; الإيدز.. سلاح الصهاينة الفتاك بعد المخدرات | مجلة المجتمع

العنوان الإيدز.. سلاح الصهاينة الفتاك بعد المخدرات

الكاتب أشرف سـلامة

تاريخ النشر الثلاثاء 20-مارس-1990

مشاهدات 76

نشر في العدد 959

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 20-مارس-1990

  • حوالي 4500 قضية مخدرات بمصر شارك فيها إسرائيليون في فترة ثماني سنوات.
  • مروجو المخدرات وناشرو الإيدز دخلوا مصر كسائحين.
  • ظهور الجرائم الغربية في المجتمع المصري من أسبابه انتشار المخدرات.
  • المخابرات الإسرائيلية جندت تشارلز لنشر الإيدز وإعادته ثانية إلى مصر.

تفجُّر قضية السائح الأمريكي الناشر لمرض الإيدز في القاهرة، إثر ضبط مجموعة من الأطفال العراة تمامًا في شقته بالدقي كان يمارس معهم الجنس، وتسرب بعض المعلومات من خلال التحقيق معه عن اتصاله بالموساد والسفارة الأمريكية التي كانت تمده بالأموال، يذكرنا بالكشف عن العديد من عمليات إدخال المخدرات وترويجها في مصر والبلاد العربية عمومًا في السنوات الأخيرة، والتي تعالت على إثرها الأصوات محذرة من مخطط إسرائيلي لإغراق مصر بالذات بالمخدرات للقضاء على زهرة شبابها، ومن ثم النيل منها اقتصاديًّا واجتماعيًّا ودينيًّا. فهل تعني هذه القضية الجديدة أن أعداء الأمة العربية قد وجدوا سلاحًا آخر فتاكًا متمثلًا في وباء الإيدز الخبيث لمحاربة مصر والأمة العربية جمعاء، وتركيعها من أجل بلوغ مآربهم المكشوفة؟


إغراق مصر بالمخدرات

لقد أصبح معروفًا أن إسرائيل والصهيونية العالمية نشطت في السنوات التي أعقبت اتفاقيتي كامب ديفيد في تهريب المخدرات وترويجها داخل مصر، مستغلةً عملية التطبيع للعلاقات والقنوات المفتوحة بين فلسطين المحتلة ومصر عبر سيناء.

والوقائع المسجلة لدى الجهات الأمنية في مصر تؤكد وقوع أكثر من 4500 قضية مخدرات شارك فيها إسرائيليون في فترة 8 سنوات فقط. وتؤكد تقارير وزارة الداخلية المصرية أنه تم خلال هذه الفترة ضبط خمسة أطنان ونصف الطن من الحشيش، و30 كيلوغرامًا من الأفيون، و5 كيلوغرامات من الهيروين، وكل هذه الكميات من المخدرات ضُبطت لدى إسرائيليين أشهرهم المهرب يوسف بن طحان وأبراهام شاهير، اللذان ضُبطا وبحوزة الأول كيلوغرامان من الهيروين، وبحوزة الثاني 35 كيلوغرامًا من الهيروين كذلك أثناء رحلات سياحية. والمثير للغرابة أن بعض هؤلاء الإسرائيليين المروجين للمخدرات تدخل لصالحهم السفير الإسرائيلي بالقاهرة سابقًا "موشي ساسون"، وحال ليس دون محاكمتهم بل دون ترحيلهم من مصر، كما هو الشأن بالنسبة لأبراهام شامير مدير المركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة. وقد شهدت شبه جزيرة سيناء أهم عمليات الكشف عن شبكات ترويج المخدرات التي يديرها إسرائيليون ويشترك فيها أفراد من بدو سيناء، وقد ضبطت الإدارة العامة لمكافحة المخدرات المصرية مخازن للمخدرات بمغارات بجبل عتاقة كانت ستأخذ طريقها إلى مدن مصر لتوزع على شبابها وأطفالها أمام الجامعات والمدارس. وقد جاء في دراسة خطيرة أعدها المركز القومي للبحوث الجنائية أن قضية المخدرات أصبحت تمثل خطرًا جديًّا على الشباب المصري بعد أن تزايد عدد المتعاطين لهذه السموم وهبط سن الإدمان إلى 12 سنة. ومما ذُكر في هذه الدراسة أن نسبة المتعاطين من الطلاب في المدارس الثانوية والجامعات تتراوح بين 11% و16%، أما بخصوص تناول الكحول فالنسب أعلى بكثير.

ولا يخفى على أحد الآثار المأساوية المترتبة على انتشار المخدرات في أي مجتمع من المجتمعات. وهذا الذي جعل منها سلاحًا فتاكًا يلجأ إليه الأعداء لشن حرب صامتة علينا. ذلك أن المخدرات بأصنافها الجديدة والمركزة بالخصوص لا تمثل خطرًا على صحة الشباب الجسمية والعقلية وشلًّا لقدراته، وإهدارًا لطاقاته فحسب، بل لها آثار أخرى أشد فتكًا اجتماعيًّا واقتصاديًّا. فمن الناحية الاجتماعية لوحظ مثلًا ظهور جرائم غريبة في المجتمع المصري كانت نادرة الحدوث من قبل، مثل قتل الأبوين والأقارب والأزواج، والاتجار بالأعراض من أجل بضع جنيهات لشراء المواد المخدرة. كما لوحظ تزايد عدد حوادث السيارات على الطرق السريعة نتيجة الغثيان وانعدام الإحساس بالسرعة والوقت، وهذا الأمر نابع أحيانًا عن تلف خلايا المخ الذي يسببه الإدمان على المخدرات. ولوحظ أيضًا انزلاق بعض الفئات الاجتماعية والمهنية كالأطباء والصيادلة ورجال الأعمال والمهندسين إلى الطرق الموحلة بالمخدرات، ودخولهم مجال تهريبها والاتجار فيها بقصد الكسب والإثراء السريعين.

لقد وقع التفطن إلى الخطر الداهم عبر المخدرات وإلى المخططات المشبوهة لإغراق مصر بالمخدرات، مما جعل المصريين يثيرون هذه القضية على أعلى المستويات، وجعل السلطات الأمنية والسياسية في سباق لا يهدأ لمحاصرة هذه الآفة وتضييق الخناق على مروجيها، ولكن هل يمكن القضاء على الداء وأصل البلية لا يزال قائمًا وهو الانفتاح على الصهاينة؟


كلهم سياح

السياحة هي القناة العلنية - السرية التي وصلت عبرها أطنان المخدرات إلى مصر، ووصل عبرها الإيدز الممثل في تشارلز وغيره من المُؤَيْدَزِين الأجانب. وقد وقع توسيع قناة السياحة بعد اتفاقيتي كامب ديفيد لتسمح لملايين الإسرائيليين والمتعاطفين معهم من أوروبيين وأمريكيين بالدخول إلى مصر. وقد جاء في دراسة لصحيفة إسرائيلية قام بها باحثان من جامعة حيفا أن نحو مليوني إسرائيلي دخلوا مصر فيما بين 1980 و1988، أي أكثر من نصف الإسرائيليين. وفي تقرير صحفي آخر جاء أن 85% من السائحين الإسرائيليين الذين زاروا مصر دخلوها عبر صحراء سيناء. وإذا كان هذا الكم الكبير من السائحين الإسرائيليين قد دخل وما زال يدخل مصر فكيف لا تتسرب معه سموم المخدرات وعناصر الموساد التي تخطط في الظلام لإضعاف مصر والأمة العربية بكل الوسائل؟ وأنى لأجهزة الأمن أن تكشف كل كميات المخدرات المهربة وكل شبكات التهريب التي يشترك فيها مصريون وإسرائيليون وأجانب من دول أخرى؟ إن السموم البيضاء دخلت مصر وكثيرًا من الدول العربية عبر بوابة السياحة أو التجارة الدولية، ولكن باب السياحة وحده هو الذي يمكن أن يتسرب إلينا منه الإيدز، وهو فعلًا ما دلت عليه حادثة الأمريكي تشارلز وعشيقته الإنجليزية -ذات الأصل اليهودي على الغالب- سارة. إن الأرقام الرسمية في عدد إصابات الإيدز في العديد من الدول العربية لا تظهر أن مصر أسوأ حالًا من دول أخرى ذات طابع سياحي، ولكن واقعة تشارلز إن دلت على شيء فإنما تدل على توجيه الحركة الصهيونية لسلاح الإيدز نحو مصر واستهدافها بالدرجة الأولى لشل حركتها وإضعافها باعتبارها أكبر دولة عربية.


تشارلز والموساد

قضية السفاح الأمريكي تشارلز الناشر للإيدز ليست القضية الأولى التي تُميط اللثام عن أن إسرائيل بدأت حربًا صامتة على مصر بأفتك الأسلحة الوبائية. فقد كتبت صحف المعارضة المصرية في السنوات الأخيرة عن عدة قضايا وقع فيها ضبط عاهرات ذوات علاقات مشبوهة بعناصر الموساد الإسرائيلي دخلن مصر لإيقاع بعض الشباب المصري في المصيدة، ولكن واقعة تشارلز الأخيرة جعلت الذعر يدب بين المصريين بسبب المدة الطويلة التي قضاها في مصر وهو يمارس شذوذه وينشر وباءه، وبسبب العدد الكبير من الأطفال المشردين الذين أغراهم "بكرم" خدماته ما بين 150-200 طفل ليجعل منهم نقلة متجولين لمرض الإيدز الخبيث. إذ من المعروف أن هؤلاء الأطفال سيعمدون غالبًا فيما بعد إلى التبرع بدمائهم للحصول على مقابل مادي، والمعروف أيضًا أنه كثيرًا ما تنشأ بينهم علاقات شذوذ جنسي. وإذا كانت القضايا السابقة لم تحدث ضجة مثل الضجة التي أحدثتها قضية تشارلز، فذلك أن قضية هذا الأخير كشفت خيوطها التي نسجتها عناصر الموساد. فهذا الأمريكي دخل مصر عام 1984 كسائح ثم انتقل إلى فلسطين المحتلة بعد لقائه مع سائح إسرائيلي يعتقد أنه عميل للموساد، ثم عاد إلى مصر ثانية عبر قطاع غزة ورفح بعد أن وقع تجنيده في نطاق حرب الإيدز على مصر، وحيث أقنعه قادة الموساد بالتعاون معهم لأنه لو عاد إلى بلاده فلن يجد سوى الازدراء والمهانة.

إن هذه الفضيحة لم يكن بالإمكان لملمتها والتغطية عليها، وقد كان لها ردود فعل غاضبة وعنيفة، دلل عليها رفض المستشفيات المصرية قبول الأطفال "المؤيدزين" المقبوض عليهم، ودللت عليها المساحات الكبيرة التي حازتْها على صفحات جرائد المعارضة المصرية التي حرصت على نقل تفاصيل هذه القضية بالخبر والصورة، وأوردت أقوال الأطفال المضبوطين في شقة تشارلز والتي تدينه وتثبت علاقاته بالموساد. لقد قال الطفل حسين منسي مثلًا -كما جاء في صحيفة "الشعب" المصرية-: "إن (سارة) كانت تأتي إليه كل شهر وتعطيه مبلغًا كبيرًا من الدولارات، ثم تطلب منه أن يوقع على إيصال استلام من السفارة". ويسأل الطفل: "أي سفارة يا منسي؟" فيجيب: "ما عرفش".

ترحيل تشارلز ولكن...

لقد تم ترحيل تشارلز من مصر، الذي كان يُفترض أن يُحاكم بتهم كثيرة منها الشروع في القتل باعتبار تعمد إصابة الأطفال الذين مارس معهم شذوذه بمرض الإيدز القاتل والذي لا علاج له حتى الآن. ويتساءل المصريون عن سبب هذا الترحيل وعدم محاسبة تشارلز على جرائمه الشنعاء، ولا يقبل بعضهم بالتبرير القائل أنه وقع التخلص من مصدر للعدوى وكفى.

إن افتضاح ما قام به تشارلز -الإيدز في مصر- يُبرز للعيان حقيقة لا مراء فيها، وهي أن الأعداء يلجأون إلى أقذر الوسائل لمحاربتنا، ولا يتورعون عن نشر الموت البطيء بين الأبرياء من الأطفال والسذج، وأنهم يكيدون لمصر وللعرب جميعًا بكل وسائل الكيد قديمها وجديدها، وأنهم وجدوا في الإيدز سلاحًا آخر فتاكًا بعد سلاح المخدرات. يُوجهونه في صمت إلى شبابنا. فهل يكفينا أن نكشف من حين لآخر عن حالة من الحالات لنقوم بإبعادها، أم أن الواجب يقتضي التصدي لصلب القضية ومواجهة الداء من أساسه؟

 

الرابط المختصر :