العنوان إيطاليا.. قضايا الفساد والفضائح تصل إلى أصحاب «الأيدي النظيفة» في إيطاليا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 24-ديسمبر-1996
مشاهدات 69
نشر في العدد 1231
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 24-ديسمبر-1996
يبدو أن الخطاب الذي وجهه «جوليو أندريوتي» رجل الدولة الإيطالية القوي في الجمهورية الأولى، إلى الطبقة القيادية في إيطاليا، بدأ يتضح يومًا بعد يوم، ويتجلى صدقه وصوابه كلما توالت الأحداث، واتسعت مساحة الذين طالتهم الاستدعاءات القضائية، وغصت المحاكم بالمتهمين، وحفلت بالشهود والمحامين، لقد كان خطابه صريحًا بحيث استعمل تلك العبارات الجامدة- الحية التي يراها الإنسان مخيمة «ومكتوبة» على المقابر الجماعية كلما مرَّ عليها مصبحًا أو ممسيًا: «الذي أنتم عليه الآن، نحن كنا عليه، والذي ستصيرون غدًا إليه، نحن الآن عليه».
وهكذا فإن دوامة التحقيقات والمبادرات القضائية في الأيام الأخيرة، بعدما طالت رئيس الحكومة الحالي «رومانو برودي» بإمكانية تحويله للمحاكمة بتهمة التعسف في استغلال الوظيفة والمحسوبية تعدت لتمس نجم «الأيادي النظيفة» وصاحب الشعبية الكبيرة في إيطاليا «أنتونيو دي بيترو».
وبالفعل فقد تعرض المدعي العام السابق ووزير الأشغال العمومية- في الحكومة الحالية، المستقيل أنتونيو دي بيترو لحملة تفتيشية مباغتة مع بداية الأسبوع الثاني من هذا الشهر، اهتزت لها كل وسائل الإعلام- المكتوبة والمسموعة والمرئية- على اختلاف توجهاتها، وأعادت خلط الأوراق في النظام السياسي الإيطالي، وبينت عدم استقراره إلى حد كبير، وأكدت استمرار الفوضى في السلطة القضائية، وربما أنذرت بحدوث «حرب أهلية» داخلها.
▪ مسار التحقيقات حول دي بيتر و«الرمز»
لقد تزامنت عملية التفتيش التي قام بها حرس الجمارك في بيت «دي بيترو» وأصدقائه مع «الذكرى الثانية» لإعلانه عن نيته للاستقالة من مجموعة «الأيادي النظيفة» وهو اسم يطلق على المدعين العامين الذين فتحوا ملفات الرشاوى، وأثاروا قضايا الاختلاسات، وتم على أيديهم تعرية طبقة سياسية كبيرة ورجال الدولة الأقوياء كـ«أندريوتي» و«كراكسي»، وغيرهم في النظام السياسي الإيطالي، أي في 6 ديسمبر ١٩٩٤م، وذلك قبل أن يقدمها رسميًا للمجلس الأعلى للقضاء في 3 أبريل «نيسان» من عام ١٩٩٥م، حيث تم قبولها نهائيًا في السابع والعشرين من نفس الشهر، بعدما أسندت إليه اللجنة المختصة في الأعمال الإرهابية مهمة مستشار لتنسيق التحريات حول الإرهاب، وبصفة خاصة حول جنايات ما يسمى بقضية «أونوبيانكا»، وقبل أن تقبل استقالته، وبالضبط في السابع من أبريل «نيسان»، سُجِّل اسمه في محكمة مدينة «بريشيا» بعد التصريحات التي أدلى بها أحد الجنرالات «تشرتشيلو»، حيث تم استجوابه في الثاني من يوليو لمدة ١٨ ساعة وفي ٢٠ ديسمبر قُدِم طلب تحويله للمحاكمة، كما تمت تبرئته في ثلاث مناسبات من اتهامات الابتزاز والاختلاس والتعسف الوظيفي، وذلك في الفترة الممتدة من ۲۲ فبراير إلى ۳۰ مارس من هذا العام.
بعدها بقليل، دي بيترو يؤكد من خلال بيان دخوله عالم السياسة، وفي ظرف بضعة أيام وبالضبط في ٢ مايو أن رئيس الحكومة الحالية «رومانو برودي» يقترح عليه -أو يهب له- منصب وزير للأشغال العمومية في حكومة الـ«أوليفو» «الزيتون» اليسارية، في شهر يونيو دي بيترو «الوزير» يفتح تحقيقًا حول ممتلكات الموظفين العموميين، وبعد اتخاذ سياسة جديدة وفعالة ضد الفساد في الإدارات العمومية، بعدها بشهر تجددت الشكوك وانبعثت حملة جديدة ضده، وذلك على إثر نشر قطع من المكالمات الهاتفية من طرف أسبوعية «ليسبريسو» المسجلة على المصرفي المتقاعد «فرانتشيسكو باتشيني بطاليا» والمتهم بجناية محاولة حياكة لوبي اقتصادي مصلحي جديد داخل النظام السياسي الإيطالي، والتي جاء فيها ذكر اسم دي بيترو، وصديقه المحامي «لوتشيبيلو»، في جملة تومئ إلى أن «بطاليا» دفع أموالًا مقابل «نجاته» من عاصفة الرشاوى التي أثارتها «الأيادي النظيفة»، لأجل ذلك- وفي ١٣ من الشهر المنصرم- تم تسجيل اسم دي بيترو في سجل «المحقق عليهم» في نيابة مدينة «بريشيا» لاحتمال تورطه في التعسف في استغلال الوظيفة، وعدم جدية التحريات التي قام بها حول نشاطات «بطاليا»، مما دفع دي بيترو، في اليوم التالي أي في ١٤ نوفمبر، إلى إرسال طلب الاستقالة -من منصب وزير الأشغال العمومية- إلى رئيس الحكومة برودي عن طريق الفاكس، ومن ذلك اليوم وهو مختف عن أنظار الكاميرات واستجوابات الصحفيين، معتمدًا -فقط- على الرسائل الفاكسية في توضيح الملابسات الطارئة والرد عن بعض التساؤلات المطروحة من حين لآخر.
▪ «دي بيترو»: سأفك المؤامرة!
وفي إطار التحقيق الجاري حول دي بيترو «وعلاقته ببطاليا»، وفي عملية لم يسبق لها مثيل في تاريخ التحقيقات القضائية بإيطاليا، قام رجال حرس الجمارك بحملة تفتيشية واسعة النطاق، امتدت من مدينة ميلانو إلى العاصمة روما، وطالت حوالي ٨٦ محلًا، وذلك بمشاركة ٢٥٦ موظفًا من الحرس الجمركي، بحيث انطلقت فجرًا من بيت دي بيترو ومكتبه الدراسي، وانتهت بمنزل صديقه المحامي لوتشيبيلو، وتجاوزتهما وقت الشروق لتشمل شركات ومنازل مقاولين كبار، ودار أحد ضباط الصف المساعدين- القدماء- لدى بيترو، وعلى كل حال فإن المحور الرئيسي للعملية، تلك العلاقات الاقتصادية والعمل بين المصرفي «بطاليا»، وأصدقاء دي بيترو منهم المقاول «دافيغو» والمحامي «لوتشيبيلو».
بقيت الإشارة إلى أنه تم- في عملية التفتيش تلك- شحن عربة كاملة بكل الوثائق القضائية وجميع نسخ المرافعات «حوالي ۱۷۰» التي قام بها دي بيترو في السنوات الأخيرة، بالإضافة إلى جهاز كمبيوتره الخاص، وحتى وثائق كان يعدها للدفاع عن نفسه، ورغم أن رد فعل دي بيترو كان واضحًا وشديدًا، حيث صرح -عقب العملية- أنها: «كذبة.. ونكتة»، وأنه سيفك «المؤامرة» التي تحاك ضده، فإن الشيء المؤكد أن تلك العربة المملوءة تحمل مئات الصفحات الفصل- واحد فقط- من قصة غامضة ذات البدايات المتعددة، وربما التقاطعات المتشابكة، والحاشيات الشائكة، إنها قصة إعادة تشكل النظام السياسي الإيطالي بعد سقوط جدار برلين.