آسية امرأة فرعون.. ورسالة لكل امرأة
خلَّد القرآن
ذكر آسية امرأة فرعون عليها السلام، وجعل قصتها نورًا يتجدد في كل زمان، فهي تحمل
في طياتها إجابات لتساؤلات وتخطٍّ لتحديات تواجهه المرأة في رحلتها الحياتية،
وتعلن أنه مهما عظم الطغيان واشتدت وطأة الظلم؛ فإنها بوسعها أن تخرج بقوة الإيمان
من أسر القيود إلى رحابة الحرية، لقد حولت آسية قصر الطاغية لسلمٍ يعرج بروحها إلى
السماء، وباعت حياة الترف والبهرجة الزائلة رغبة في الجنة، حتى ضرب رب العالمين
بها المثل في الإيمان، قال الله عز وجل: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ
إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن
فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (التحريم: 11)،
وتلك دروس من سيرتها.
الحكمة وفن الإقناع
تُظهر الآية
السابقة عن آسية مستوىً رفيعًا من الحكمة العملية وفن التأثير، فقد استخدمت خطابًا
يحقق عدة أهداف دفعة واحدة، فاستثمرت عاطفة الأمومة، وربطت مصلحة الطفل بمصلحة
فرعون الشخصية؛ (قُرَّتُ
عَيْنٍ لِّي وَلَكَ) (القصص: 9)، وقدمته كهدية قد تجلب المنفعة المستقبلية،
كل ذلك بأسلوب هادئ مقنع، نجح في ثني فرعون عن قتله.
وهنا تبرز
الحكمة النسائية بوصفها قوة بناءة، لا مجرد رد فعل، فعلى كل امرأة أن تستثمر ما
رزقها الله من فطنة وحكمة في تدبير شؤون أسرتها، وأن تجعل الحوار أسلوبها،
والإقناع طريقها، لتحقيق التوازن في البيت وتوجيه القرارات نحو ما فيه المصلحة،
فالحكمة الحقيقية تكمن في تحويل التحديات إلى فرص، واستخدام نعمة العقل والكلام في
بناء حياة مستقرة ومتوازنة.
لا تبعية في العقيدة
تتجلى في قصة
آسية أصالة المرأة في عقيدتها واستقلالها الفكري، فهي ليست تابعة ولا مقلدة لأحد،
حتى ولو كان زوجها، ولا عذر لها في الانحراف العقدي مهما بلغ جبروت وليّها
وطغيانه، فليس هناك طاغية أعظم من فرعون الذي ادعى الألوهية، ومع ذلك؛ عصت زوجتُه
سلطانَه، واختارت بيقين الإيمان الراسخ عبادة الله الواحد، وهذا مما أوجبه الله
على عباده، أن يتبرؤوا من الشرك مهما استقر في بيئاتهم.
وإن كان هذا
الأمر صعبًا ويمثل اختبارًا وبلاءً عظيماً عند الرجال كما كان في قصة إبراهيم عليه
السلام الذي قال: (وَأَعْتَزِلُكُمْ
وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ
بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا) (مريم: 48)، فهو أصعب في حق المرأة الأسيرة عند
زوجها، وقد تخطَّت ذلك آسية، فلم تغلبها المشاعر وتستزلها العاطفة، بل ثبتت على
الإيمان ودعاء الله أن تنجو من الشرك وأهله الظلمة وعلى رأسهم زوجها إلى أن لقيت
ربها عز وجل.
الزهد في زخرف الدنيا
ملكة تعيش في
قصر عظيم، وكل شيءٍ طوع بنانها، ولها من الخدم والرفاهيات ما لا يُعدّ، أيسهل
عليها تركُ كل هذا؟ لقد هانت تلك الحياة الملكية الفاخرة على آسية، فاشترت بحياة
الدنيا الزائلة حياة الآخرة الخالدة، لقد نظرت إلى المتاع العابر بعين البصيرة،
فلم يغرّها بريقه ولم تخدعْها زخارفه، وهنا تكمن المفارقة العميقة.
فبينما تركت
آسية القصر والزينة من أجل الآخرة، نجد اليوم من يتركن الآخرة من أجل الزينة
والتبرج، حيث تنتشر في زماننا دعاوى تخفي وراءها غياب مركزية الآخرة في النفوس؛
فهي تدعو المرأة إلى أن تستمتع بجمالها عبر إبداء زينتها والتبرج لغير محارمها،
وتتزين تلك الدعاوى بحجة أن تلك هي جبلة المرأة، وهذا الفخّ هو عينُ الغفلة عن
حقيقة الدنيا ومآلها.
فقد قال الله
تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا
الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ
وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ
الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا
ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ
وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (الحديد: 20)،
فحين ترسخ الآخرة في القلب، تستفيق النفسُ من سكرة الغرور، ولا تعود تغترّ بمتاع
الحياة الدنيا الفاني، فالاختيار الحقيقي ليس بين زينة وزينة، بل بين فناءٍ وبقاء،
بين خديعة وحقيقة راسخة لا تتبدل.
الصبر زاد المرأة
إن الصبر في
حياة المرأة المؤمنة ليس مجرد انتظار إلى أجل، بل هو زاد معركتها مع فتن الحياة
وابتلائها، ومناط الثبات فيها، وهذا ما تجلَّى في قصة آسية، فلم يكن صبرها مجرد
تحمل للألم، بل كان اختياراً واعياً وثباتاً على الحق وسط بحر من الباطل.
لقد تعددت مظاهر
ذلك الصبر، فصبر على عذاب زوجها الطاغية لها، وصبر على فراق النعيم، وصبر على وحدة
الطريق في مواجهة سيل الجبروت، وصبر على تكاليف الإيمان، ورغم كل ذلك لم تتراجع،
وصبرت حتى رأت عاقبة صبرها بيتًا في الجنة.
والصبر يجازي به
الله أعظم جزاء قال تعالى: (إِنَّمَا
يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر: 10)، فالصبر
هو الذي يمنح المرأة قوة الاختيار في أقسى الظروف، وهو الذي يحول المحنة إلى منحة،
والضعف إلى منعة، وكما صبرت آسية على فراق القصور الفانية لتنال جنات الخلد،
فلتتسلح المرأة المؤمنة في كل زمان ومكان بهذا الزاد الإلهي، فبه تنتصر على ضعفها،
وتتفادى زلات هواها، وتتغلب على مخاوفها.
حسن الظن بالله
إن حسن الظن
بالله والاستعانة به والالتجاء إليه من أعظم العبادات، فحينما استبشرت آسية بموسى
عليه السلام حين رأته في تابوت يسيح في البحر وقالت: (عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا)
(القصص: 9)، رزقها الله عز وجل منفعة خالدة، فجعل من ذلك الطفل الذي آوته
سبباً لهدايتها ونجاتها، ومنحها شرف الإيمان والاستشهاد في سبيله، فحسن الظن بالله
هو القوة الخفية التي تحول القلق إلى طمأنينة، وتجعل المرأة في أشد لحظات العسر
تنتظر الفرج من حيث لا تحتسب.
إن آسية عليها
السلام منارة تضيء طريق الحق لكل امرأة، تريها أن عزها وقوتها في عبوديتها لله،
وفي استغلال ما وهبها الله به من عقل وقلب للوصول إلى جنة الآخرة، وأن العبرة ليست
في حياة الإنسان بما يملك، ولا بالمكانة التي يعيش فيها، بل بالاختيار الذي يتخذه
حين تتعارض الدنيا مع الحق.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً