بدائع البيان في آيات العفاف وبناء الإنسان (2 - 2)

آيات الزواج.. من شوق الإحصان إلى لباس المودة

لوحة تعبيرية بجوار عنوان الموضوع واسم الكاتب لزوجين تنتشر حولهما الزهور

وقفنا في الحلقة الأولى من هذه السلسلة التي تستقرئ آيات الزواج في القرآن عند صورة الزواج سكنًا يجمع الزوجين في مودة ورحمة. وفي هذه الحلقة نتابع الطريق إلى ذلك السكن من خلال الإحصان: كيف يدعو القرآن المجتمع إلى تيسير الزواج، ويواجه الخوف من الفقر بوعد فضل الله، ثم يصوّر ما يجده الزوجان من ستر وما تنشأ عنه الأسرة من بنين وحفدة؟

نتأمل هذه المعاني في ألفاظ آيات الزواج وتراكيبها، لنرى كيف يرتبط بناء البيت بصيانة الإنسان وامتداد الألفة بين الأجيال.

طُوفَانُ الشَّوْقِ الخَافِقِ

يسيل الدمع حارا على وجنات الشباب الذين طال بهم المقام في مفاوز العزلة الموحشة، ونحن ننظر بعين الأسى إلى من ترك زهرة العمر تتناثر في هباء التبتل المذموم والخواء العميق، بينما داعي الشرع المتين يهتف بالقلوب لتقبل على طاعة الودود، وتستظل بظلال العفة الوارفة، فإن النفس الإنسانية متى تراكمت عليها أوجاع الفراغ فإنها تغدو تائهة في الظلمات حتى إذا بزغت أنوار الزواج انجلت حالكة الهموم، وعادت الروح إلى نصابها المستقر.

فيا أيها الفتى الحائر لا تركن إلى حيرتك، وبادر إلى الملاذ الآمن، امتثالا لقوله تعالى: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ) (النُّور: 32)، فتأمل هذا الأمر الإلهي الصريح المبني للمعلوم؛ ليوقظ الأمة، ويحثها على إعانة الرجال والنساء على بناء الحصون الزوجية.

ومن بدائع النحو أن توجيه الخطاب بالجمع إلى الأولياء والمجتمع يدل على التكافل الشامل في تحقيق الحصانة وإزالة عقبات المهور والتعجيز، وإن سياق الكلام لينتظم في عقد نضيد يبعث في النفوس العزيمة، ويطرد عنها هاجس الخوف من الإملاق.

فاللهم يسر لكل عزب طريق الوصال!

سَرَابُ الحَيَاةِ الجَافَّةِ

يتحدَّر الدمع على خدود الأيامى ممن طال بهم السهاد في ليالي التبتل البائس والوحدة القاتلة، بينما تتردد في الآفاق صرخة الرحمة الإلهية لتنقذ القلوب من سراب الحياة الجافة التي لا تسمع فيها إلا نحيب الأحزان، وإن الإعراض عن الزواج لهو العابر بالإنسان إلى مفاوز القحط النفسي والشقاء المبين، وما الحياة بلا زوج ولا دار آمنة إلا "أرض خرَابٌ يبَابٌ". فالمُعرِضُ عن الزواج أرضٌ جرُزٌ، تتخاطفه رياح اليأس حتى تتفتت العزائم، وتنطفئ ذكاء الروح، فيا أيها الباحث عن السلام خل عنك تردُّدَك، وعجل بالمسير نحو منار الإحصان القويم؛ امتثالاً قوله تعالى: (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) (المَائِدَة: 5)، فتأمل هذا النصب على الحال في (مُحْصِنِينَ)؛ ليفيد التأكيد على الديمومة والتأصل في طهارة النفس وصيانة الفرج عن الدنس،

ومن بدائع النحو أن الحال جاء ليصور الهيئة العليا للمؤمن، وهو يدَّرع بدرع النكاح الشرعي؛ مما يقطع دابر الشهوات المحرمة، ويجعل الحياة الزوجية غاية نبيلة تزهر بالخيرات، وإن سياق الآية الكريمة ليأخذ بالقلوب العزباء ليضعها على جادة الاستقامة والطمأنينة الدائمة، فاللهم ارزق كل وحيد زوجة صالحة تؤنس وحشته، وتكشف كربته.

مَوانِئُ الأَمَانِ الدَّافِئَةُ

تتهادى الدموع الحرى على الخدود حين يرى المرء نفسه طريد العزلة الغريبة بين أمواج الفراغ المهلك وظلمات البيت الخالي الذي لا يؤنس وحشته صوت، ولا يشفي غليله حنان، وإن الإسلام العظيم ليأبى للنفوس المؤمنة أن تبقى عرضة لرياح اليأس؛ فيدعوها إلى سكنى الموانئ الآمنة؛ حيث ترسو ثمار المودة على بر الرحمة، وما أشدَّ حسرة الشباب اليوم! وهم يحسبون أن الفقر يمنعهم عن التزوج غافلين عن سعة فضل البارئ ووعده الحق، حتى إذا أقبل الفتى بنية العفاف وجد الفضل إليه مُفتَتَحًا؛ فانقلب عسره يسرا، وضنكه فيضا، وضيقه سعة تملأ الدار بركة وحبورا.

فيا أيها العزب المحروم من الدفء اقصد هداية الرحمن، ولا تركن إلى التردد، امتثالا لقوله تعالى: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) (النُّور: 32)، فتأمل مكونات هذا الشرط الجازم والجزاء الوعد في أداة الجر (من) للتبعيض والتأكيد على إغناء العزيز لمن تزوج طلبا للعفاف.

ومن بدائع النحو أن جزاء الشرط جاء فعلا مضارعا (يُغْنِهِمُ) معبرا عن التجدد المستمر للرزق والسعة بعد العسر المادي والنفسي، وإن سياق الآية الكريمة ليغسل أوجاع الخواء، ويبعث في الروح أملا عريضا يدفعها إلى بناء الأسرة بثقة ويقين دافق.

فاللهم أغن كل فقير طالب للعفاف من فضلك الواسع يا كريم!

حِصْنُ العَفَافِ الوَاقِي

تتهادى العبرات الساخنات على وجنات الشباب الذين طال بهم السهاد في غربة الروح ووحشة الفراغ الممقوت، ونحن ننظر بأسى بالغ إلى من ترك زهرة الشباب تتناثر في مفاوز الكبت البائس غافلين عن سكن الأرواح وراحة الأبدان، وإن الشرع الحنيف ليرفع راية الحصانة العليا؛ ليحميَ القلوب من تيارات الضياع الجارفة.

فما أجمل الحياة حين تنتظم في عقد الطهارة بعد أن كانت نفسا تذروها الرياح، حتى إذا أقبلت على حصن النكاح اطمأنت، وقرَّت.

فيا أيها الفتى المتردد دونك السبيل، وبادر إلى التحصن قبل فوات الأوان، امتثالا لقوله تعالى: (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) (البَقَرَة: 187)، فتأمل هذا التشبيه البليغ في استعارة اللباس؛ ليدل على التلاحم التام، وتمام الستر الذي يدفع كل أذى عن الزوجين.

إن سياق الكلام ليتناغم مع فطرة الإنسان؛ ليغسل أوجاع الخواء، ويهديَه إلى بر الأمان، فاللهم احفظ شباب المسلمين بحصن العفاف واجعلهم في أمانك التام يا رحمن.

رَفْرَفُ الاسْتِغْنَاءِ العَظِيمِ

يتفجع العاقل حين يرى هذا الشباب الضائع في مفاوز الحرمان وأوجاع التبتل المتورم، ويتوجع لحال من قطعوا عمرهم في العزلة، ظنا أن في البُعد سلامة وما هو إلا الهلاك المبين، وإن شريعة الحق لَتنادي القلوب لِتخرج من ضيق الفراغ إلى سعة الرزق والاستغناء العظيم بالزواج، فما أحوج النفس الكسيرة إلى أن ترتوي من مناهل الألفة بعد أن كانت تتجرع مرارة الأسى، وتحسب أن الرزق ضيق لا يسع اثنين.

فيا أيها الفتى المتردد "أتراك ما علمتَ أن الأمر بعواقبه؟ فراقب العواقب تسلمْ، ولا تمِلْ مع هوى الحس؛ فتندم"(1)، أقبل، ولا تخشَ إملاقا، ولا تخَفْ من ذي العرش إقلالا.

الْحَفَدَةُ زِيَادَةُ مَسَرَّةِ الْعَائِلَةِ

 في قول الله تعالى: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً) (النَّحْلُ: 72) نُلْفِي أن الوصف بالزوج يؤذن بملازمته لآخر؛ فلذا سمّي بالزوج قرينُ المرأة وقرينةُ الرجل. وهذه نعمة اختصّ بها الإنسان؛ إذ ألهمه الله جعل قرين له، وجبله على نظام محبّة وغَيرة لا يسمَحان له بإهمال زوجه، كما تُهمل العجماوات إناثَها، وتنصرف إناثُها عن ذكورها"(2). وكذلك "هو استدلال ببديع الصنع في خلق النسل؛ إذ جعل مقارنا للتأنّس بين الزوجين؛ إذ جعل النسل منهما، ولم يجعله مفارقا لأحد الأبوين أو كليهما، وجعل النسل معروفا متصلا بأصوله بما ألهمه الإنسان من داعية حفظ النسب"(3).

وأما الحفدة فجمع حافد، والحافد أصله المسرع في الخدمة، وأطلق على ابن الابن؛ لأنه يكثر أن يخدم جدّه لضعف الجدّ بسبب الكبر، فأنعم الله على الإنسان بحفظ سلسلة نسبه؛ بسبب ضبط الحلقة الأولى منها، وهي كون أبنائه من زوجه، ثم كون أبناء أبنائه من أزواجهم، فانضبطت سلسلة الأنساب بهذا النظام المحكم البديع. وغير الإنسان من الحيوان لا يشعر بحفدته أصلا، ولا يَشعر بالبنوّة إلا أنثى الحيوان مدةً قليلة قريبَةً من الإرضاع. والحفدة للإنسان زيادة في مسرّة العائلة"(4).

وتأمل هذا العطف البليغ بواو المعية والتكوين؛ ليؤكد أن العطاء الإلهي متصل لا ينقطع بين الزوجية والنسل المبارك.

ومن بدائع النحو أن تقديم الجار والمجرور (مِنْ أَنْفُسِكُمْ) يفيد الاختصاص والإيناس السريع بقرب الجنس، وطهارة المبدأ، وإن سياق الكلام لَيزيل تماما هواجس الفقر، ويغسل القلوب بماء اليقين؛ لتنطلق نحو عمارة الأرض بالعفاف.

فاللهم أغن كل عزب بفضلك، واصرف عنه ألم الوحدة يا رحيم.

لِبَاسُ الرَّحْمَةِ السَّاتِرُ

يتصاعد الحزن النبيل في صدور المريدين حين يرون زهرة الشباب تذوي على صخرة العزلة القاتلة والبعد عن مناهل الحصانة، ونحن نرمق بمقلة دامعة من كابدوا لياليَ التبتل البائس؛ ظنا أن في التجرد خيرا، وما هو إلا شقاء محيط. وإن شريعة الحق تهز الأركان؛ لتخرج النفوس من ضيق الوحدة إلى فضاء السكن الوافر، فكم من قلب كسير كان يتحرق شوقا إلى الوصال، حتى إذا ظفر بالزوج الصالح انجلت حياته، واضمحل عسره، فيا أيها العزب المغموم دونك السبيل لتأمن من فوات العمر، امتثالا لقوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) (المَائِدَة: 5)، فتأمل هذا الوصف البليغ بصيغة الإحصان؛ ليؤكد أن العفاف هو الترياق الشافي لكل داء نفسي وروحي وجسدي.

ومن بدائع النحو أن عطف (الْمُحْصَنَات) على بعضهن بالواو المفيدة للمجموع يدل على تعدد منافذ الحصانة لمن أراد الستر، فالمحصنات حصون للنفوس ومنعة للرغائب، وإن سياق الآية الكريمة لَيغسل أوجاع الخواء، ويهدي الفتى إلى بر الأمان الدائم، فاللهم ارزق كل وحيد زوجة تُصان بها حياتُه يا رحمن.

