قد خصصت ربع عائداتها النفطية في السنة الماضية للنفقات الدفاعية، وعلى الرغم من أن معظم الخبراء يعتقدون أنها على بعد 10 سنوات من صناعة أسلحة نووية؛ فإنها تبحث عن أجزاء تقنية تدخل في الصناعة النووية، وقد طلبت ذلك من الصين «التي قد ساعدتها في تطوير مفاعل ثان صغير لإجراء الأبحاث» والأرجنتين والهند وباكستان وألمانيا.
إن إيران مثل العراق قد صادقت على اتفاقية الحد من الانتشار النووي، وإن الدرس الذي قد تعلمه العراق في الثمانينات هو أنه يجب الآن مراقبة إيران، واستجوابها والاستمرار في الضغط عليها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل