قراءة في صناعة المكانة بالعلم
أبو جعفر الباقر.. كيف استحق لقب «باقر العلم»؟
أورد الإمام
الذهبي، في «سير أعلام النبلاء» خبرًا يقول: إن أبا جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ هُوَ
السَّيِّدُ الْإِمَامُ، أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ
بْنِ عَلِيٍّ(1)، الْعَلَوِيُّ الْفَاطِمِيُّ، الْمَدَنِيُّ، وَلَدُ
زَيْنِ الْعَابِدِينَ، وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ، فِي حَيَاةِ عَائِشَةَ
وَأَبِي هُرَيْرَةَ، أَرَّخَ ذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ الْبَرْقِيِّ.
رَوَى عَنْ
جَدَّيْهِ؛ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلِيٍّ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ مُرْسَلًا، وَعَنْ جَدَّيْهِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ مُرْسَلًا
أَيْضًا، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَعَائِشَةَ مُرْسَلًا، وَعَنِ
ابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ،
وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِيهِ زَيْنِ الْعَابِدِينَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ
الْحَنَفِيَّةِ، وَطَائِفَةٍ.
وَعَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ مُرْسَلًا أَيْضًا، وَلَيْسَ هُوَ
بِالْمُكْثِرِ، هُوَ فِي الرِّوَايَةِ كَأَبِيهِ وَابْنِهِ جَعْفَرٍ،
ثَلَاثَتُهُمْ لَا يَبْلُغُ حَدِيثُ كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جُزْءًا ضَخْمًا؛
وَلَكِنْ لَهُمْ مَسَائِلُ وَفَتَاوَى.
حَدَّثَ عَنْهُ
ابْنَهُ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَالْأَعْرَجُ مَعَ تَقَدُّمِهِمَا،
وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَأَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ،
وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَرَبِيعَةُ الرَّأْيِ، وَلَيْثُ بْنُ أَبِي
سُلَيْمٍ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَقُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، وَحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ،
وَالْأَعْمَشُ، وَمُخَوَّلُ بْنُ رَاشِدٍ، وَحَرْبُ بْنُ سُرَيْجٍ، وَالْقَاسِمُ
بْنُ الْفَضْلِ الْحُدَّانِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَآخَرُونَ.
وَرِوَايَتُهُ
عَنِ الْحَسَنِ وَعَائِشَةَ فِي سُنَنٍ النَّسَائِيِّ، وَذَلِكَ مُنْقَطِعٌ.
وَرِوَايَتُهُ
عَنْ سَمُرَةَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَكَانَ أَحَدَ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ
الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالسُّؤْدُدِ، وَالشَّرَفِ، وَالثِّقَةِ، وَالرَّزَانَةِ،
وَكَانَ أَهْلًا لِلْخِلَافَةِ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ
الَّذِينَ تُبَجِّلُهُمُ الشِّيعَةُ الْإِمَامِيَّةُ وَتَقُولُ بِعِصْمَتِهِمْ
وَبِمَعْرِفَتِهِمْ بِجَمِيعِ الدِّينِ، فَلَا عِصْمَةَ إِلَّا لِلْمَلَائِكَةِ
وَالنَّبِيِّينَ، وَكُلُّ أَحَدٍ يُصِيبُ وَيُخْطِئُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ
وَيُتْرَكُ سِوَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَإِنَّهُ
مَعْصُومٌ، مُؤَيَّدٌ بِالْوَحْيِ.
وَشُهِرَ أَبُو
جَعْفَرٍ بِالْبَاقِرِ، مِنْ بَقْرِ الْعِلْمِ؛ أَيْ شَقِّهِ، فَعَرَفَ أَصْلَهُ
وَخَفِيَّهُ(2).
قد يجتمع
للإنسان من أسباب الشرف والرفعة ما يجعله معروفاً في قومه قبل أن يعمل، وقد يولد
العبد في بيتٍ كريم تسبقه فيه الأسماء والأنساب، لكن أعظم الرجال وأجلّ الأئمة هم
الذين لا يقفون عند حدود شرف البدايات والانتساب، بل يصنعون شرفاً جديداً
بأعمالهم، وعلومهم، وحسن سمتهم.
وهذا المعنى
الجليل يتجلى بأبهى صوره في سيرة الإمام أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي،
المعروف بـ«الباقر»؛ فقد اجتمع له شرف النسب العلوي الفاطمي الشريف وميراث البيت
النبوي العظيم، لكنه لم يُخلّد اسمه بمجرد الانتساب الشريف، بل بالعلم الراسخ الذي
فتح أبوابه وجلا خفاياه، حتى صار لقبه العلمي ناطقاً بعظم منزلته؛ «الباقر» الذي
بَقَر العلم، أي شقّه واستخرج خفاياه ودقائقه ليكون ميراثاً يُحمل.
اجتماع الشرفين الحسني والحسيني للباقر
ينتهي نسب
الإمام الباقر إلى الشرف النبوي الشريف من طرفيه، فهو فرع زكيّ من الشجرة الهاشمية
المطهرة؛ كما أثبت أئمة التراجم والأخبار: «هُوَ السَّيِّدُ الْإِمَامُ، أَبُو
جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، الْعَلَوِيُّ
الْفَاطِمِيُّ، الْمَدَنِيُّ، وَلَدُ زَيْنِ الْعَابِدِينَ، وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ
وَخَمْسِينَ، فِي حَيَاةِ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ».
فهو يجتمع نسبه
الشريف من جهة أبيه بالسبط المظلوم الحسين بن علي رضي الله عنهما، ومن جهة أمه
الشريفة فاطمة بفرع السبط الحسن بن علي رضي الله عنهما، فأبوه هو الإمام العابد
زين العابدين علي بن الحسين، وجده الحسين، وأمه فاطمة بنت الحسن؛ فاجتمع له نسب
الحسن والحسين معاً، فكان من أشرف بيوت العرب والمسلمين نسباً، لكنه لم يجعل هذا
الشرف الرفيع نهاية المطاف ولا متكأ للاسترسال، بل جَعَلَه مسؤولية شرعية ثقيلة؛
فكان ميراثه الحقيقي الذي أهداه للأمة هو العلم الراسخ الذي حمله هذا البيت
المبارك جيلاً بعد جيل.
الصحابة الذين أدركهم الإمام الباقر بالمدينة
ولد أبو جعفر
الباقر بالمدينة المنورة سنة ست وخمسين للهجرة، في مرحلة مبكرة كانت فيها دار
الهجرة تزخر بآثار النبوة الشريفة وبقية كبار الصحابة الذين نقلوا الفقه والحديث
والسمت الأول للأمة.
فأدرك بالمدينة
أمهات المؤمنين كأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وأكابر الحفاظ كأبي هريرة، وعبدالله
بن عمر، وجابر بن عبدالله، رضي الله عنهم، ونشأ في بيتٍ كان الفقه والعبادة فيه
جزءاً أصيلاً من الهوية والسمت؛ فوالده زين العابدين كان من أعظم أعلام عصره عبادةً
وورعاً وفهماً، يحمل الآثار النبوية بصدق وإجلال.
خريطة شيوخ الباقر من الصحابة والتابعين
لم يكن علم
الإمام الباقر مقتصراً على التلقي الداخلي داخل بيته، بل كان علم تلقٍّ، وسماعٍ،
وطوافٍ على أعلام دار الهجرة؛ فقد ثبت في شيوخه وأسلسة أسانيده: «رَوَى عَنْ
جَدَّيْهِ: النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلِيٍ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ مُرْسَلًا، وَعَنْ جَدَّيْهِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ مُرْسَلًا
أَيْضًا، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَعَائِشَةَ مُرْسَلًا، وَعَنِ
ابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ،
وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِيهِ زَيْنِ الْعَابِدِينَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ
الْحَنَفِيَّةِ».
وهذه الخريطة
العلمية الممتدة تكشف عن مسلك أصولي جامع: فالإمام الباقر لم يغلق علمه داخل مدرسة
واحدة، بل جمع الروافد الفقهية المتعددة من جلة الصحابة والتابعين، فهو يحمل علوم
آل البيت النبوي الشريف، لكنه يعيش ويلتئم داخل دائرة الفقه والحديث الإسلامي
الأوسع بدار الهجرة.
تلامذة الباقر من كبار أئمة التابعين
كما كان الباقر
طالب علم متواضعاً يتبع الآثار، أصبح بعد ذلك إماماً متبوعاً وقبلةً يرحل إليها
أئمة المسلمين ومحدثو الأمصار، فقد روى عنه جلة الفقهاء والنقاد: «حَدَّثَ عَنْهُ
ابْنُهُ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَالْأَعْرَجُ مَعَ تَقَدُّمِهِمَا،
وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَأَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ،
وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَرَبِيعَةُ الرَّأْيِ، وَابْنُ جُرَيْجٍ،
وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالْأَعْمَشُ».
وهذه القائمة
الشريفة تضم أعلام الاجتهاد والتدوين في مكة، والمدينة، والشام، والكوفة، ومصر؛
مما يبرهن على مكانته العلمية العالية التي خضع لها معاصروه، يوضح هذه الهيبة
العلمية ما رواه عبد الله بن عطاء في وصف مجلسه: «قَالَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ
عَطَاءٍ: مَا رَأَيْتُ الْعُلَمَاءَ عِنْدَ أَحَدٍ أَصْغَرَ مِنْهُمْ عِلْمًا
عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ؛ لَقَدْ رَأَيْتُ الْحَكَمَ عِنْدَهُ كَأَنَّهُ
مُتَعَلِّمٌ»(3).
فلم يكن الباقر
مجرد راوٍ يُحدث بالصحف، بل كان صاحب نظر ثاقب، وفقه واسع، وفتيا يرجع إليها
المحدثون والفقهاء.
سبب قلة الأحاديث المرفوعة عند الباقر
من الدقة
النقدية التي نص عليها الإمام الذهبي في تراجم أئمة آل البيت أن الباقر لم يكن
يكثر من سرد الأحاديث المرفوعة بأعداد ضخمة، وهذا ليس لقلة مادتهم العلمية، بل
يرجع إلى طبيعة منهجهم الفقهي والتعليمي؛ فقد ثبت في السير: «وَلَيْسَ هُوَ
بِالْمُكْثِرِ، هُوَ فِي الرِّوَايَةِ كَأَبِيهِ وَابْنِهِ جَعْفَرٍ،
ثَلَاثَتُهُمْ لَا يَبْلُغُ حَدِيثُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جُزْءًا ضَخْمًا;
وَلَكِنْ لَهُمْ مَسَائِلُ وَفَتَاوَى.. وَكَانَ أَحَدَ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ
الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالسُّؤْدُدِ، وَالشَّرَفِ، وَالثِّقَةِ، وَالرَّزَانَةِ».
وهذه النص
النظري يؤسس لقاعدة جليلة؛ أن العلم الحقيقي ليس دائماً في كثرة المرويات وسرد
الأسانيد، بل في عمق الفهم الفقهي، وحسن الاستنباط، وتفسير المعاني، وتوجيه
الأحكام، وتلك هي الخصيصة التي جعلته يتبوأ مقام الإمامة بلقبه الخالد.
لماذا لقب محمد بن عليّ بالباقر؟
لم يكن هذا
اللقب الشريف مجرد اسم طارئ أو شهرة عابرة؛ فالبَقْر في لسان العرب هو الشَّقُّ،
والفتح، والتوسع الميداني؛ فيقال: بَقَر الأرض أي شقها واستخرج مدفون خباياها، وسمي
محمد بن علي بالباقر لأنه بَقَرَ العلم بقرًا؛ كما فسره الحافظ: «وَشُهِرَ أَبُو
جَعْفَرٍ بِالْبَاقِرِ، مِنْ بَقْرِ الْعِلْمِ؛ أَيْ شَقِّهِ، فَعَرَفَ أَصْلَهُ
وَخَفِيَّهُ».
أي أنه دخل إلى
أصول المسائل الشرعية، وكشف خفايا الأحكام، وعرف الدقائق دون أن يقف عند ظاهر
النصوص، فكان العلم عنده صرحاً متكاملاً يُفهم مراميه وأصوله، وهذا السر الأكبر
الذي جعل أئمة التابعين المتبوعين يلتفون حوله للاستفادة من فقهه ونظره.
تكامل الشرف النبوي مع الاجتهاد العلمي
تكشف حياة
الإمام أبي جعفر الباقر عن قاعدة أصولية وتربوية حاسمة: إن النسب الشريف قد يرفع
صاحبه في أعين الناس قدراً ومحبة، لكن العلم والعمل الصالح هما اللذان يرفعان
العبد في ميزان الشريعة وتاريخ الأمة الباقي، فلو كان الإمام مجرد شريف النسب لكان
ذكره محفوظاً بسبب أسرته الشريفة فقط، لكن بقاء اسمه مقروناً بالإمامة والفقه يدل
على أنه صنع مكانته برحلته العلمية وجهده الشخصي؛ فجمع بين شرف البيت، وشرف
العبادة، وشرف العلم الفذ.
وهذا المسلك هو
التطبيق العملي لميزان التفاضل الشرعي الذي أرساه النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما
يظهر في تقديم أهل العلم والقرآن وإن كانوا موالي، مقتدياً بكبار الصحابة الذين
قدموا الشرف العلمي؛ كما أثبته التاريخ التراثي: «أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ
الْحَارِثِ لَقِيَ عُمَرَ بِعُسْفَانَ - وَكَانَ عُمَرُ يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى
مَكَّةَ - فَقَالَ: مَنِ اسْتَعْمَلْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي؟ فَقَالَ: ابْنَ
أَبْزَى قَالَ: وَمَنِ ابْنُ أَبْزَى؟ قَالَ: مَوْلًى مِنْ مَوَالِينَا، قَالَ:
فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى، قَالَ: إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللهِ تعالى
وَإِنَّهُ عَالِمٌ الْفَرَائِضِ، قَالَ عُمَرُ: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ صلى الله
عليه وسلم قَدْ قَالَ: إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا
وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ»(4).
يكشف هذا الأثر
عن المعيار الأسمى للرفعة في الإسلام؛ فصاحب العلم والقرآن يرفعه علمه وإن كان
مولى، والشريف نسباً إذا اقترن علمه بنسبه صار نوراً على نور وإماماً متبوعاً كأبي
جعفر الباقر، فالأنساب لا تغني عن أصحابها شيئاً إن قصر بهم العمل، والنسب النبوي
العظيم كان بالنسبة للإمام الباقر مسؤولية مضاعفة تدفعه لمزيد من التعلم والتفقه
ليحفظ ميراث آبائه وأجداده.
إجماع المحدثين والفقهاء على وثاقة الباقر
أجمع أئمة
الإسلام من المحدثين والفقهاء على جلالة الباقر وسيادته وثقته؛ فهو عند أهل السنة
والجماعة إمام جليل من أئمة أهل البيت النبوي الشريف، ثقة، فقيه، عالم من خيار
علماء المدينة المنورة، وهو عند الشيعة الإمامية أحد أئمتهم الأجلاء.
وقد حرر الحافظ
الذهبي الميزان الأصولي المنضبط في إجلال قدره مع تقرير أصول الديانة: «وَهُوَ
أَحَدُ الْأَئِمَّةِ.. فَلَا عِصْمَةَ إِلَّا لِلْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ،
وَكُلُّ أَحَدٍ يُصِيبُ وَيُخْطِئُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ سِوَى
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَإِنَّهُ مَعْصُومٌ، مُؤَيَّدٌ
بِالْوَحْيِ».
فمكانة العالم
والفقيه تُحفظ وتُجل بتوقير مقامه الشريف، مع لزوم الميزان العلمي الذي يرى
المعصوم الوحيد هو الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن كل أحد بعده يُستضاء بعلمه
ويُعرض على محكمات التنزيل والسُّنة.
قواعد تربوية مقتبسة من سيرة الباقر
تتصل الدروس
التربوية والإيمانية المستفادة من سيرة الإمام الباقر اتصالاً وثيقاً بتقديم نموذج
علمي وعملي فريد لكيفية توجيه الطاقة والنسب في أبواب النفع والسيادة، وتتجلى أهم
هذه القواعد التي عبرت عنها مسيرته العطرة في المعاني الآتية:
- النسب الشريف
بداية مسؤولية وليس نهاية مطاف: فأشرف البيوت تحتاج إلى رجال يحملون رسالتها
بالعمل والتقوى والطلب.
- العلم الراسخ
يجمع بين حفظ المرويات وعمق الفقه والاستنباط: فالإمام ليس من يكثر السرد، بل من
ينفذ إلى خفايا النصوص ومقاصد الأحكام.
- الأثر الحقيقي
للعالم يظهر في جلالة التلامذة والآخذين عنه: فكما لزم الباقر شيوخ الصحابة
والتابعين، خرجت من مجلسه طبقة أئمة المذاهب والفقهاء.
- أعظم ما يورثه
العبد في الأمة هو العلم والعمل الصالح: فالمظاهر تزول والأموال تفنى، ويبقى أثر
المعرفة حياً في صدور الرجال؛ كما أثره أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله
عنه: «قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: مَاتَ خُزَّانُ الأَمْوَالِ وَهُمْ
أَحْيَاءٌ، وَالْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ، أَعْيَانُهُمْ
مَفْقُودَةٌ، وَأَمْثَالُهُمْ فِي الْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ»(5).
وبهذه المعالم
المتكاملة تكتمل صورة المربّي والعالم الذي يترجم ميراث أهله الشريف إلى أثر حَيّ
وممتد في الأمة، ليبقى جيل التابعين شاهداً على أن العلم والتزكية هما الحصن
الأكبر لحفظ هداية هذا الدين.
كيف خلد شقُّ العلم اسم الباقر؟
تؤكد قصة أبي
جعفر محمد بن علي الباقر أن شرف البيت والقرابة النبوية لم يكن يوماً مسوغاً للكسل
أو التواكل، فعندما استشعر الباقر ثقل أمانة الانتماء لآل البيت، لم يكتفِ بوجاهة
النسب، بل شمر في الرحلة والطلب حتى بقر علوم الشريعة واستخرج خفاياها، وإن هذا
النموذج الحَي يعلم الأجيال أن الشرف الحقيقي هو ما بنته يد الإنسان بجهدها وفقهها
وتقواها، وأن النسب العظيم حافز لمزيد من البذل والتفقه لخدمة أمة الإسلام.
كان أبو جعفر الباقر نموذجًا فذاً وفريداً لاجتماع الشرفين الراشدين: شرف النسب والبيت النبوي المطهر الذي حمله من علي وفاطمة رضي الله عنهما، وشرف العلم الراسخ الذي بناه بالطلب، والعبادة، والفهم، والتعليم، لم يبقَ اسمه خافقاً في التراث لمجرد أنه نجل زين العابدين وابن الحسين فقط..، بل لأنه محمد بن علي الذي فتح أبواب الفقه وشق المسائل الشرعية، حتى صار لقبه وصفاً لمسيرته الخالدة: الباقر.، الذي بقر العلم حتى أظهر خفاياه، فبعض الرجال يرثون مجد السابقين فقط، أما العظماء فيضيفون إلى الشرف الموروث مجدًا جديداً يبث النور والأثر في الأمة عبر التاريخ.
الهوامش
- 1 أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (الباقر): ولد بالمدينة المنورة سنة 56هـ، وهو تابعي جليل ومن أئمة العلم والفقه في آل البيت، اشتهر بتبحر العلم وتبقره فيه، والحديث، والتفسير، والعبادة والسيادة، سكن المدينة المنورة وتوفي بها سنة 114هـ.
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 402).
- 3 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (3/ 186).
- 4 صحيح مسلم (2/ 201/ 817).
- 5 العقد الفريد (2/ 81).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً