آيات تحويل القبلة.. هندسة اللفظ وإعجاز النظم

محرر سحر البيان

02 فبراير 2026

105

تمثل آيات تحويل القبلة في سورة «البقرة» (من الآية 142 إلى 150) نموذجاً فذاً لإعجاز القرآن الكريم في معالجة القضايا التشريعية والتربوية بأسلوب بياني يجمع بين قوة الحجة وجزالة اللفظ، فالقارئ المتأمل في هذه الآيات يدرك أن الأمر لم يكن مجرد انتقال جغرافي من جهة إلى أخرى، بل كان هندسة ربانية لصياغة هوية الأمة وتثبيت دعائم اليقين عبر نظم لغوي معجز يمتزج فيه جمال اللفظ بدقة الإعراب.

إعجاز الاستباق ولطائف الاشتقاق

تبدأ الآيات ببراعة استهلال إعجازية في قوله تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ).

من الناحية النحوية: استخدم القرآن حرف «السين» الذي يفيد التنفيس وهو الاستقبال القريب، وهذا يختلف عن سوف التي تفيد المدى البعيد، وفي هذا إشارة إلى أن فتنة القول والاعتراض ستبدأ فور صدور الأمر بالتحويل، هذا الإخبار بالغيْب قبل وقوعه يمثل صدمة بيانية للمعترضين؛ فقد وصفهم بـ«السفهاء» حتى قبل أن ينطقوا، وفي هذا تحصين نفسي للمؤمنين؛ فالعقل حين يتوقع الهجوم يقلّ أثره عليه.

في فقه الاشتقاق: مادة «سفه» (س ف هـ) تدور في لغة العرب حول الخفة والاضطراب، يقابلها في المعنى الرزانة والوقار، واختيار هذا الوصف تحديداً يوحي بأن اعتراضهم ليس نابعاً من فكر رصين أو حجة علمية، بل هو خفة في العقل واندفاع في العاطفة، تماماً كخفة الريح التي تلاعب ورق الشجر.

دقة النظم في قوله: (مَا وَلَّاهُمْ): الفعل «ولّى» يتعدى بنفسه وبالحرف، وهنا جاء بصيغة السؤال الاستنكاري ليوحي بصدمة المشركين واليهود من هذا التحول المفاجئ، وكأنهم يقرون ضمناً بأن القبلة الأولى كانت ذات شأن، لكنهم يجهلون سر الانتقال.

هندسة الوسطية وحساب المواقع

في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ).

الوسط لغةً واشتقاقاً: الوسط هو النقطة بين الطرفين، وهو في كلام العرب يطلق على الخيار والأجود، فوسط الوادي أفضل مرعاه، ووسط القلادة هو جوهرتها.

ومن أعجب اللطائف البيانية أن هذه الآية (رقم 143) تقع في منتصف سورة «البقرة» تماماً (286 آية)، هذا التطابق بين المعنى والموقع يشير إلى أن الوسطية ليست مجرد شعار، بل هي حقيقة هندسية في بناء هذا الدين.

كما نلاحظ براعة التقديم والتأخير فقد قال في حق الأمة: (شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)، بينما قال في حق الرسول: (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)، قدم على الناس ليبرز شمولية رسالة الأمة، وقدم عليكم في حق الرسول صلى الله عليه وسلم لبيان اختصاصه برعاية أمته وتزكيتها، وفي هذا تشريف لا يدانيه تشريف.

بلاغة الابتلاء وتأكيد كبيرة

في قوله: (وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ).

نحوياً: «إنْ» هنا هي المخففة من الثقيلة، وأصلها «وإنها كانت»، و«اللام» في لكبيرة هي اللام الفارقة التي تميز «إنْ» المخففة عن «إنْ» النافية، هذا التركيب النحوي يمنح الجملة قوة توكيد وبيان ووضوح.

بيانياً: اختيار وصف كبيرة يوحي بالثقل النفسي والاجتماعي؛ فقد كان تحويل القبلة كبيراً لأنه يصادم المألوف ويقطع الصلة مع يهود المدينة، ويختبر مدى تجرد المؤمن لاتخاذ الوحي قبلةً لقلبه لا مجرد وجهة لبدنه.

الاستثناء: جاء قوله: (إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ) ليحصر الهداية في يد الله وحده، فالتحول المكاني بسيط، لكن التحول النفسي هو المعجزة التي لا يمنحها إلا الخالق.

تقلب الوجه وصمت الدعاء

يقول تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء).

يلاحظ أنه سبحانه لم يقل: قد نراك تنظر إلى السماء، بل قال: (تَقَلُّبَ وَجْهِكَ)، التقلب صيغة «تفعُّل» تدل على التكرار والاضطراب والشدة، هذا التصوير الحركي يغني عن ألف كلمة، فهو يصف حال النبي صلى الله عليه وسلم وهو ينتظر الوحي حياءً من أن يطلبه بلسانه.

أما الفعل «نَرَى» فجاء بالمضارع ليدل على تجدد الرؤية، فالله يرقب نبيه في كل لحظة تقلب فيها وجهه؛ وهو ما يوحي بقرب الاستجابة وعظم المودة بين الخالق وعبده المصطفى.

وفي قوله تعالى: (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا): يلاحظ استخدام «الفاء» العاطفة التي تفيد السرعة، و«اللام» الموطئة للقسم، و«نون» التوكيد الثقيلة في فلنولينّك، كل هذه المؤكدات جاءت لتمسح عن قلب النبي صلى الله عليه وسلم عناء الانتظار، ولم يقل قبلة نأمرك بها، بل قال: (تَرْضَاهَا)، إعلاءً لشأنه صلى الله عليه وسلم.

شطر ووجهة.. أسرار اللفظ والتعريف

تكرر الأمر بـ(فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ).

في الدلالة: الشطر في اللغة يعني النحو والقصد، وأيضاً يعني النصف، واختيارها أدق من جهة؛ فالشطر هو الجزء والمواجهة، وهو ما يسهل على المسلم في أقطار الأرض التوجه نحو المسجد الحرام دون اشتراط إصابة العين بدقة كبيرة تشق على النفس؛ فرحمة التشريع تجلت في دقة اللفظ.

إعرابياً: شطر ظرف مكان، وتكرارها في الآيات (144، 149، 150) ليس تكراراً محضاً، بل هو تأسيس؛ ففي كل مرة يضيف سياقاً جديداً: مرة لبيان مشروعية التحويل، ومرة لبيان الوجوب في السفر (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ)، ومرة لبيان وحدة الأمة وقطع حجة المعارضين.

وجملة (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا) نلاحظ أن جملة هو موليها اسمية تدل على الثبوت، وتنكير وجهة يفيد النوعية؛ أي لكل قوم وجهة يختصون بها، فدعوا الجدال في الجهات واستبقوا في الغايات (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ).

تشبيه المعرفة بالأبناء وبلاغة الخفاء

في قوله: (يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ).

لم يقل: يعرفون الحق، بل استخدم الضمير «الهاء» العائد إما على النبي صلى الله عليه وسلم أو على أمر القبلة، وتشبيه المعرفة بمعرفة الأبناء هو ذروة البيان؛ لأن الإنسان لا يشك في ملامح ابنه الذي رباه وشاهده ينمو يوماً بعد يوم.

ثم جاءت جملة (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) جملة حالية تؤكد أن كتمانهم للحق ليس عن شبهة أو جهل، بل هو كفر عناد، وهو أشد أنواع الكفر بياناً وقبحاً.

بلاغة التذييل والختام بالأسماء الحسنى

تختتم هذه الآيات بأسماء الله الحسنى وصفاته بطريقة تناسب السياق:

1- (إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ): جاءت بعد قوله: (يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا)؛ لتؤكد أن الذي جمعكم على قبلة واحدة قادر على جمعكم يوم القيامة، وقادر على تغيير الأحوال والقبلات.

2- (وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ): «الباء» هنا زائدة للتوكيد في خبر ما النافية (التي تعمل عمل ليس)، هذا الأسلوب النحوي يبعث الرهبة في قلوب المخالفين والطمأنينة في قلوب المؤمنين؛ فالله يراقب حركة الوجوه وحركة القلوب.

3- (إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ): استخدام صيغ المبالغة «فعول»، «فعيل» مع «اللام» المزحلقة وتأكيد بـ«إنّ»، هذه التوكيدات المتراكمة جاءت لتطييب خواطر الصحابة الذين سألوا عن مصير صلواتهم التي صلوها نحو بيت المقدس، فأكد الله أن رحمته أوسع من أن تضيع جهدهم.

دلالة لعلكم في الختام

ينتهي السياق بقوله: (وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).

و«لعل» نحوياً تفيد الرجاء في حق العبد، أما من الله فهي تفيد التحقيق، وبيانياً تفيد أن تحويل القبلة كان وسيلة للهداية، فمن اتبع القبلة فقد وضع قدمه على أول طريق النعمة التامة (وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ).

إن آيات تحويل القبلة في سورة «البقرة» ليست مجرد سرد لحدث تاريخي، بل هي مقطوعة لغوية محكمة، تشابكت فيها الحروف النحوية مع الدلالات الاشتقاقية لترسم لنا صورة الأمة الوسط متجهة صوب قبلتها لتعبد ربها وتوحد وجهتها.

 


اقرأ أيضاً:

دروس من تحويل القبلة

جلال استواء الرحمن.. بين قواعد التنزيه وسحر البيان

عبقرية البدل في النظم القرآني.. قراءة في صراط المنعم عليهم

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة