العنوان إيطاليا تبحث عن دور مؤثر في المنطقة العربية
الكاتب إبراهيم عمر
تاريخ النشر الثلاثاء 05-نوفمبر-1996
مشاهدات 75
نشر في العدد1224
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 05-نوفمبر-1996
يبدو أن فشل القمة الرباعية التي جرت بواشنطن بهدف تجميد الخلافات المتصاعدة بين حكومة نتنياهو وسلطة عرفات قد أغرت الأوروبيين وحفزتهم على تحريك دبلوماسياتهم نحو الشرق الإسلامي (الأوسط) علهم يغنمون مقعدًا في طاولة المفاوضات الجارية بين الكيان الصهيوني ومنظمة التحرير، خاصة فيما يتعلق بالقدس، وذلك كمحاولة منهم لتثبيت كتلتهم كقطب سياسي جديد وقوي ينافس الولايات المتحدة الأمريكية في النظام العالمي الجديد الذي هو بصدد التشكل.
وتعتبر منطقة الشرق الإسلامي (الأوسط) والقضية الفلسطينية هي أقصر الطرق التي يمكن لهم المرور من خلالها لربح كثير من الوقت وتوفير نصيب من الجهد ومزيد من التضحيات في سبيل تحقيق ذلك.
الدبلوماسية الإيطالية: الحذر والبرجماتية
ولذلك فقد تميز نهاية شهر أكتوبر (تشرين أول) الماضي بنشاط حثيث لكل من فرنسا وإيطاليا في المنطقة، ولئن قام الرئيس الفرنسي – جاك شيراك- نفسه بالطيران إلى فلسطين المحتلة والقدس، فإن روما وسعت تحركها، إلى حد لم تعهده من قبل، ليشمل رئيس مجلس الوزراء "رومانو برودي" ووزير الخارجية "لامبرتو ديني"، و"ماسعو داليما" الأمين العام للحزب الديمقراطي اليساري، النواة الصلبة في التحالف الحكومي الحالي، ولئن كانت تلك الزيارات منفصلة عن بعضها شكلاً، إلا أنها متقاطعة مضمونًا.
وبالفعل فقد توجه رئيس الحكومة الإيطالي "رومانو برودي" إلى القاهرة ثم دمشق، والتقى فيهما كلاً من الأمين العام لجامعة الدول العربية عصمت عبد المجيد، فالرئيس المصري حسني مبارك، ثم نظيره السوري حافظ الأسد وعدد من المسؤولين السامين في كلا البلدين، كما وصل " ماسمو داليما"، ممثل أكبر قوة سياسية في إيطاليا، إلى فلسطين المحتلة والتقى رئيس الحكومة اليهودية نتنياهو ووزير الشؤون الخارجية ليفي وكبار المسؤولين في حزب العمل الإسرائيلي الذي يلتقي معه في التنظيم الدولي للاشتراكية، وقد لعب داليما في هذه الزيارة دور " السياسي الإيطالي اليساري المعتدل" المباين للسياسة اليسارية (الشيوعية سابقًا) القديمة الممالئة للفلسطينيين، خاصة بعد صدور الكتاب الأخير لنتنياهو الذي يهتم فيه الحزب الشيوعي الإيطالي (الديمقراطي اليساري حاليًا) -حسب الصحافة الإيطالية- أنه كان أحد الأسس المساندة للإرهاب الدولي، كما جاءت هذه الزيارة لتأكيد الخط السياسي الجديد الذي نهجه حزبه (وهو مهندسه)، والذي نال رضا معظم البيئات اليهودية في إيطاليا؛ بحيث رجحوا كفته في الانتخابات البرلمانية التي جرت في إبريل (نيسان) الماضي ، كما حرص داليما أثناء تواجده في أرض فلسطين المحتلة على إبطال الإشاعات التي روجت لها بعض الصحف الإسرائيلية – والغربية على حد سواء- المتهمة للبلدان الأوروبية بالانحياز إلى جانب الفلسطينيين، واختتم داليما رحلته إلى المنطقة بزيارة دمشق وحمل رسالة من وزير الشؤون الخارجة دافيد ليفي إلى الحكومة السورية وفيها استعداد تل أبيب لاستئناف المفاوضات بأي شكل من الأشكال، ولم تحدد الرسالة النقاط التي سيستأنف منها المحادثات.
وكان لامبرتو ديني آخر الدبلوماسيين الذين نزلوا بفلسطين، حيث التقى كلاً من وايزمن ونتنياهو وليفي، وأبدى لهم "تراجع" أوروبا عن رغبتها في القيام بدور الوساطة ولدت مع نهاية سبتمبر عندما بدت المواجهات النارية في المنطقة وكأنها أفشلت السلام، لكن الأمور الآن يبدو أنها بدأت تتحسن"، والتصريح الذي ارتاحت له سلطات تل أبيب حيث عبرت أنه: "مخالفًا لدور الواسطة النشيطة، مثل ذلك الذي تقوم به واشنطن، والذي تريده باريس، فإن كلامًا دينيًا يشير إلى أنه إذا تحسنت العلاقة مع الفلسطينيين فإن البادرة يمكن أن تلغى أو تتغير"، كما ذكرت الحكومة اليهودية بالمبادرة التي قام بها البرلمان الإيطالي المتمثلة في تعديل الاتفاق القاضي بإشراك حكومة إسرائيل في السوق الأوروبية المشتركة، وذلك بالأغلبية الساحقة.
أوروبا بين روما وباريس: ملاحظ ... أو وسيط!
أما الجدير بالملاحظة في الاهتمام الأوروبي الأخير بمنطقة الشرق الإسلامي فهو المساران الذي تحاول أوروبا الدخول عن طريقهما لتثبيت حضورها السياسي – بجانب قوتها الاقتصادية- في المنطقة، ويتمثل المسار الأول فيما يسمي بمباحثات السلام، منافسة في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا ما أكدته أحداث الزيارة الأخيرة التي قام بها شيراك لفلسطين المحتلة، وأما المسار الثاني فيتمثل في اقتراح مشاركة أوروبية في المحادثات عن طريق "ملاحظ" (وربما فوضت روما لتبني هذا الخط والتحدث باسم الاتحاد الأوروبي باعتبار موقعها الجغرافي القريب من المنطقة ووزنها الاقتصادي فيها)، وقد تجلى ذلك من خلال التصريحات التي أدلى بها رومانو برودي – رئيس الحكومة الإيطالي- ومواطنيه أثناء لقاءاتهم في القدس والقاهرة ودمشق، حيث أعرب "برودي" عن عدم استعداد أوروبا للتضحية أكثر – بالإنفاق- في ما يسمى بمسيرة السلام، دون أن تكسب من ورائه شيئًا، فقال في أسلوب ساخر: "أليس جميل أن يكون لك عم يدفع عنك كل ما تريد؟ إن أوروبا لا يمكن أن تدفع لمدة أعوام وتبقى دائمًا صامتة"، مما يدل على أن أوروبا مصممة على تقديم "فاتورتها السياسية، عدا نظيرتها الاقتصادية، وبداية ترغب في إرسال "ملاحظ" يشارك في المفاوضات تمامًا كما حدث في معاهدة البلقان والاتفاقيات حول البوسنة والهرسك، كما استبعد برودي أن يكون الخط السياسي الجديد الذي يتبناه الاتحاد الأوروبي وليد الخوف من الرسوب –خاصة أن الفشل الذي منيت به المجموعة الأوروبية في حل مشكلة منطقة البلقان مازال يشكل هاجسًا كبيرًا لها- في القيام بدور الوساطة أو الحذر من تلقي "اللطمات الدبلوماسية"، حيث صرح: "أن اللطمات يتلقاها الذي يتولى القيام بدور أكبر من إمكانياته، وأما فيما يخص الاتحاد الاوروبي فإن حضوره الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط يجعله بعيدًا من هذا الفشل"، وأما فيما يخص رأيه في طلب شيراك للوساطة أجاب: "لي اتصالات يومية مع الرئيس الفرنسي، وإن سلوكه لم يكن انعزاليًا البتة، ولكن موازيًا".
الاحتجاج اليهودي أمام السفارة الفرنسية في روما
نشطت فيدرالية الجمعيات الإيطالية – الإسرائيلية (على هامش مؤتمرها السنوي)، أمام مقر السفارة الفرنسية في روما، مظاهرة احتجاجًا- كما جاء في بيانها- على "المواقف الفرنسية المعادية لحكومة القدس" المتخذة مؤخرًا من طرف الرئيس الفرنسي جاك شيراك، وقد قدم المتظاهرون اليهود رسالة إلى السفير الفرنسي وفيها "وصم للسلوكيات المعادية والاندفاعات غير اللائقة لبلدان ديمقراطية مساندة من طرف البلدان الأوروبية تجاه إسرائيل"، مؤكدين دعمهم للحكومة اليهودية، داعين البلدان الأوروبية إلى عدم إعادة أخطاء الماضي القريب بانحيازهم فقط إلى الجبهة العربية، والجدير بالملاحظة أن بعض وسائل الإعلام بدأت تستعمل كلمة "حكومة القدس" إشارة منها إلى الحكومة اليهودية، ولعل هذا يدخل في إطار تحضير الرأي العام الأوروبي (والعالمي) لتقبل فكرة الوهم "القدس عاصمة إسرائيل" التي يظهر أن الصهيونية تحلم في تحقيقها العام القادم بمناسبة مرور قرن على مؤتمر بال.