شَمْسُ الهِدَايَةِ المُشْرِقَةُ

نتابع بأسى يقطع النياط من تركوا حياتهم تبيد دون أن يستظلوا بظلال الألفة الحانية، ونرى تناثر العبرات على خدود المشدوهين بين تيه الغربة الطويلة وقسوة الفراغ الذي يعصف بروح الشباب في ليالي التبتل العقيم، بينما شمس الهداية تشرق من أفق الوحي؛ لتدعو القلوب إلى طاعة الودود والخروج من عتمة الضياع، فكم من فتى كان (يتردد بين اليأس) والحيرة حتى إذا أقبل على باب النكاح انشرحت بصيرته، وتحولت حياته إلى روضة غناء، فيا أيها العزب الغريب لا تستوحش الطريق، وبادر إلى النور، امتثالا قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (البَقَرَة: 221)، فتأمل في سياق آيات النكاح هذه الدعوةَ الإلهية العامة إلى سُبل السلام والجنة التي تبتدئ بعمارة الأرض بالعفاف.

ومن بدائع النحو أن إسناد الفعل المضارع (يَدْعُو) إلى الله – جل وعلا يفيد الاستمرار التجددي في هداية العبيد، وأخذ أيديهم نحو الرشاد، وإن سياق الآية الكريمة كذلك لَيغسل دموع الحائرين، ويهديهم إلى أقوم طريق ينقذهم من الوحدة، فاللهم أوصل كل عزب إلى سعادة الدارين.

بَشَائِرُ القَبُولِ وَالنَّجَاةِ في آيات الزواج

ينجلي الستر عن مسرح الأيام، ونحن نرى الحسرة تنسج خيوطها العميقة على صدور فئات من الشباب الذين ارتضوا لأنفسهم العزلة ديدنا والوحدة مسكنا، حتى كادت جذوة الحياة أن تخمد في أجوافهم، لولا نفحات الرحمة الحانية التي نبثها من محراب البيان، وإنها لصرخة مدوية تفجر البكاء، وتستنهض الهمم البائسة؛ لتَخرج من فورِك هذا من سجن التبتل العقيم، وتُقبل بعزيمة جارفة نحو ميثاق العفاف المقدس، فما عسى الفتى أن يرتجي إذا ترك زهرة عمره تنطفئ في ظلمات الفراغ، بينما داعي الهداية يهتف به أن هلمَّ إلى سكن النفس وبركة الذرية، فكم من قلب كان يتجرع مرارة الأسى حتى تبدد عنه غمام اليأس، فإذا هو يتنعم في روض أنف من الألفة، فيا أيها الشاب الغريب في دنيا الحرمان دونك السبيل.

ولا تكن ممن ضيع عمره هباء، امتثالا لقوله: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ) (النَّحْل: 72)، فتأمل هذا التوبيخ الإلهي الحادَّ لمن أعرض عن نعمة الزواج والعفاف.

ومن بدائع النحو أن الاستفهام التوبيخي في (أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ) يحرك السواكن، ويقطع دابر التردد، وإن سياق الخاتمة لَيغسل قلوب العزاب بماء العزيمة؛ لينطلقوا سراعا نحو بناء البيوت المطمئنة، فاللهم اجعل هذا الأثر بلسما ونورا، وسد خَلة كل عزب وفراغه، وخصاصة كل محتاج ونقصه بمنِّك بكرمك يا أرحم الراحمين!

إلهي؛ نسألك بجلال اسمك أن تُبكِّر خطا الشباب إلى أبواب التعفف قبل فوات الأوان، واجعل الميثاق الغليظ سياجا روحيا يحمي القلوب الواجفة من الشتات والحرمان، واكسر ببركة الزواج طغيان العزلة المرة وسلطان العزوبية، واكحل أعيننا برؤية الأجيال الطاهرة تسعى في سترك وإلى رضوانك آمنين، يا من بيده ملكوت كل شيء، ومن له سلطان لا " أحد يقدر على رده.. عن ستر من أراد الستر عليه"(5).

الهوامش
  • 1 صيد الخاطر، لابن الجوزي (ت 597ه) ص15.
  • 2 تفسير التحرير والتنوير ج14/ ص218.
  • 3 السابق ج14/ ص217.
  • 4 السابق ج14/ ص218، 219.
  • 5 الهداية الى بلوغ النهاية ج11/ ص6948.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة